أسطورة موريس توريز وأكاذيب ماكرون

دحض الخرافة الفرنسية

  • الأسس الحقوقية لبعث الدولة الجزائرية من منظور الدكتور محمد البجاوي مستشار رئيس الحكومة المؤقتة خلال الثورة التحريرية  

 

يرى الدكتور محمد البجاوي بأن انبعاث الدولة الجزائرية لا يتفق مع الإرث التاريخي، والتطور الاجتماعي، ومع الإرادة السياسية للشعب فحسب بل يتعدى ذلك إلى اتفاقه مع القانون الدولي ذلك وأن سيادة الشعب الجزائري لا يمكن اعتبارها من الوجهة الحقوقية لاغية بفعل الاحتلال الفرنسي منذ 1830م وذلك للأسباب التالية:

أولا: قبل الاحتلال الفرنسي كانت الجزائر شخصا من أشخاص القانون الدولي وعضوا من أعضاء المجتمع الدولي 

فوفقا للنظرية التقليدية في القانون الدولي نستخلص قيام الدولة بتوافرها على جملة من الشروط الفعلية الأربعة المتمثلة  في الأرض وجماعة من الناس ووجود سلطة عامة واستقلال هذه المجموعة عن سواها من سائر المجموعات والملاحظ ان الأرض التي استوت عليها مؤسسات دولة الجزائر كانت حدودها  واضحة ومتميزة شأنها شأن حدود الدول في ذلك الزمن حيث كانت الجزائر تتألف من ولايات أو البيالك تتمثل في بيالك الغرب وعاصمته وهران وبايلك الشرق وعاصمته قسنطينة وبايلك التيطري وعاصمته المدية اضافة الى دار السلطان بالجزائر العاصمة وكانت القبائل الضاربة على الحدود الجزائرية  التونسية والحدود الجزائرية  والمغربية تعرف حق المعرفة الدولة التي تستظل بسلطانها كما أن الجزائر  لها شعبها  الذي  يتميز بخصائصه الاجتماعية عن باقي شعوب الدول الأخرى والذي لا يحتاج الى تفصيل وشرح طويل وبخصوص تنظيم السلطة العامة فله ثوابته المتمثلة في:

_وجود حكومة جزائرية على رأسها الداي والى جانبه وكيل الخرج القائم بشؤون البحرية والعلاقات الخارجية والآغا الذي كان بمثابة وزير للحرب والخزناجي المكلف بالشؤون الداخلية والمالية وخوجة الخيل مدير أملاك الدولة وشيخ الإسلام المكلف بالعدالة بالشؤون الدينية والباشا كاتب الأمين العام

_وجود إدارة مركزية وإدارات فرعية تابعة لها في الولايات والمناطق التي كان يشرف عليها البايات معين من الداي فكانت هذه البيالك أو الأوطان مقسمة إلى أوطان واضحة الحدود تحت سلطة قائد وكل وطن بدوره مقسم الى قبائل على راس كل منها شيخ أما المدن فكان في كل منها شيخ البلد وهو بمثابة رئيس البلدية والقائم على بيت المال والمحاسب المكلف بمراقبة الأسواق والمعارض وقائد العيون المكلف بالأشغال العامة ومسائل المياه  اما المهن فكان لكل منها أمين بمثابة نقيب 

_وجود جهاز قضائي برئاسة شيخ الإسلام ومن بعده القضاة 

_الإستقلال كما كانت الجزائر تتمتع بإستقلالها الذي كان حقيقة راهنة حيث تحررت من تبعيتها للباب العالي منذ القرن السابع عشر ميلادي ولم تكن مرتبطة به الا بإرتباط معنوي فكان الداي في الجزائر  يقيم علاقته الدبلوماسية مع سائر الدول خارج عن سلطة الدولة العثمانية وكان يتم بإسم الدولة الجزائرية 

_الدولة الجزائرية عضو في مجتمع الأمم 

لم يكن الأمر  قاصرا على الدولة الجزائرية قد اعترفت بها الدول في مقابل  ذلك كانت هي كذلك تعترف بدول جديدة كما كانت الدولة الجزائرية تمارس حيال ذلك حق سامي في مراقبتها على البحر الأبيض المتوسط وما يؤكد سيادتها هو ابرامها  المعاهدات واقامتها  لتحالفات  واعلانها للحرب واقرارها للسلم حيث عقدت الكثير من المعاهدات منذ بداية القرن السابع عشر ميلادي مع العديد من الدول خصوصا فرنسا والبرتغال  والدنمارك وهولاندا وبريطانيا  والولايات المتحدة الأمريكية 

_إن إلحاق الجزائر كان عملا مستحيلا من الناحية الحقوقية بأي نص من النصوص التي وضعتها فرنسا لتبرير إلحاقها للجزائر المتمثلة في أربع نصوص:

_إتفاق 5جويلية1830م  ولا تعني بوجه من الوجوه بأنها معاهدة صلح او انتقال للسيادة بل هي مجرد اتفاقية استسلام تنص على سقوط مدينة الجزائر وحدها وبمثابة اتفاق محلي لأنه لا يتعرض على سبيل الحصر إلا لاستسلام مدينة الجزائر وحدها وهو اتفاق على هدنة لأنه لم ينص إلا على وقف القتال في مدينة الجزائر في حين استمر في المدن والأنحاء الأخرى واستمرت الحرب بعد ذلك كما أن الاتفاقية في ترك كل شيء على حاله وهي بذلك على طرفي نقيض مع اتفاقية إلحاق او نقل سيادة او سلطان 

_قرار باريس في 22جويلية 1834م وبخصوص هذا القرار الذي يعتبره الكثير من الحقوقيين المختصين بأنه من النصوص الأساسية للتشريع الفرنسي في الجزائر وإلحاقه بفرنسا غير أنه يبدوا في الواقع لا ينص في أي جزء منه على هذا الإلحاق ويقتصر على تعين حاكم فرنسي عام للممتلكات الفرنسية وفي شمال افريقيا وهو تدبير يغلب عليه الغموض خصوصا وان  اتفاقية الاستسلام لم تضع حدا للنزاع القائم في الجزائر وبتالي الاستحالة القانونية لضم الجزائر وإلحاقها في تلك الظروف نظرا لعدم توافقها مع الشروط  المقررة في الحقوق الدولية التي تؤكد على شرعية الإلحاق ونهاية الدولة المغلوبة من الوجود وبالتالي كان الإلحاق سابق لأوانه وغير مشروع في القانون الدولي كما ظلت اتفاقيات _ ديمشال  في 06 جانفي 1835_ التافنة في 30ماي 1837 بعيدة كل البعد عن نص ضم الحزائر الى فرنسا  وليس لها مبرر يقوم على اي مستند حقوقي لإلحاق الجزائر المزعوم بفرنسا وفي هذا الصدد يقول محمد البجاوي ليس ثمة أي نص قانوني يمكن أن يؤسس عليه حقوقيا إلحاق الجزائر بفرنسا ومن العبث ايضا اللجوء الى القانون العام بحثا عن أساس صالح والمناسب التذكير بالفرق الكائن  حقوقيا بين الإلحاق والاحتلال إذ ان الاول خلافا للثاني يتم بإمحاء كلي للخصوصية الحقوقية التي تتميز بها الأرض المنضمة أي بأن تطبق عليها  تطبيقا عاما  شاملا سائر قوانين الدولة المستخلفة في المقابل يبقي  الاحتلال وينشئ خصوصية حقوقية للأرض المحتلة وبالتالي فإن استحالة ضم الجزائر الى فرنسا والحاقها حقوقيا يعود الى سببين 

_إستحالة إلحاق الأرض المأهولة من الوجهة الحقوقية مالم يتم بموافقة سكانها 

_تحريم الحقوق الدولية ضم الاراضي المأهولة  عنوة وبالتالي فشلت فرنسا في إلحاق الجزائر بل ولم تعمد حتى الى الإدماج الشامل سواء من الجوانب السياسية أو الادارية أو الاجتماعية وعليه فإنه لا في القانون الدولي ولا في الوقائع أمكن أن يكون ثمة إلحاق للجزائر كما ألحقت السافوي أو أي ولاية فرنسية اخرى فهل يمكن أن تتخذ من  بقاء فرنسا في الجزائر سندا حقوقيا منتجا بالاستناد إلى نظرية التسليم دون قيد أو شرط ان هذا أيضا مجرد توهم 

_إن التسليم دون شرط ودون قيد لم يكن تطبيقا ممكنا وذلك لعدم قدرة فرنسا في الاحتجاج بنظرية الفقه الدولي الا اذا اعترفت مسبقا بوجود الدولة الجزائرية قبل 1830خصوصا وأن الحجة الفرنسية الرسمية قد رفضت دائما هذه النقطة وبالتالي أصبحت نظرية التسليم دون شرط ودون قيد لا تجد لها مكانا في تشريع يخضع اللجوء الى القوة الى قواعد أساسية الى جانب بطلان القانونيين التي استندت اليها فرنسا لتأكيد على زوال الدولة الجزائرية الى جانب تفادي القضاء الاداري الفرنسي بالإدلاء حول اتفاق05 جويلية 1830 وحلول الدولة الفرنسي في مكان الدولة الجزائرية وفضلا على هذا يرى محمد البجاوي فإن كان هناك وجود لتسليم وإلحاق نهائي فإننا لا ندري لم رأى البرلمان الفرنسي من الضروري إعلانه في السنوات الأخيرة من الاحتلال أن الصحراء الجزائرية ارض وطنية والمعلوم ان التسليم يأدي إلى زوال الدولة يؤدي كذلك إلى زوال الجنسية وبالتالي فإن الجنسية  الجزائرية لم يتم الغائها في 1830 ولم يحدث ذلك الى في سنة 1865 إذا استبعدت الجنسية  الجزائرية دون مبرر شرعي بلائحة وفي المقابل رفضت الجنسية  الفرنسية من طرف أغلبية الشعب الجزائري وقد بقت مقاومة التسليم المزعوم بشتى الصور مستمرة إلى غاية اعادة بعث الدولة الجزائرية ومؤسساتها وفي عدة مناسبات ولاسيما في 14جوان و 04  نوفمبر 1920 صرح الرئيس الفرنسي بأن قضية الجزائر مطروحة منذ مئة وثلاثين عام معترفا ذلك سياسيا ببطلان كل تسليم في الجزائر كما أن نظرية الاحتلال بنية اكتساب الارض لم يتم قبوله إلا في حالة واحدة هي أن تكون الأرض غير مأهولة كما أن هذا الحق تلزمه عدة شروط وقيود وبالتالي فإن الاحتلال بنية اكتساب ارض مأهولة قد حرمه القانون الدولي ،وهذا ما يتوافق مع مذهب مونرو 1823م كما أن الاكتساب الاراضي عن طريق الاحتلال غالبا ما كان موضع احتجاج بين الدول الاستعمارية خصوصا في القرن التاسع عشر ومثال ذلك وضعية احتلال الجزائر بين فرنسا وإنجلترا .

وبالتالي فإن الاحتلال بنية اكتساب الأراضي لا يمنح صاحبه سندا حقوقيا لا يجادل فيه ولا يقبل الطعن فهو عارض ومؤقت ولا يعطي أبدا سند اكتساب قطعي كما أن فكرة التقادم التي أخذت بها القوانين الداخلية الفرنسية رفضه القانون الدولي الى جانب رفض الشعب الجزائري للسيادة الفرنسية والواقع الاستعماري الجائر  على أراضيه بشتى الوسائل  سلمية او عنيفة كما أن فكرة التقادم لم يتم قبولها تماما  لا في القانون ولا في الواقع حيث رفضها الكثير من الحقوقيين وتحفظ منها القضاء الدولي ومحكمة العدل الدولية  الدائمة ومحكمة الدولية في  لاهاي “كما أن المؤلفين الموافقين على فكرة التقادم لا يقرون بنتائج التقادم الا في حالة ما تعلق بأرض غير مأهولة ولا سيد لها كما أن على الدولة المحتلة ينبغي أن تتوفر لديها نية التصرف كصاحبة السيادة على البلد وان تستمر على ذلك الى الأبد كما عليها ان تكون سيدة في البلد بسائر أنحائه الى جانب الى تنعم بحيازة هادئة مستمرة للبلد  إذ لا يمكن اكتساب حق السيادة بمجرد مرور الزمن اذا كانت ممارسة هذه السيادة تجابه باستمرار مقاومة السكان الأصليين  تحت النير وبالتالي فهذه الشروط لا تتوافق مع حالة الجزائر مما يخرجها  على نطاق فكرة التقادم سواء من الوجهة القانونية أو الواقعية وبالتالي فإن الاحتلال كوسيلة من وسائل اكتساب الأرض قد اعتبر دائما غير شرعي في القانون الدولي متى كانت هذه الأرض مأهولة وذات حكومة  كما أن هذا الاحتلال لا يمكن أن يزول بالتقادم وإن حقوق الدولة الجزائرية لا يسرى عليها بالتقادم بالإضافة إلى أن نية فرنسا في بسط سيادتها على الجزائر كانت متقطعة لقرابة 20 سنة من احتلالها للجزائر وقد زالت نيتها في بسط سيادتها واستمرارها  طبقا لما ورد في مقدمة دستورها  لسنة 1946 وبذلك كانت واقعية السلطة الفرنسية على الجزائر عامة  وليست مطلقة وهذا ما نلمسه  في خطابات الحاكم العام جاك سوستال حول فشل التسير الاداري الفرنسي للجزائر من جهة ومن جهة أخرى نلمسه من خلال تلك المقاومة العسكرية والسياسية وصولا الى الثورة التحريرية التي قام بها الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي  رفضا لسيادته وتثبيت سلطته على الجزائر ناهيك على تمردات المستوطنين التي عرقلة وساهمت في اخفاق بسط السيادة الفرنسية على الجزائر  وبالتالي  يرى محمد البجاوي أن قيام الدولة الفرنسية بالجزائر ليس له أي مستند شرعي وماكان وجودها الا مجرد واقع نجم على احتلال استبدادي عاجز ينتظر على ان يتم منحه الأساس القانوني الذي سيظل يفتقده الى الأبد 

__لمزيد من المعلومات ينظر كتاب محمد البجاوي الثورة الجزائرية والقانون

بقلم الأستاذ: عادل فرحاني  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك