أطراف الأزمات في المشرق العربي.. قواعد اللغة والسياسة

بقلم: صالح عوض

كيف نرتب أطراف الصراع في الإقليم وعلاقة كل منها بالآخر؟ لعلنا نجد النموذج المقرب للفهم والاستدلال.. تلك هدية تمنحها لنا مسميات النحو المناسبة لتوصيف الأوضاع في منطقة المشرق العربي فهناك الجار والمجرور  والمضاف والمضاف اليه والفاعل ونائب الفاعل  وجمع التكسير والجمع الصحيح و الفاعل والمفعول به والحال والصفة والموصوف وشبه الجملة والجملة الصحيحة وصيغ المبالغة كما في أدبها كنابة و استعارة بشقيها المكني والصريح والإطناب والإسهاب و البلاغة.. والغريب في العربية قدرتها وحضورها في رسم المشهد على قواعد تأسيسية تتداخل فيها المعارف اللغوية مع التحليل السياسي ومفرداته ولولا خصوصية الموضوع لسرحنا في بيادر اللغة المعجزة التي تحمل في ذاتها فلسفة ومنظومات قيم ووعي ومفاهيم ولعل العمر يمنحنا متسعا لنكتب حولها ودورها في فهم المستشكل من المعاني والمواقف.. المهم أن حال العرب لم يخرج عن توصيفات النحو والصرف العربيين.. ولهذا نجد أنه من السهل عليهم ادراك أطراف الصراع وأدوارهم.. فلقد قعدت اللغة في مداركهم سبلا للفهم والتوصيف فشكرا للغة التي نقلتهم الى الوعي والإدراك.

 أطراف الصراع: 

 بعد ان كانت فلسطين هي ساحة الاشتباك المدوي في الإقليم وكانت دول الطوق في مرمى نيران الصراع من حين إلى آخر إلا ان الفواعل في المشهد اليوم تتوسع لتشمل: روسيا، تركيا، مصر، السعودية، سورية، إيران، العراق، اليمن، ليبيا، لبنان، أمريكا.. هذه عناوين الصراع المحتدم اليوم في المنطقة والمتنوع سياسيا وإعلاميا وعسكريا، والذي تبدو تحالفاته في بعض أجزائها متحولة، ولا يعرف على وجه اليقين أين تتجه هذه التحالفات وما هي نتيجة الصراع في كل منها بعد مضي سنوات قاسية على الاشتباك؟ وهنا لابد من قراءة في المتغير من علاقات وتصورات لأماكن الصراع  وأطرافه.

المتغيرات الميدانية تسير ببطئ شديد مخلة أثارا مأساوية في اكثر من بلد عربي فلقد أفضى الانفجار في العراق الى دولة فاشلة وشعب مهدد في امنه ومعيشته كما الحال في سورية حيث تم التدمير المنهجي للبلد ولروحه وبأدوات عديدة متناقضة في مواقعها ومتوحدة في نتائجها، وكذلك الأمر في اليمن الذي تشظى على نفسه وجلب اليه الخصوم ليمارسوا استنزافه بحروبهم التي تبدو عبثية في الاهداف وعدمية في النتائج، وفي مصر بعد سنوات عدة على اشتباك الجيش بالاخوان وبداية حكم جديد لايزال الاضطراب الامني والعجز الاقتصادي وانهيار العملة المصرية وارتفاع حجم المديونية، أما تونس فهي مبعثرة على ذاتها لم تستقر على حال الامر الذي ترك بثقله على معيشة المواطن واستقرار البلد، ولبنان في انشدادات الى محاور لم تبق منه شيئا في  بلد ينوء فتحت وطأة الديون الثقيلة، وفي ايران رغم انها تحاول التمدد خارجيا الا ان العقوبات تواصل تأثيرها على المجتمع الايراني بعد أن كادت العزلة الاقليمية تفرض عليه واقعا مقدسا بالدعايات والاتهامات والشيطنة، وتركيا رغم كل ماتبدله من تحالفات وسياسات تبدو احيانا بهلوانية الا انها لم تخرج من دائرة الاستهداف والخطورة .. مع كل ذلك يبدو ان هناك فضلا عن التغيرات الميدانية اربعة متغيرات كبيرة لابد من رصدها وتأملها .

متغير العلاقات:

 المتغير الاول: الموقف المصري تجاه السعودية والامارات.. من الواضح ان النظام المصري كان ولامد قريب يتكىء على الدعم السعودي والاماراتي السياسي والمالي في الخروج من ازمة سياسية واقتصادية ووصل التفاهم بين الطرفين الى حد تنازل مصر عن جزيرتين مصريتين تاريخيتين او على الاقل هكذا يعتقد كثير من المصريين وذلك مقابل ضخ مليارات الدولارات في الخزينة المصرية التي تعاني عجزا مضطردا.. ولكن مع الزمن تبايت المواقف ولكن قبل تناول التسلسل في التباين من المهم الاشارة الى قانون الجوبوليتيك والجيواستراتيجي الذي يتحكم في مزاج كل من البلدين فمصر تعتبر نفسها قاطرة الوطن العربي بملايينها المئة وموقعها المتوسط وعاصمة المسلمين السنة بوجود الازهر فيها وقيادتها الثقافية لهم مئات السنين في الاحقاب الاخيرة فيما ترى السعودية والامارات انها صاحبة النفوذ الاضخم نتيجة ثرواتها الفائقة واسهاماتها الكثيرة في مشاريع عديدة هنا وهناك فهما بذلك طموحتان الى ان تكون مرجعية المسلمين السنة وزعيمة الوطن العربي.. هذه الجغرافية وما تعكسه في النفوس لطالما دفعت بالاشتباك بين المصريين وسكان الجزيرة ولعلنا نتذكر كيف كانت الحروب الجدية بين الوهابيين ومحمد علي ومن بعد بين عبدالناصر وال سعود لقد كانت حروبا دامية اهدرت فيها الاموال والارواح.. من هنا بالضبط من الصعب تجاوز هذه المسألة المتجذرة بين البلدين لاسيما عندما يمس الامر قضايا حساسة وهنا برزت الاختلافات التي تتدحرج ككرة ثلج حول العناوين الثلاثة التي تشغل بال السعوديين والاماراتيين :1- الاصطفاف الطائفي ضد ايران ومن لف لفها كحزب الله والحوثيين 2- الموقف من الدولة السورية والجيش السوري والنظام السوري 3- الموقف من ازمة اليمن والصراع فيها..واضح ان المصريين نأوا بانفسهم عن اي اصطفاف طائفي وتطور موقفهم في النهاية الى علاقات رسمية مع ايران بعد ان ارسلت مصر قائم بالاعمال الى طهران عقب لقاء وزيري الخارجية المصري والايراني و كان اكثر من واضح موقف الازهر ازاء القضية الطائفية حيث رفض الانخراط فيها بل توجه الى مؤتمر في غروزني ليخرج الوهابية من تحت عنوان اهل السنة والجماعة..ومن الموقف تجاه سورية يؤكد المصريون ان الجيش السوري هو الجيش الاول بالنسبة لهم وانهم لن يسمحوا بسقوطه او انهيار الدولة السورية وتقسيم الجغرافية السورية.. وبالنسبة لليمن فلقد اكتفى المصريون ان يكون باب المندب بعيدا عن التناوشات والاشتباك لما له من اهمية استراتيجية لمصر وتمنع المصريون عن المشاركة في الحرب على اليمن وسبق ان كانت هناك علاقات متواصلة بين الحوثيين ومصر.. وهكذا اصبح التباين قد بلغ ذروته الاسابيع الاخيرة في مجلس الامن عندما وقفت مصر بعيدا عن ادانة ايران.. كما ان الموقف المصري يجد تناميا تجاه العلاقة الاستراتيجية مع روسيا تجسد ذلك مؤخرا في المناورات العسكرية المشتركة والعقود العملاقة بين البلدين في مجالات صناعية وسياحية وتجارية وقبل ذلك لعل مؤتمر غروزني الذي اخرج الوهابية من اهل السنة ما كان له ان يتم لولا انه كان برضى من النظام المصري الذي يلوح باوراق القوة التي بيده ومنها الازهر الشريف المرجعية الكبيرة في مواجهة ماتحاوله السعودية من اعتبار انها مرجعية المسلمين بما فيها من مقدسات اسلامية.

المتغير الثاني: التقارب الروسي التركي: من الواضح انهما سارا الى رسم استراتيجية مشتركة لها علاقة بالقضايا الاقليمية بعد ان ابدى الروس اهتماما بالغا بالدور التركي في الاقليم وبعد ان اكتشف الاتراك ان كثيرا من حلفائهم الاقليميين والدوليين لا يمكن المراهنة عليهم ويبدو ان الاتفاقات مست قضايا اقتصادية جوهرية سياحة ونفط وصواريخ من روسيا وقضايا استراتيجية اقليمية بشان الموقف من شمال سورية ومواجهة المتمردين الاكراد واخيرا موضوع اذربيجان الامر الذي يعني ان تفصيلات ميدانية تمت مراعاتها بين البلدين الكبيرين.. وتوج ذلك كله بموقف تركي واضح انه مع حل سياسي يحافظ على وحدة سورية.

المتغير الثالث: الموقف الامريكي من الحرب على اليمن: فلقد صرح الامريكان بصوت عال انهم سيراجعون موقفهم من عمليات التحالف السعودي وانهم بصدد مراجعة موقفهم من الحوثيين ولعل بايدن سوف يسير خطوات في موضوع الحرب على اليمن.. والموقف الامريكي   يتنامى ضد السعودية وكان لقرار الكونجرس الامريكي قبل اسابيع قليلة الضوء على خريطة الطريق نحو استدراج السعودية نحو ازمات حقيقية يتم من خلالها استنزاف ثرواتها وملاحقة قيادات امنية فيها وجلبهم الى محاكمات امريكية ودفعها الى مزيد من التعقيدات الاقليمية وواضح من تصريحات حول جرائم حرب من قبل السعودية في اليمن وحقوق الانسان في المملكة وعلى رأسها موضوع خاشقجي ان هناك نوايا امريكية مبيتة ضد السعودية.

المتغير الرابع:   التصعيد الامريكي الروسي-الصيني: واضح ان الامريكان وهم ينسحبون من المنطقة قد وضعوا فيها اليات التآكل الذاتي الذي يكفل بتقييمها مدشنين بذلك سايكس بيكو جديد تتقسم فيه بلدان الهلال الخصيب والجزيرة العربية الى دويلات على اسس عرقية وطائفية وجهوية لتضمن بذلك تفوق اسرائيل ولنهب ثروات المنطقة بابخس الاثمان متفردة.. ولكن يبدو ان التدخل الروسي اوقف المخطط الامريكي الى حد كبير فلقد اقتضت المصالح الروسية ان تقف الدولة الروسية مع وحدة الدولة السورية والتصدي للمجموعات المسلحة التي تشكل تحديا امنيا لاحقا لامن روسيا الاتحادية فالقت روسيا بثقلها وجلبت الموقف الامريكي للتناغم حول موقف مشترك ولكن الامريكان تملصوا من الاتفاق الموقع بين الطرفين بعد ان رفضوا الاعلان عنه مما نتج عنه تصعيدا كلاميا خطيرا بين الدولتين الكبيرتين الى ما يشبه الوقوف على حافة الهاوية واصبحت البحار والمحيطات شاهدة على تحرك الغواصات والبارجات من كل الاطراف نحو شرق المتوسط.. ولايزال الموقف يشهد تعقيدات لاسيما بعد الوقوف الفرنسي الاوربي في نفس الحيثيات الامريكية من جهة وانضمام الصين الى الموقف الروسي وتطور الصراع الاستراتيجي الى بحر الصين واوربا الشرقية والغربية بفعل الدرع الصاروخية الامريكي… وتأتي الاحداث الاخيرة في امريكا وروسيا لتلقي بظلال الشك والتوتر بين البلدين رغم ما يبديه بايدن من ضرورة العمل مع روسيا لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة.

رمال متحركة:

في ظل هذه المتغيرات التي تحبس الانفاس وتموقع الدول في زوايا من الصعب التأرجح بعدها الا في الهاوية.. فهل تسلم امريكا بان تنجو سورية والعراق من التقسيم ؟ وامريكا تدرك اكثر من سواها ان العراق وسورية دولتا مواجهة للكيان الصهيوني وان أي استقرار فيهما يعني تولد الخطر من جديد على وجود الكيان الصهيوني وامنه على الأقل..وهل تبق امريكا على الهامش في ازمة اليمن ام تتخذ من سلامة حركة السفن في المياه الدولية حجة للتدخل في شئونه وارباكه لتقسيمه بعد ان تم انهاكه واخراج السعودية من قيادة المشهد؟ فاليمن وباب المندب موقع جيواستراتيجي خطير لحركة النفط ولامن الكيان الصهيوني.. وهنا نتساءل: هل كان انتهاء ازمة الموصل بشكل ما دونما تمدد داعش والمجموعات المسلحة في اماكن اقليمية اخرى؟؟ هل عادت قوة داعش من جديد وما هي علاقتها بفوز بايدن وفي تحريك حجارة الشطرنج مع ايران في مواجهة فصائل عراقية موالية لايران ومعادية للمصالح الامريكية؟.. اسئلة عديدة مطروحة اليوم وكلها رهينة تقدير الموقف في مؤسسة صنع القرار الامريكي.. رغم ذلك كله فان الصراع في المنطقة ليس سهلا لاي طرف كان ولقد جرب الامريكان حربهم على العراق واخفقوا فيها.. ثم الى متى تظل الدولة الامريكية مصرة على ايقاف عجلة الحياة في ايران بعد ان استطاع النظام الصمود اكثر من اربعين عاما فيما انهارت كل انظمة الاقليم، ولقد تمكنت ايران من التعايش مع الحصار والاغلاق، ثم الى صيغة تتجه رغبة الامريكان حول العراق؟ فهل تعي قيادات امتنا بان تاخذ بزمام الامور بيدها وتتداعى الى التوافق الذي لابديل عنه لننجو جميعا من الهاوية.

في واقع هذه الرمال المتحركة تبدو كثير من اطراف الصراع انها تحاول مسابقة الاحداث لكي لاتخرج من المسرح بخسارة مدوية.. فالروس المتواجدون في سورية لا يؤدون ما عليهم بموجب التحالف معهم فهم يتركون الطائرات الصهيونية تجوب الاجواء السورية في كل وقت تقصف وتقتل دونما رد روسي.. وهي في انهماكها في الملف السوري تقترب من لحظات انتهاء وجودها في سورية لاسباب عديدة أحدها بلا شك تذمر اهل سوريا منه.. والامريكان المنهكين ماليا ونفسيا لن يستطيعوا الانغماس في تفاصيل المواجهات الامنية والسياسية في اقلافليم وسيسلمون تماما بعدم قدرتهم على الهيمنة على الاقليم الذي ستتوزعه الشراكة الاقتصادية مع الصين والتحالف الامني مع الروس.. وكل حديث عن عودة امريكا لسابق عهدها في التحكم بالاقليم انما هو فاقد القدرة على رؤية التراكمات الحاصلة نتيجة الصراع مع الامريكان.. فليس لامريكا الا الانسحاب من الاشتباكات المكلفة في المنطقة.. وفي ظل توازنات دقيقة تشبه قواعد نحو العربية سيكون على الروس الخضوع لاشتراطات المنطقة ف وتقلباته، ويبدو  ان تقلبات  كل شيء في المنطقة سيقود الى جملة مفيدة في النهاية والله غالب على أمره.  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك