أمران يجنبان الجزائر وضعا مأساويا

الباحث في علم الفيروسات، الدكتور "محمد ملها ڨ" في حوار لـ"الوسط":

  • الاهمال قد يؤدي لخروج الوضع عن السيطرة
  • لا توجد معايير توضح متى تبدأ الموجة ومتى تنتهي
  • نعيش منذ قرابة 18 يوما ذروة وبائية مقلقة جدا
  • هذان الأمران سيجنبان الجزائر السيناريو المأساوي الذي ينتظرها
  • الإحصائيات المنشورة من قبل السلطات مؤكدة عن طريق الـPCR فقط

 

كشف الباحث في علم الفيروسات، والبيولوجي السابق في مخابر التحليلات الطبية، الدكتور محمد ملها ڨ، أمس، في حوار خص به جريدة “الوسط”، بخصوص تضارب تصريحات الباحثين والمختصين حول حقيقة أننا نعيش موجة ثالثة أو رابعة من وباء كورونا، أنه لا توجد إلى يومنا هذا معايير محددة توضح متى تبدأ الموجة الوبائية ومتى تنتهي، سواء من طرف المنظمة العالمية للصحة أو من طرف الباحثين، ما يوضح أن كل هذه الآراء تعد صحيحة باعتبارها اجتهادات علمية يجب احترامها، مؤكدا بالمناسبة، أن هذه الموجات تبقى بمثابة ذروات مؤقتة متفاوتة الخطورة في المنحنى الوبائي للبلاد منذ بداية الجائحة، وأكثر ما يخيفنا هو خروج الوضع عن السيطرة، في حال أصبحت الدولة غير قادرة على التكفل بمواطنيها، رغم أن إستراتيجية “تسطيح المستوى” المنتهجة من قبل السلطات قد أثبتت نجاعتها لغاية اللحظة، لكن مع هذا الضرورة تستدعي العودة للتطبيق الصارم للإجراءات الوقائية بقوة القانون، مع تسريع وتيرة التلقيح الجماعي لتدارك الوضع قبل الوصول لنقطة اللا عودة.  

 

 

  بخصوص تضارب تصريحات الباحثين والمختصين حول أننا نعيش بداية موجة ثالثة من وباء كورونا من عدمه، فماهي المعايير العلمية التي تؤكد أن الجزائر تعيش موجة ثالثة من فيروس كوفيد-19 ؟

 

فعلا هناك تضارب في تحديد أي موجة وبائية نعيشها أكانت 3 أو 4، وحقيقة لا توجد إلى يومنا هذا معايير محددة توضح متى تبدأ الموجة الوبائية ومتى تنتهي، سواء  من طرف المنظمة العالمية للصحة أو من طرف الباحثين، وبناء عليه كل الآراء في هذا الخصوص تعتبر صحيحة لأنها مجرد اجتهادات علمية يجب احترامها، لكن في رأيي الشخصي هناك استمرار في الموجات السابقة الأولى والثانية مع تسجيل ذروات متفاوتة، لأن الموجة الأولى لم تتوقف والثانية كذلك والثالثة بدأت ولم تتوقف حسب الكثيرين، وفي كل الأحوال علميا لا توجد معايير توضح متى بدأت الموجة ومتى تتوقف وتنتهي، وفي تقديري هي الذروة المسجلة في المنحنى الوبائي للبلاد كل فترة، ونحن منذ قرابة 18 يوما نعيش ذروة وبائية مقلقة جدا.

 

  ما تعليقكم حول أن الأرقام الحقيقية المسجلة لكورونا في الجزائر، “مخيفة” وتفوق بأضعاف مضاعفة الأرقام المعلن عنها من طرف اللجنة العلمية المكلفة بوباء كورونا؟

 

الإحصائيات المنشورة من قبل وزارة الصحة هي الإحصائيات المؤكدة عن طريق الـPCR ، وهذا ليدرك الجميع أنه ليس كل الإصابات محصاة من قبل وزارة الصحة حتى التشخيصات التي تأتي بفعل التشخيص الكلينيكي أو عن طريق السكانير أو أي طريقة أخرى لا يعتد بها من قبل الوصاية، ما يوضح أن هذه البيانات هي إحصائيات مؤكدة عبر تقنية الـ”بي سي أر” لوحدها، هذا بالإضافة إلى أن هناك أشخاصا تسجل   أعراض عليهم ولا يتم إحصاؤهم سواء لأنهم حاملون للفيروس بدون أعراض ولا يعلمون حتى بمرضهم، أو حاملون للفيروس ولا يذهبون للاستشفاء ولديهم أعراض لكن يفضلون علاج أنفسهم في البيوت بالوسائل التقليدية عن طريق شراء الأدوية من الصيدلي، وهذه الإشكالات هي التي تدفع الباحثين والخبراء والمختصين للقول بأن الأعداد الحقيقية لتفشي فيروس كورونا تفوق الأعداد المعلنة من قبل السلطات المختصة، وهم محقون في طرحهم هذا، خاصة أن تقنية الـ”بي سي أر” غير موجودة في كل البلديات عبر القطر الوطني نتيجة عدم تعميم هذه التقنية يجعل النتائج المحصل عليها من قبل الوزارة ناقصة، لأنها لا تغطي كل المناطق عبر الوطن، وهنا يجب أن لا ننسى أن السلطات العليا في البلاد قد ناضلت حقيقة من أجل إدخال هذه التقنية البحثية “باهضة الثمن” في السوق الدولية عموما وليس في الجزائر فقط، للتحكم في الأمراض والأوبئة من خلال تعميم استخدام تقنيات التشخيص البيولوجي، والحمد لله بإمكاننا اليوم القول أن هذه التقنية وصلت للجامعات والمستشفيات وحتى مخابر التحليلات الطبية الخاصة في أغلب ولايات الوطن أصبحت توفر هذه الخدمة الطبية، باعتباره اختبارا تشخيصيا حساسا ومكلفا لكن مع هذا لازالت هناك نقائص يجب الاعتراف بها لتداركها وتعميم استخدامها في 58 ولاية دون استثناء، لأن اكتساب مثل هكذا تقنية يفيدنا في محاربة والوقاية من أمراض وأوبئة أخرى مستقبلا.

 

 

  إذن بإمكاننا القول أن عدم تعميم تقنية الـ”بي سي أر” هي واحدة من أسباب انعدام وجود إحصائيات دقيقة حول كورونا عبر كل بلدية ودائرة في القطر الوطني؟ ما رأيكم ؟

 

حقيقة لا يمكنني التصريح في مثل هذه المسائل لأني لا أمتلك معلومات مفصلة حول الوضع الوبائي ، لكن بإمكاني القول أن الأشخاص الحاملين للفيروس دون أعراض أثر بصفة كبيرة على دقة الإحصائيات الوزارية المعلن عنها، حتى أن دراسة علمية قام بها فريق من الباحثين في علم الفيروسات مؤخرا، وجدت أن 50 بالمائة من المتبرعين بالدم الذين يتمتعون بصحة جيدة مصابون بفيروس كورونا “دون علم منهم حتى”، باعتبارهم في صحة جيدة ولا يعانون من أية أعراض أو أمراض مزمنة والعمر أقل من 18 سنة وأكثر من 65 سنة لا يقبل تبرعهم بالدم، بالإضافة إلى المصابين والذين يحملون أعراض الوباء لكن لا يذهبون إلى الطبيب ويفضلون العلاجات المنزلية، على اعتبار أن الذين يخضعون لفحص “بي سي أر”   فإما يتم تشخيصهم بأنهم حاملون للفيروس أم لا لأن هذا الاختبار يفصل نهائيا في الموضوع مقارنة بالفحوصات الأخرى والحالات المذكورة التي تبقى مشتبها بها لغاية التأكد منها.

 

 

  الكل ينادي مؤخرا بضرورة العودة لتطبيق الإجراءات الوقائية الصارمة، بما فيها العودة للحجر المنزلي الشامل، خاصة مع اقتراب موسم الاصطياف وعيد الأضحى، ماهي توقعاتكم بالنظر للوضعية الوبائية المقلقة المسجلة مؤخرا؟

 

سبق لي أن صرحت منذ 18 يوما لإذاعة سطيف الجهوية في هذا الخصوص، وحذرت وأحذر مجددا من خطورة الوضعية الصحية في البلاد، نتيجة حالة التراخي العامة التي كانت ملاحظة على كل المستويات، والتي تزامنت مع دخول السلالات المتحورة شديدة العدوى والانتشار، وتجرأنا على القول أن مصلحة بلادنا تقتضي التطبيق الصارم للقوانين والإجراءات الوقائية لتدارك الوضع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أما بخصوص توقعاتي شخصيا أتوقع أن يكون هناك حزم في تطبيق القانون خاصة ما تعلق بلبس الكمامة والتباعد الجسدي والاجتماعي، لأن القانون موجود ويحتاج للتطبيق فقط، خاصة أننا لا نملك وقتا كبيرا بوجود متغير حساس وهو السلالات الجديدة المتحورة سريعة الانتشار، والتي تقتضي التعامل معها بحزم وصرامة للخروج بأقل الأأضرار، خاصة أننا كنا منذ 18 يوما في وضعية مقلقة كما قلت، ونحن مقبلون على دخول مرحلة الخطورة بغض النظر عن التصنيفات ان كانت موجة ثانية أو ثالثة، وهذا بسبب توفر معايير علمية تؤكد خطورة الوضعية الوبائية التي نعيشها، وهي اكتظاظ المستشفيات ووصولها لدرجة من التشبع تجعل المريض لا يجد مكانا للعلاج والإنعاش، هنا نقول أن الوضع خرج عن السيطرة، لما تصبح الدولة غير قادرة على التكفل بمواطنيها، أما في حال بقيت قادرة على التكفل بمواطنيها، هنا يعتبر الوضع تحت السيطرة، وهو أكثر ما يخيفنا، رغم أن الإستراتيجية الوبائية المنتهجة من قبل السلطات وهي “إستراتيجية تسطيح المستوى” قد أثبتت نجاعتها لغاية اللحظة، من خلال التحكم في الوضع والتشديد في الإجراءات حسب التطور الميداني للوضعية الوبائية، وحسب الإمكانيات الصحية والطبية للدولة.

 

 

  ماهو المطلوب حاليا لتدارك الوضع وإنقاذ الجزائر من السيناريو المأساوي الذي ينتظرها في حال بقاء الأمور على حالها؟

 

تدارك الوضع الوبائي الذي نعيشه يستدعي تطبيق الإجراءات الوقائية بحذافيرها، وعلى رأسها إجبارية ارتداء الكمامة خاصة في الأماكن العمومية لأنه يحمي الشخص بنسبة 90 بالمائة من انتشار الفيروس، مع الالتزام بالتباعد الجسدي والاجتماعي والابتعاد عن التجمعات العائلية، التي تساهم في نقل الفيروس مع وجود السلالات الخطيرة سريعة العدوى، والتي تنذر بتسجيل أعداد هائلة من الإصابات تعجز المستشفيات عن استيعابها، لأن وصولها لمرحلة من التشبع يعني أننا في مرحلة جد خطيرة يصعب تدارك الأمور فيها بدون تسجيل خسائر، أما الأمر الثاني الذي نوصي به هو ضرورة التسريع من وتيرة التلقيح الجماعي لكسر السلالات المتحورة، والذي يبقى بموجبه التلقيح الحل الوحيد المتوفر للبشرية جمعاء لمحاربة تفشي هذا الوباء، أما فما تعلق بعزوف المواطنين عن التلقيح، فحقيقة هناك ما يبرره من مخاوف وشكوك في العالم ككل وليس في الجزائر لوحدها، ما يستلزم مزيدا من التحسيس والتوعية بضرورة تلقي اللقاح لأن تخوفهم بكل صراحة في محله.   

مريم خميسة

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك