أي حكومة لأي جزائر؟

مفارقات

بقلم احسن خلاص
منذ إعلان الرئيس تبون عن موقفه المتحفظ من أداء حكومة عبد العزيز جراد انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام التخمينات بشأن الوزراء الذين شملتهم نقمة الرئيس في انتظار الاستغناء عن خدماتهم بعد عودته من مشفاه الألماني ومن هو من الفرقة الناجية حتى صارت الساحة الإعلامية بشكل عام مسرحا لسبر تقييمي لأداء الحكومة حتى أن فريقا من المتدخلين رأى أن لا مجال للتمييز بين الغث والسمين في هذه الحكومة التي لا نحتاج إلى عناء كبير لندرك فشلها الذريع ليس في بلوغ الأهداف المرسومة فقط بل في حل أبسط مشكلات المواطنين إذ تراجع حضور بعض القطاعات عما كان عليه خلال العهد السابق بعدما عقد المجتمع بعض الامل في أن الحكومة الجديدة المنبثقة عن رئاسيات 12 ديسمبر 1019 ستبذل كامل جهودها لتجسيد “الجزائر الجديدة” التي وعد بها الرئيس.

ومقابل هذه النظرة التشاؤمية رأى فريق آخر أن أداء الحكومة لم يكن بالكارثية التي يصفه بها الفريق الآخر لاسيما وأنها واجهت أزمة صحية لم تكن مهيأة لها وقد حلت بالبلد في الوقت الذي لم تمسك بعد بالملفات الموروثة وهي ثقيلة بفعل تأخر التكفل بالآلاف من مشكلات المواطنين واعتبر هذا الفريق أن أي حكومة مهما كانت كفاءتها وخبرتها لابد أن ينتابها بعض التعثر بالنظر إلى حجم الأزمة والوضع الانتقالي الذي يعيشه البلد على جميع الأصعدة، ويذهب الفريق المدافع عن حكومة جراد إلى حد الإشادة بدورها الجبار في مكافحة جائحة الكوفيد ودليله على ذلك أن حصيلة ضحايا الوباء في الجزائر لم تكن بالحجم الذي يدل على الفشل بالمقارنة مع دول كبرى ذات إمكانيات ضخمة تكبدت خسائر في الأرواح أكبر بعشرات المرات من خسائر الجزائر.

وبين الفريقين فريق ثالث يرى أنه لا يمكن أن نضع جميع أعضاء الحكومة في سلة واحدة وهو الرأي الذي يؤيده الرئيس تبون نفسه عندما قال إن الحكومة فيها وعليها وأكد في خطابه للأمة أنه اختار تعديلا حكوميا يستهدف قطاعات شعر المواطنون أنها لم تؤد دورها المطلوب ولم تتمكن من الاستجابة لانشغالات المواطنين. ومنذ أن أعلن تبون عن هذا الموقف سارعت أقلام لتنتقي الوزراء المغادرين حتى أن بعضهم أطلق العنان لخياله ليقترح على تبون حكومة جديدة ويراهن على تعيين وزير أول جديد، كما ذهب آخرون إلى أنه يجب الانتهاء من حكومة ب36 عضوا واقترحوا تقليصها إلى 21 وزيرا بتوحيد جملة من القطاعات في وزارات قطبية تشرف عليها شخصيات من الأرشيف للاستفادة من خبرتها.

غير أن هذا النقاش وإن كان معبرا عن اهتمام الرأي العام بالشأن الوطني وتحسسه لمواطن الخلل إلا أنه قد يغطي على النقاش الحقيقي الذي يقع في جانب آخر وهو الدور ذاته المطلوب من الوزراء والهوامش المتاحة لهم لإظهار لمساتهم. وقد يحق التساؤل عما إذا كان فشل هذا الوزير أو ذاك منوطا به ذاتيا أم هو تعبير عن فشل المنظومة بأكملها. ماذا يمكن أن يفعله وزير في حكومة منعدمة الرؤية مفتقرة لاستراتيجية محكمة. أي دور يمكن أن يؤديه في قطاعه بولاية من الولايات أمام والي يرى غير ما يرى وينفذ أجندات مخالفة لأجنداته. ما عسى الوزير أن يقدم وهو فاقد الشيء، لا خبرة له بل لم يسبق له في حياته أن أدارة مجرد ورشة صغيرة ولا يملك أبجديات التسيير ولا ألفباء الاتصال. كيف نطلب من أستاذ جامعي لم يغادر يوما مدرجات الكلية أن يقدم حلولا عملية للمشكلات العويصة وهو لا يملك بيده سلطة القرار.

لم تتطور النظرة إلى الوزير تجاه الرقي بالمقارنة عما كان عليه في السبعينات الثمانينات من القرن الماضي بل تدحرجت لنجدها في الحضيض حتى أن الوزير اليوم أضحى موظفا إداريا لا يملك حق التصور ولا مجالا للاقتراح ولا قوة القرار التنفيذي الكامل. لقد عرفت حكومة جراد ما يشبه الشلل بمجرد غياب الرئيس تبون وتوقف اجتماعات مجلس الوزراء التي قلما يأخذ فيها الوزراء الكلمة لمناقشة تقارير زملائهم فضلا عن قرارات الرئيس. لقد تراجع صوت الوزير وقيمته السياسية عما كانت عليه أيام بومدين والشاذلي بن جديد بالرغم مما توصف به من استبداد ومركزية في اتخاذ القرار.

لم تعد الوزارة اليوم طموح إطارات عليا ذات كفاءة تسعى لخدمة البلد بل انحدرت إلى طموح طفيليين متسلقين وانتهازيين لا يظفرون عادة وفي أحسن الأحوال إلا بتقلد لقب تراجع كثيرا في سلم المقامات الاجتماعية. لقد استهلكت الجزائر المئات من الوزراء دون أن تعرف الإقلاع المطلوب فهل لا تملك الجزائر إلا إطارات ونخب فاشلة أم أن الفشل يكمن في المنظومة ذاتها التي يسمع فيها الوزير عن إنهاء مهامه في التلفزيون الرسمي مثل بقية المواطنين وقبل ذلك لم يكن يدرك لماذا اختير لإدارة هذا القطاع أو ذاك ولا يدري ما يفعل به بل لا يملك من أبجديات الاتصال السياسي شيئا.

لن نصل إلى حكومة قوية دون رؤية مشتركة واضحة ودقيقة ودون أن ننطلق من أن بناء الجزائر ليس عملية عبثية تناط بمتربصين في ممارسة السياسة وإدارة الشأن العام ودون أن ندرك أنها عملية تاريخية تجند لها أحسن الطاقات والقدرات الوطنية تناط بها المسؤولية الكاملة وتعمل تحت أعين مؤسسات منتخبة ممثلة تمثيلا حقيقيا للمجتمع. دون ذلك فهو اجترار الفشل.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك