إضاءات حول تاريخ الدبلوماسية الجزائرية

1830 - 1954 م

بقلم: فرحاني عادل و:  جلاب حسين  

 

منذ بدايات الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830كرست الدبلوماسية لخدمة القضية الجزائرية وذلك لما تقتضيه من دور على الساحة الدولية بمساهمتها  في حماية المصالح والتخفيف من حدة الحروب والعمل من اجل استعادة السيادة الوطنية المسلوبة من طرف الاستعمار الفرنسي. 

 

  أولا – النشاط الدبلوماسي الجزائري  بدايات الاحتلال الفرنسي :

أ- جهود حمدان بن عثمان خوجة الدبلوماسية:

يعتبر عثمان بن حمدان خوجة من الشخصيات البارزة  التي بذلت  مجهود دبلوماسي خلال السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي للجزائر ،  وحسب ما ورد في كتاب محفوظ  قداش” جزائر الجزائريين ، فإنه بعد نزول اللجنة الإفريقية بالجزائر سنة 1833  للتحقيق في أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية   والتي أكدت في تقريرها بضرورة إلحاق الجزائر كمقاطعة فرنسية جعلت   من عثمان بن حمدان خوجة وابراهيم بن مصطفى باشا يقدمان  عريضة تثبت اعتراضهما على ذلك  إذ تم  تقديمها  إلى وزير الحرب الفرنسي الدوق سولت  بتاريخ 25جويلية 1834نددا فيها  بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي آلت إليها الجزائر منذ دخول الاحتلال الفرنسي كما  نددا بالتجاوزات التي اقترفها الجنرالات الفرنسيون في حق الجزائريين 

 ويضيف المؤرخ ابو القاسم سعدالله  في كتابه  محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث “بدايات الاحتلال” بأن  كلا من  أحمد بوضربة وحمدان بن أمين السكة وحمدان بن عثمان خوجة قد انتقلوا إلى العاصمة الفرنسية باريس لحضور جلسات اللجنة الافريقية الثانية المقيمة هناك  وعبروا أمامها عن آراء واضحة حول الوجود الفرنسي في الجزائر وحول العلاقات الجديدة بين مواطنيهم والفرنسيين  حيث قدم من خلالها عثمان بن حمدان  خوجة مذكرة خاصة لهذه اللجنة تضمنت اقتراحات واضحة عن مستقبل الجزائر كما ألف هذا الأخير كتابا هاما بعنوان المرآة تناول فيه أوضاع الجزائر بعد الاحتلال أحدث به ضجة عارمة لدى الرأي العام بفرنسا تسبب له في الأخير بنفيه من الجزائر نظرا لما احتواه  من انتقادات للإدارة الاستعمارية بالجزائر  

ب- دبلوماسية أحمد باي   :  

لم تخل  مقاومة أحمد باي هي الأخرى من طابع الدبلوماسية وبناء على كتابات  المؤرخ محفوظ قداش فقد  توجه أعيان شيوخ قسنطينة بمعية أحمد باي بطلب موجه للبرلمان البريطاني وذلك سنة 1834من أجل المبادرة بالدفاع عن حقوق الجزائريين الإنسانية ، وفي  رسالة أخرى قدمها أحمد باي  إلى الباب العالي وجهها  إلى ناميك باشا مؤرخة في 06جوان1837تضمنت طلب المساعدة باسم الدين و الانتماء الإسلامي كما وجه رسالة أخرى إلى وزير البحرية سنة 1840تضمنت العتاب والإشارة بالإهمال والتقصير من الباب العالي باعتباره  الملجأ الوحيد من أجل مناصرة أهل الدين الذين تعرضوا إلى وحشية الاستعمار ، ويذهب المؤرخ ابو القاسم سعدالله أن  الحاج أحمد باي واجه العديد من الضغوطات الدبلوماسية  جاءت في شكل مراسلات بعث بها  الجنرال كلوزيل يفاوضه فيها بإبقائه بايا على قسنطينة مع الالتزام بدفع الضريبة لكن هذه الرسائل قوبلت  كلها بالرفض ،كما كانت هناك مراسلات أخرى بعث بها أحمد باي  مع وفد  بقيادة السيد بلهوان إلى الوزير الأول رؤوف باشا حيث ألح هذا الأخير في هذه الرسائل  على طلب المساعدة المادية لمواجهة الاحتلال الفرنسي.

 ج –  دبلوماسية الأمير عبد القادر بن محي الدين: 

حسب ما أكدته  كتابات كل من  الباحث الإنجليزي شال  هنري تشرشل و الدكتور عمار بوحوش فقد كان  للأمير عبد القادر (1808-1883م) وبحكم حسن تنظيم دولته جهود ومساع   دبلوماسية  ارتبطت بعقد المعاهدات والمراسلات تميزت بإخضاع أعتى  جنرالات فرنسا على توقيعها كان أهمها معاهدة دي مشيل  المؤرخة في 26 فيفري  1834 التي  بموجبها  رضخ  الجنرال دي مشيل لبنودها و التي كانت في صالح الأمير عبد القادر ،وفي السنوات التالية خاض  الأمير  وجيشه معركة التافنة سنة 1836 وبعد انتصاره فيها فقد راهن على عقد معاهدة التافنة يوم 30 ماي 1837 ،مع الجنرال بيجو نتيجة لقلة ذخيرة وتسليح جيشه ،وقد استقرت معاهدة التافنة على اختيار الهدنة متبوعة ببعض البنود والتي استغلتها الجيوش الفرنسية من أجل القضاء على مقاومة أحمد باي في الشرق الجزائري كما بعث الأمير برسالة أخرى  إلى وزير القوات الحربية  “برنار’ سنة 1839 يستنكر فيه خروقات الفرنسيين ونقضهم  لما جاء في وثيقة معاهدة التافنة سنة 1837 اما الرسالة الثانية  المؤرخة سنة 1840فقد بعث بها  الأمير عبد القادر الى عبد المجيد الثاني يشرح له فيها أوضاع وظروف الجزائريين القاسية معاتبا إياه على تراخيه في نجدتهم وتقديم يد المساعدة لهم. 

 

  • ثانيا – الجهود الدبلوماسية لاتجاهات الحركة الوطنية 1919-1954م

 أ – حركة الأمير خالد : 

 

استنادا لما جاء في كتابات  المؤرخ  ابراهيم مياسي  فإن بديات المسار الدبلوماسي  للأمير خالد الحسني (1875-1936)ارتبط  مع تقديمه لعريضة مطالب للرئيس الأمريكي ولسون أثناء انعقاد مؤتمر الصلح بفرساي سنة 1919 اين طالب بتطبيق مبادئ ولسون 14 التي من بينها حق الشعوب في تقرير مصيرها ويضيف المؤرخ يوسف مناصرية في كتابه الاتجاه الثوري في الحركة الوطنية الجزائرية أن الأمير خالد الحسني استغل مجيئ الرئيس الفرنسي “الإسكندر ميليراند ” إلى الجزائر فألقى خطابا أمامه مطالبا إياه بحقوق الجزائريين وحرياتهم المدنية وذلك بتاريخ 20 افريل 1922 وبحلول سنة 1924 وبمناسبة فوز اليسار الفرنسي في الانتخابات الرئاسية فقد  بعث الأمير خالد برسالة إلى الرئيس الجديد “إدوار هيريو” تنوعت في مضمونها  ما بين السياسي ،و الاجتماعي ،والاقتصادي والديني ،كما توجه الامير خالد لفرنسا حيث استقبله الحزب الشيوعي حيث تم  السماح له بإلقاء محاضرة على أبناء شمال افريقيا وقد تميزت بالموضوعية وقوة عاطفية جياشة للمسه  الشعور الوطني والاستعداد  الذي أبرزه المهاجرون في فرنسا للعمل والتضامن فشجعهم على تأسيس هيئة تشمل العمال المغاربة وتوحدهم  فكللت جهوده بنشر فكرة إنشاء جمعية نجم الشمال الإفريقي في منطقة لبوش دورون  غير أن الظروف لم تسمح له بمواصلة نشاطه وقد واصل شيوخ النجم نشاطهم الذي كلل بميلاد نجم شمال إفريقيا وقد نصب الأمير خالد رئيسا شرفيا  لهذه الجمعية  ونظرا للتضيق الاستعماري الفرنسي  غادر الأمير فرنسا في خريف 1924 بعد أن شنت عليه حملة جائرة اشترك فيها اليمين واليسار الفرنسي فوصل إلى الإسكندرية ولم يكمل رحلته إلى دمشق بسبب منعه من طرف الدوائر الفرنسية كي لا يقتحم مناطق نفوذها وقامت بتلفيق التهم له وبذلك اختفى الأمير من المسرح السياسي إلى غاية وفاته في 10جانفي 1836بدمشق .

 

ب – الاتجاه الاستقلالي :

 

وبخصوص هذا الاتجاه فقد مثله نجم شمال إفريقيا سنة 1926 ليمتد إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1937 فحزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية سنة 1946 فهذا الاتجاه كان له العديد من الأنشطة على الساحة الدولية  منذ البداية فكانت مشاركة رئيسه مصالي الحاج في مؤتمر بروكسل سنة 1927أول خطوة دبلوماسية عرض من خلالها القضية الجزائرية مقدما فيها مجموعة من المطالب كانت في مجملها تدعو  إلى استقلال الجزائر ،ونظرا للتضييق الفرنسي على نشاط هذا الحزب الذي فرض عليه الحل للعديد من المرات وتعرضت قياداته ومنضالوه إما للنفي أو السجن نتيجة لتصلب مواقفه الراديكالية اتجاه السياسة الاستعمارية في الجزائر  إلا أنه رغم ذلك واصل نشاطاته الدبلوماسية حيث عقد  حزب الشعب الجزائري سنة 1938رابطة بين تونس والجزائر وفاس للمطالبة بإطلاق صراح مصالي الحاج وعلال الفاسي ولحبيب بورقيبة مؤكدا بذلك على وحدة الشمال الإفريقي .وقد تعززت مكانة الاتجاه الاستقلالي على الساحة الدولية خاصة بعد تأسيس حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية سنة 1946إذ بادرت قيادته بعقد العديد من الاتصالات مع كل من الأحزاب السياسية بتونس والمغرب بهدف توحيد النضال والكفاح السياسي المشترك لتحرير شمال إفريقيا و يشير المؤرخ  محمد حربي أنه  غداة انعقاد  اجتماع اللجنة المركزية في ديسمبر 1948وجهت القيادة سياسة جديدة للبحث عن لقاء مع الدستور الجديد التونسي والاستقلال المراكشي على صعيده العسكري والاستقصاء حول امكانات التزود بالأسلحة لدى الجامعة العربية ويذهب بن يوسف بن خدة في كتابه جذور أول نوفمبر إلى أن الحزب أصدر  مذكرة بتاريخ مارس 1949 و أ رسلها إلى هيئة الأمم المتحدة وذلك خطوة استباقية للتنديد بما يعتبره سياسة الأمر الواقع مستنكرا فيها ضم الجزائر إلى الحلف الأطلسي   وأعتبرها محاولة وقحة تمس بالشخصية الوطنية الجزائرية و  إرسال عريضة عبر نوابه إلى السلطات الاستعمارية يندد فيها بهذا العمل معلنا فيها رسميا بأن الشعب الجزائري لا يعترف بأي حلف دولي لم يشارك في إبرامه وأنه عازم على عدم المشاركة في أي نزاع مسلح تداس فيه مصالحه وحقوقه المهضومة   مضيفا أن الحزب رفع  احتجاجا  عبر لجنته  التي تأسست سنة 1948 لنصرة  فلسطين منددا فيه  ضد أي مشروع يهدف إلى تقسيم فلسطين من طرف الكيان الصهيوني كما أسس لجنة سنة 1948لنصرة فلسطين العربية مؤكدا فيها على مدى تلاحم الشعب الجزائري مع إخوانه الفلسطينيين  كما أن الحزب  رفع مذكرة أخرى في 20سبتمبر 1950 إلى هيئة الأمم المتحدة ندد فيها بوضعية شمال إفريقيا عامة والجزائر خاصة،  وحسب  كتابات  المحامي  عبد الرحمان كيوان  والمؤرخ يحي  بوعزيز  فإن  السياسة الخارجية للاتجاه الاستقلالي قد ارتكزت على  مبادئ مهمة تمثلت في تبني الحياد تجاه الكتلتين السوفيتية والأمريكية وإثارة تعاطف الدول المناهضة للإمبريالية لصالح القضية الجزائرية والتأكيد على  وحدة شمال إفريقيا .

 ج- الاتجاه الليبرالي : 

مثل هذا الاتجاه حزب فرحات عباس الذي كان يعمل على تجنب المواجهة والتصادم مع الاستعمار الفرنسي  ويبحث عن تسوية للمسألة الجزائرية بطريقة قانونية وبهذا يشير  الباحث  جمال ڨندل في كتابه “إشكالية تطور وتوسع الثورة الجزائرية” أن جهود  حزب الاتحاد الديمقراطي  في التعريف بالقضية الجزائرية  تميز بالاحتشام  ولا يكاد يلمس له أي أثر في ذلك بسبب رؤيته السياسية  لحل  للقضية الجزائرية إلا بارتباطها بالنطاق الفرنسي .

إلا أنه يمكن أن نلتمس بعض المواقف  الدبلوماسية له كاتصاله  بممثل الرئيس الأمريكي روزفلت السيد ميرفي أين قدم له السيد فرحات عباس  توصيفا عن الحالة الجزائرية  وعلاوة على ذلك شارك فرحات عباس في المؤتمر المناهض للإمبريالية لشعوب إفريقيا الذي احتضنته العاصمة البريطانية بلندن سنة 1948،ويذهب يحي بوعزيز أن الاتحاد الديمقراطي وجه مذكرة  إلى هيئة الأمم المتحدة المجتمعة في باريس سنة 1948يؤكد لها فيها  تعلقه بمبادئ تعاون الشعوب الصغيرة والكبيرة من أجل تحقيق عالم سعيد راجيا  منها تحقيق المبادئ التي جاء بها ميثاق الاطلسي سنة  1941 وميثاق سان فرنسيسكو  سنة 1945  اللذان ينصان  على إزالة النظام الاستعماري ويضيف  المؤرخ  محفوظ قداش ان عباس استغل فرصة انعقاد مؤتمره سنة 1949ليوجه نداء إلى هيئة الأمم المتحدة لحفظ الحرية والسلم مذكرا إياه  بالالتزامات الدولية الملقاة على عاتقها في العمل من أجل تصفية الاستعمار .

 د- الاتجاه  الإصلاحي :

 وقد تمثل هذا التيار في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست سنة 1931 وقد  بذلت هي الأخرى  جهودا  مضنية في التعريف بالقضية الجزائرية و شرح واقعها في ضل الاحتلال الفرنسي بغرض تمكين أبناء المشرق العربي شعوبا وهيأت رسمية وشعبية من الوقوف على الحقيقة كماهي  وذلك من أجل تقديمهم للعون والمساعدة الممكنة لها  ،وهذا ما أكدته مساعي الشيخ الفضيل الورتلاني  الذي استقر بالقاهرة سنة 1938 وأسس بها العديد من الجمعيات التي استغلها للدفاع عن  تونس والمغرب والجزائر  بوجوب تحررها إضافة إلى  إلقاء الخطابات والمحاضرات والكتابة  في الصحف وإرسال المذكرات الى الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة  ،وحسب ما أشار له احمد طالب الإبراهيمي في كتابه آثار الإمام البشير الإبراهيمي  فإن الجمعية قد  تفاعلت مع الأحداث الدولية على سبيل المثال قضية اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد من خلال إرسال برقيات إلى الأمين العام للهيئة الأمم المتحدة يندد فيها بتلك الجريمة  وإرسال برقيات احتجاج  إلى رئيس الجمهورية الفرنسية تستنكر  فيها  نفي  الملك المغربي محمد الخامس ، ويضيف أحمد طالب  في مذكراته  “أحلام ومحن ” بأن الجمعية قد تفاعلت  مع القضايا العربية المعاصرة كمأساة الفلسطينيين ونددت بوحشية الاضطهاد الصهيوني عبر جريدتها ولسان حالها  البصائر ،ويضيف المؤرخ محمد العربي الزبيري أن  الشيخ البشير الإبراهيمي اغتنم  فرصة  مشاركته في شهر ديسمبر 1951  مع قادة التشكيلات الوطنية في الاتصال وتحسيس الوفود العربية والإسلامية التي تحضر أعمال هيئة الأمم المتحدة  بقضية الشعب الجزائري وقد كان  لتواجده  بمصر منذ  سنة  1952 دورا في التعريف بالقضية الجزائرية نتيجة للقائه بالعديد من الشخصيات المرموقة  مثمنا أهمية وجهود  دور الأشقاء العرب في دعم وتبني القضية الجزائرية.

و في الأخير ومما سبق ذكره نستنتج أن الدبلوماسية الجزائرية الممتدة من سنة 1830م الى سنة 1954م كانت  بمثابة الأرضية التي مهدت ،وسهلت عمل جبهة التحرير الوطني في تدويل القضية الجزائرية على الساحة الدولية منذ 1954الى 1962م.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك