استراتجيات وأداءات الوضع الوبائي

اتصال الأزمة

بقلم د.محمد مرواني /أستاذ جامعي في الاتصال والإعلام

يبدو أن طرائق الاتصال المنتهجة على مستويات رسمية لحد الآن والتي تستهدف إعلام الرأي العام الوطني بآخر مستجدات “الوضعية الوبائية ” التي فرضها انتشار فيروس “الكورونا ” في حاجة لإعادة النظر وقد حمل بيان رئاسة الجمهورية الذي تضمن محتواه ما خلصت اليه توجيهات رئيس الجمهورية ” عبد المجيد تبون ” بضرورة تبني رؤية اتصال مغايرة تماما غير عرض الأرقام لمواجهة التداعيات الخطيرة الأخيرة للوضع الوبائي بالعديد من الولايات حملت هذه التوجيهات تأكيدا هاما على ضرورة الانتقال إلى تدابير أكثر نجاعة ،وفعالية عبر كافة المستويات لمواجهة الوباء الذي يستفحل منذ أيام بطريقة خطيرة للغاية في عدد معتبر من الولايات وما يمكن أن نشير إليه في هذه المساهمة الصحفية يتضمن أساسا عدد من المقترحات الهامة التي تخص “استراتجيات الاتصال لمواجهة “الكورونا ” من سلطة القرار إلى المؤسسات المحلية المعنية بالمواجهة والتعبئة وتنفيذ التدابير .

خطاب اتصالي رسمي اكثر استقطابا

مع ارتفاع حالات الوباء في الولايات وما تؤشر عنه الأرقام التي تعرضها اللجنة العلمية من وضع غير مستقر ،ومقلق بخصوص الوضعية الوبائية فإن مسار الاتصال الرسمي على مستوى الرئاسة يجب ان يطرح خطابا آخر في هذا الوضع بالذات فيتم اعتماد مخطط اتصالي خاص يعتمد على إبراز قلق “القيادة السياسية ” من الوضع ،وتحذيرها عبر تصريحات رئيس الجمهورية الأكثر تأثيرا في الموضوع ” حول ” الوضعية الوبائية ” ويتم في نفس السياق انتهاج مسار لتكثيف بث محتويات اعلامية تركز عبر نشاطات الوزراء التي تستهدف إدارة الأزمة الصحية على “القلق والحذر ” تنتهج في هذه الخرجات الرسمية التي يجب أن يتوارى فيها كل ما هو برتوكولي لغة التحذير بصرامة في رسائل المسؤول ويعتمد كل هذا في مخطط اتصال على مراحل تنفذ فيه الأنشطة بدقة متناهية ،وبانتقاء استراتيجي للتوقيت ،وذالك لارتباط هذه المسائل بردود الفعل لدى المتابع ،وغيره من الفئات المستهدفة خاصة وأن عدم الالتزام الجماعي في كثير من الحالات بالتدابير الوقائية يحتاج لمقاربة اتصالية ترتكز على حركة رادعة للدولة وأجهزتها المنفذة للقرارات والتدابير كما أن تكثيف النشاط المكيف لمواجهة الوضع الوبائي بما فرضه من مستجدات خطيرة مؤخرا بإبراز لغة قلق ،وتحذير وتنبيه يتبعه ردع لايستهدف في الحقيقة نشر ثقافة “الترهيب الاعلامي ” وإنما هو توجه يرتبط أساسا بإستراتجية اتصال لإدارة وضع تتفاقم فيه الأعباء ،والمخاطر ويجب أن تكون فيه حركة مؤسسة القرار الأكثر حضورا في مخيال المواطن مقنعة ناقلة لمحتوى جديد يشعر المواطنين بالمسؤولية أكثر إزاء الازمة الصحية وتبعاتها الخطيرة .

قادة رأي خارج الادارة

ما يجب أن تتضمنه استراتجيات الاتصال لإدارة الأوضاع الحالية المتفاقمة في الكثير من الولايات هو تحريك ” ولاة الجمهورية ” ومؤسسات الدولة على المستوى المحلي القادرة على قياس ايقاع مؤثر في الرأي المحلي وفي فئات واسعة من المجتمع المحلي من سكان مركز “الولايات ” إلى “الدوائر والبلديات ” وأعيان “الولاية ” والتواصل معهم في إطار مسار تعبوي اتصالي جواري فعال ومؤثر تشارك فيها أيضا “الاذاعات الجهوية ” التي أشرت في مساهمة صحفية سابقة إلى موقعها الهام في نقل رسائل التحذير ،والقلق ،والخطر إلى المواطن الذي يجب أن يشعر بكثافة “الإيقاع الرسمي ” الذي لا يتناول إلا “الوضع الوبائي الخطير ” دون الاهتمام بنشاطات أخرى محلية بل إن الاتصال المكثف الذي يوجه للمواطن عبر إشراك مختلف الفاعلين المؤثرين في الرأي المحلي هام للغاية فهناك “جمعيات , شخصيات محلية بارزة ”  يمكن الاستثمار فيها ضمن مخطط اتصالي يحيد أي توجه اخر غير مبالي  ويشعر المواطن بالخطر والقلق ،ومسؤوليته المباشرة ضمن الالتزام بالتدابير الوقائية لتجاوز الأزمة الصحية الخطيرة ويمكن للإدارة التي مازالت منطوية في التسيير المحلي ان تستقطب هؤلاء “القادة المؤثرين ” وإيقاعهم وحضورهم في الفضاء العمومي المحلي بارز 

انتقاء وسائل الاعلام الفعالة

ولأن توجه الاتصال الجديد الذي يرتكز على خطاب اتصالي ” يحذر ويحيل للقلق الرسمي دون أن يصوره “عجزا عن التأطير ” يحتاج هذا الخطاب الاتصالي المركزي الذي يتدرج نحو المحلي عبر قنوات يجب أن تكون أكثر فعالية وقربا من الناس لوسائل إعلامية فعالة فإن ما نقترحه في هذا الإطار هو اعتماد “التلفزيون العمومي ” ،وحتى “القنوات التلفزيونية الخاصة ” لحملة إعلامية وطنية غير محددة “المدة ” تحمل شعارات وعناوين هامة ومؤثرة تستدعي “مسؤولية المواطن ” إزاء الوضع الوبائي وتكثيف رسائل “التحذير والتحسيس ” ،وعبر المساحات الاعلامية الموجودة تنظم حصص إعلامية تركز على هذا المحتوى الاعلامي الذي يشعر المجتمع بالمسؤولية اكثر من خطاب “التوصيف ” الذي يطرحه “الخبير ” إزاء الأرقام ،والتحاليل التي تسعى إلى قراءة الأوضاع في ظرفية ومحيط ضيق دون التوجه نحو حس المواطنين ومسؤوليتهم في تحمل الواجب الذي يقتضي أن يلتزم الناس بتدابير الدولة لمواجهة ” الكورونا” والمتابع لما يبث في القنوات يرى أن المحتوى الاعلامي لم يتحرك كثيرا نحو “التحذير ونقل القلق للمواطن دون ترهيبه ” ،وهذا في حد ذاته خطاب اتصالي تشارك في تشكيل مضمونه وسائل الاعلام الأكثر قربا وتأثيرا على الجماهير كما أن منابر التواصل الاجتماعي التي يجب أن تكون فيها وسائل الإعلام أكثر بروزا ،وتكييفا لظهورها ضمن الخطاب الاتصالي الاعلامي الجديد المشار إليه تبقى من أهم الوسائل الاتصالية الأكثر فعالية لتمرير الخطاب الاتصالي الرسمي الجديد الذي نؤكد ان الهدف منه رفع ” منسوب القلق لدى الجهات الرسمية العليا ” التي ينتظر “رأيها أو موقفها أو تقديرها للوضع ” وهي “الرئاسة ” ثم الوزارات لنصل إلى خطاب اتصالي يلامس نفس التوجه تجسمه حركة ” الولاة “ولغتهم في بيئة النشاط المحلي وما نشير اليه ان عدد من المقترحات التي نتقدم بها في هذه المساهمة للسلطات المختصة تخص “الاتصال واستراتجياته “الفعالة ” لإدارة الأزمة الصحية التي تحتاج خارج العلاج الطبي والتسيير الفني والتقني للوضع لإستراتجية اتصالية رسمية على المستوى الوطني مكيفة مع كل مستجد .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك