الأدب المحلي والعربي نحو العالمية: إرهاصات، رهانات وهواجس

أدباء، نقاد، مترجمون جزائريون وعرب، في آراء متباينة لـ "الوسط" عن:

ما من أديب إلا وسعى نحو الوصول إلى العالمية وما من نص إلا واستهدف الانتشار على أوسع نطاق، على أمل الصمود مع الوقت، فتتناقله الأجيال. تلك هي سمات أكثر النصوص الأدبية حظا عبر التاريخ، تُثير مخيال كل كاتب طموح تُلهمه في مأموريته المعقدة لفرض إبداعاته عبر العالم. لكن على أي أساس يبلغ الكتاب العالمية دون غيرهم؟ هل من مواصفات واضحة؟ وهل من آليات متفق عليها؟ على أن مصطلح العالمية مختلف فيه أصلا؟ ومِن ثم، ماذا عن الأدب العربي في كل هذا؟ هل حقق العالمية أم ليس بعد؟  ومن هذا المنطلق وضعت يومية “الوسط ” جملة من التساؤلات تنصب في هذا الإطار، بحيث تقربت من عدة أسماء أدبية جزائرية وعربية لها علاقة مباشرة بالأدب والترجمة والنقد وصناعة الكتاب والبحث الأكاديمي وهذا كله بغية معرفة الآراء المختلفة حيال هذه المسألة بالذات، وعليه فسيكتشف القارئ العربي في هذا الملف الثقافي المتكامل مجموعة من الرؤى المتباينة الخاصة بكل مبدع حسب توجهاته وخلفياته وقناعته ومشواره.

 

الكاتب والمترجم الجزائري المقيم في بريطانيا مولود بن زادي: “ستدرك أنك عالمي عندما ترى العالم يهتم بكتاباتك”

 

يعتقد كثيرون في وطننا العربي أنّه في وسع الكاتب الارتقاء إلى منصة العالمية من خلال شهرته الوطنية أو الإقليمية ومشاركاته في الندوات الأدبية والمهرجانات الثقافية الدولية. ويظنون أن العالمية تتحقق بالفوز بالجوائز الأدبية، فنراهم يتهافتون عليها. ويخالون العالمية تعني ترجمة المؤلفات إلى لغات أجنبية، فنراهم يصرفون أموالا طائلة لتحقيق ذلك. وكلها تصورات خاطئة تنم عن عدم فهم معنى العالمية فهما صحيحا. ففوزك بجائزة لا يميزك عن ملايين الفائزين قبلك وبعدك، وترجمة روايتك إلى اللغة الصينية لا يعني بالضرورة قراءة الصيني لها في عالم يعج بالمؤلفات. وإلاّ كيف نفسر عدم رواج الأعمال العربية والفرانكفونية المترجمة في العالم الناطق باللغة الإنجليزية على سبيل المثال. 

لقد نجح الكاتب العربي والفرانكفوني في إحداث ضجة ودعاية، وأفلح في خطف أنظار الجماهير من حوله، في مجتمعات تهيمن عليها السذاجة والذاتية، لكنه في الواقع فشل في تحقيق العالمية. 

إذا أردت تقييم “عالمية” أي كاتب، ما عليك إلا أن تزور أعظم مدينة في العالم لندن، التي يحط فيها كل أجناس الدنيا. جب أحياءها وشوارعها، وزر معاهدها وجامعاتها، واسأل مثقفيها عن أي اسم شئت ممن تعتقد أنهم بلغوا العالمية، وستعرف مثلما أعرف أنا حق المعرفة أنّ هذه شهرة مزورة لا تتعدى حدود الوطن العربي. أقول ذلك بكل أسف. 

في تقديري، لن تتحقق العالمية إلا بوصول اقتباساتنا وأفكارنا ومواقفنا وتأثيراتنا إلى قلوب الجماهير الواسعة في العالم. وستدرك أنك عالمي عندما ترى العالم يهتم بكتابك، ويستشهد بقولك، ويشيد باسمك على منوال غابرييل غارسيا ماركيز.

لن تفرض نفوذك عالميا بمحاكاتك إنجازات غيرك، ولا بفوزك بالجائزة العالمية للرواية العربية، ولا بجائزة “غونكور”، ولا بترجمة أعمالك إلى كل لغات الدنيا، ولا بمشاركاتك الدائمة في الندوات والمؤتمرات الدولية، في مشاهد ترضخ لهيمنتك، وإنما بانفرادك بشخصيتك وأسلوبك وأفكارك واقتباساتك القادرة على الانتشار ولفت اهتمام الجماهير في أرجاء الدنيا، والسفر إلى الأجيال الآتية.

 

الأديبة والناقدة السورية ميرفت أحمد علي المتوجة بجائزة (مانديلا) العالمية للآداب: تحليقَ الأدبِ العربيِّ على أجنحةِ العالميةِ، يخضعُ إلى شروطٍ (تأديبيَّة)

 

العالميةُ في الأدب تعني (تدويلَ) المُنتجِ الأدبيِّ، وتعميمهَ على القارئ على امتدادِ قاراتِ الأرضِ السبع، بغضِّ النظر عن الاشتراطاتِ السياسيةِ، والاعتباراتِ الإثنيَّةِ، والعرقيَّةِـ والدينيةِ، والإيديولوجيَّةِ، والطائفيَّةِ، لصاحبِ المُنتجِ المُدوّل، والتي أصبحت تُؤخذ بعينِ الاعتبار. كما إشهارهُ في المنصَّاتِ الإعلاميةِ الأدبيةِ والنقديةِ، والاحتفاءُ بهِ وبصاحبهِ بوصفهِ جانباً من جوانب النَّماءِ والثراءِ في الإنجازِ البشريِّ، بل حلقةً من حلقاتهِ التي لا تنفصلُ عن التراثِ العالميِّ والفكريِّ الإنساني. بحيثُ يصبحُ الإبداعُ جوازَ مرورٍ بينَ البلدانِ والقوميّاتِ، يضمنُ لصاحبهِ الحريةَ الفكريةَ والتقديرَ اللَّازميْن للاستغناءِ بمنتجهِ الإبداعيِّ عن جوازِ السفرِ المألوفِ، الذي يتحيَّزُ تحيُّزاً كلّياً إلى الاشتراطاتِ السابقةِ، ويحتكمُ إلى المحظوراتِ المذكورةِ. أمَّا الأدبُ العربيُّ فلاعتباراتٍ دينيَّةٍ تتعلقُ بالإسلامِ و بسوءِ تأويلهِ و فهمهِ كعقيدة سامية، و بالنظرِ إلى المواقفِ الوطنيةِ المناهضةِ للاستعمارِ الأوروبيِّ و الأمريكيِّ التي اتّخذتْها بعضُ الدولِ العربيَّةِ، فقد هُمّش هذا الأدبُ، و أُقصيَ بفعلِ فاعلٍ، و بقصدٍ من بعضِ مفكِّري الغربِ و المستشرقينَ المنحازينَ إلى دولهم و قوميَّاهم؛ فلم يتجاوز الأدبُ العربيُّ المعاصرُ (غالباً) حدودَ الإقليميَّةِ الضيقةِ، و المحليَّةِ الأضيقِ، و لم يُترجم جديدهُ و مُستحدثهُ كما كانَ حالُ التراثِ العربيِّ سابقاً، عندما كانتِ الأممُ الأجنبيةُ تنهلُ من معينِ الفكرِ و الإبداعِ العربيِّ و الإسلاميّ. وأسوقُ مثالاً على ذلك، الكاتبَ المسرحيَّ الشهير (سعد الله ونوس) وهو صاحبُ رؤيةٍ حداثيَّةٍ في التأليفِ المسرحي: فهل بلغَ منَ العالميَّةِ بفنّهِ المسرحيِّ حدَّ تسميةِ دارٍ للعروضِ المسرحيةِ في عاصمةٍ أوروبية باسمهِ؟ وهل بلغَ الروائيُّ السوريُّ (حنا مينة) حداً من النجوميةِ العالميةِ حدَا بدولةٍ أفريقيةٍ أو آسيويةٍ أجنبيةٍ إلى تسمية جائزةٍ عالميةٍ باسمه؟ 

إنَّ تحليقَ الأدبِ العربيِّ على أجنحةِ العالميةِ، يخضعُ إلى شروطٍ (تأديبيَّة) تفرضُ على الكتَّابِ العربِ ــ أحياناً ــ التخلّي عن عقائدهم الوطنيةِ والفكريةِ، أقلُّه في الجانبِ السياسيِّ. ويشتدُّ الخناقُ أكثرَ على الأدباءِ والمفكرينَ المناوئينَ للفكرِ الصهيونيِّ والمناهضين لهُ. وما أسرعَ ما تذوبُ هذهِ القيودُ كالملحِ في الماءِ لدى كلِّ مَن يخونُ الأمانةَ الوطنيَّةَ والقوميَّةَ التي شبَّ عليها؛ بغيةَ الحصولِ على جائزةِ ترضيةٍ في هذا المحفلِ الدوليِّ، أو مركزِ صدارةٍ في تلك الجائزةِ العالمية. وأزعمُ أنَّ المُستثنينَ من ذلكَ قلّةٌ قليلةٌ.

 

الكاتب أحمد دلباني: “ما العالمية؟ خصوصية مُنتصرة”

 

     في اعتقادي أنَّ سؤال العالمية لا ينفك عن السؤال حول مكانة الخصوصيات الثقافية التي تجد نفسها مُهدَّدة وواقعة تحت سنابك العولمة اليوم. وبطبيعة الحال يمثل الأدبُ وجها بارزا من أوجه الخصوصية الإبداعية لكل ثقافة في محاولتها التعبير عن الكينونة والإنسان وتوقها الحارق إلى المعنى والجمال. هذا ما يجعل الأدب في قلب المعركة من أجل تصدُّر واجهة الحديث باسم الإنسان من خلال التفاصيل المحلية الحُبلى بالأسئلة. فنحن ” لا نذهبُ من العالم إلى البيت، وإنما نخرج من بيتنا إلى العالم” كما كان يُعبِّرُ الراحل محمود درويش. ولكن ما الذي يبوئ خصوصية ثقافية ومحلية معينة مكانة عالمية ويفرضها باعتبارها قيمة مرجعية في الفن والجمال ويمنحها سلطة التعبير عن الإنسان في المطلق؟ 

     دعنا، صديقي، نتأمل قليلا المسألة عن قرب. ألا تلاحظ معي أنَّ الثقافة التي تُوصف عادة بالعالمية هي ثقافة المركز المُهيمن؟ ألا تلاحظ، بالتالي، وعبر كل حقب التاريخ أنَّ العالمية في الفكر والفن والقيم و”رؤى العالم” هي دائما ثمرة إنجازات المُنتصر؟ أليس في هذا ملمحٌ وإشارة إلى أنَّ قوة الثقافة لا تنفك، بحال، عن القوة بكل بساطة؟ هذا، تحديداً، ما هو واقعٌ اليوم تحت معاول التفكيك والحفر النقدي من أجل الكشف عن علاقة المعرفة بإرادة الهيمنة والسلطة، وعلاقة العقلانية بأنظمة القمع والاستبعاد. إنَّ مفهوم العالمية، بالتالي، مفهومٌ متحيِّز وغير نقدي؛ فضلا عن كونه يستبطنُ مباركة لا لقوة الثقافة بل للقوة العمياء وإرادة السيطرة والهيمنة لا غير. إنَّ العالمية، بهذا المعنى، تقومُ على تأسيس مرجعية تدَّعي تجاوز الخصوصيات وطمسها ولكن من خلال تنصيب مرجعية ثقافية أحادية وأمبريالية الوجه ومن خلال اعتماد رواية تاريخية تتمركز حول إنجازات الذات المنتصرة رامية إلى الهامش بكل الثقافات الأخرى وبكل الغنى الإنساني للتراثات المهمشة المُغيَّبة. وإلا كيف نفهم أنَّ قائمة الأدب “العالمي الإنساني” تضم أسماء هوميروس وسوفوكليس وفيرجيل ودانتي وشكسبير ولافونتين وغوته وهيغو وهيمنغواي؟ ما مكانة المعري والمتنبي؟ الخيام والرومي ومثلا؟ لماذا لا يتمُّ النظر إلى نتاج الآخر الإبداعي إلا باعتباره شيئا غرائبيا؟

     إنَّ مفهوم العالمية، في اعتقادي، يحجبُ كل منافذ الانفتاح على التعدد والغنى الثقافي الإنساني، فضلا عن كونه مفهوما أنتجه العقل الأمبريالي الأوروبي الذي واكب التوسع الاستعماري الحديث. من هنا أجدني، باعتباري مثقفا، مُلزما بالحذر من الافتتان بـ “العالمية” المُصدَّرة في مجالات الثقافة والفكر والإبداع والقيم. تسألني، في الأخير، كيف يُمكن التأسيس لعالمية غير متحيزة ومتخلصة من الإرث الكولونيالي؟ فأقول بتوسيع تخومها وجعلها أفقا مفتوحا ينهل من روافد التعبير الإنساني بعيداً عن أي نزوع مرجعي أمبريالي.

 

الكاتب والباحث محمد كاديك: مسألة “العالمية” تتعلّق بـ”طبيعة الخطاب” ومحمولاته القيمية

 

“العالمية” مفهوم متفلّت، اكتسب من المضامين ما صار يفرض علينا تتبّعه في السياقات التي يوضع بها، خاصة في عصر العولمة هذا، ولعل تحديد هذا المفهوم يكون ممكنا انطلاقا من معناه المنطقي، فحين نتحدّث عن الـ”عالمي”، فإنّنا نقصد عادة – إلى “الشّمولية” أو “الكليّة”، أي نقصد إلى ما يشمل كل العالم..  فلو أردنا أن نصف “الجاذبية” مثلا بأنّها عالمية، يكون وصفُنا صحيحا، بحكم أن هذه الظّاهرة لا تترك أيّ شيء على الأرض إلا وتفرض عليه قانونها.. هذه واحدة.. هناك استعمالات أخرى للمصطلح.. في علم المنطق مثلا، نتحدث عن “قضايا كليّة”، وهذه لا علاقة لها بما سبق.. علماء النفس وعلماء الاجتماع هم الآخرون يتحدثون عن “المشترك بين الناس”، وكذلك الحال في مختلف الحقول المعرفية..

أعتقد أن ما يهمّنا من المفهوم اليوم، متعلّق بـ”الانتشار الواسع”، ولكنّنا حين نصف كاتبا أديبا أو شاعرا بأنه “عالميّ”، يبقى مقصدنا من فكرة “الانتشار” غامضا.. هل يكون الكاتب عالميا حين ينشر أعماله في أربعين لغة مثلا، أم أنّ هناك مقصدا آخر لـ”الانتشار”؟!

أرى أن “عالمية” الأعمال الأدبيّة والشعرية لا تتعلّق بعدد النسخ المطبوعة، ولا بعدد اللّغات التي تترجم إليها هذه الأعمال؛ ذلك أنّ مسألة “العالمية” هنا، تتعلّق بـ”طبيعة الخطاب” ومحمولاته القيمية، وطبيعة هذه القيم، كما تتعلّق بـ”الإسهام”، أو بـ”الإضافة” التي يمكن أن يقدّمها إلى العالم، وواضح أنّ هذه “الإضافة” لا يمكن أن تنبثق إلا من خصوصيّة الكاتب أو الشّاعر، وعلى هذا، لا يمكن لأيّ كان – على سبيل المثال – أن ينكر عالمية أعمال محمود درويش، ولا أن ينكر عالمية أعمال نجيب محفوظ، فهما معا، تمكّنا من الرّقيّ بالخطاب الفنّي إلى مستوى الشّمول من خلال القيم التي اشتغلا عليها في أعمالهما شعرا وسردا، فقد تمكّن درويش من تحويل القضية الفلسطينية، فنيّا، إلى قضية إنسانية، بينما عرف محفوظ كيف يستلهم الحارة المصرية، ويمنحها الرّمزية التي تجعل من الخصوصية المصرية رسالة شاملة..

 

الكاتب والناقد والأكاديمي فيصل الأحمر: الأدب العربي والعالمية

 

العالمية مفهوم شائك علينا أن نحذره كثيرا. علينا أن نحاذر لأنه يخفي خلفه دوما عناوين معقدة. العالمية شارة شبه “عسكرية” لا نحصل عليها إلا لقاء “خدمات إيديولوجية” على هذا العالمي أن يقدمها. العالمية تكاد أحيانا تتحول إلى تهمة أو وصمة عار على جبين هذا “العالمي”…ولكن هنالك جانبا يبدو لي صالحا لتسميته “الإنساني” أكثر من “العالمي”.

المشكلة التي لي مع عنوان “العالمية” هو أن هنالك دوما “قويا ما” ذا مصالح يتحكم في آلية توزيع هذه الصفة … صفة العالمية اعتبار يغلب عليه أن يشكل “حقيقة” ذات طابع إعلامي. وككل حقيقة فهي بالضرورة حقيقة خطابية – كما يقول الفلاسفة-، وهي بذلك خاضعة للتموقع، وللاستراتيجيات التي لا علاقة لها بالهاجس الإنساني الذي عرفناه منذ عصر النهضة والذي دعمته الأشكال النبيلة من الحداثة منذ القرن 19 انتهاء إلى منتصف القرن العشرين… وهو هاجس أراه شخصيا يشهد ردة كبيرة منذ سقوط المعسكر الشرقي …

سيكون ما هو “عالمي” هو ما يتماشى مع مصالح العالم الرأسمالي الغالب الساحق لكل خصوصية عدا خصوصيته هو (وهي تشكيلة غريبة من الإيديولوجيات أميركية الجغرافيا ليبيرالية التوجه السياسي والاقتصادي، أممية على طريقة الميسيانية اليهودية في فلسفتها العامة وفي اختياراتها على مستوى الهندسة المجتمعية للعالم…)، وسيكون العالمي بهذا الشكل هو المتتبع للنموذج العالمي ” universal standard ” الذي نشأ بعيدا عنا وبمعزل عن مشاركة جبهة المغلوبين.

لهذه الأسباب أتحرج كثيرا من مسألة “تحقيق العالمية”… 

سيلاحظ اي متتبع فطن بأن روايات عربية كثيرة كان لها نجاح ساحق في السوق ولدى النقاد على حد سواء، ولكنها أعمال تترجم إلى لغات أجنبية فلا تجد أي صدى.

التفسير هو أن العالمية المنشودة لأعمالنا العربية والجزائرية هي “قبولٌ” دوائره محدودة جدا. قبول يترجمه منح جهات معينة للحق في الظهور؛ حق إذا لم يمنح لك فأنت ميت بعد حين وإن كنت جبران خليل جبران أو شكسبير.

ما أميل إليه هو اهتمام الإعلام العربي بالظهور باللغات الحية فيما يشبه صيغا مترجمة لمنابره الكبرى؛ وهذه القناة مضافة إلى الظهور القوي والمكثف عبر محركات قوية مما يملك رأس المال العربي أدواته على الانترنت هي السبيل الأنجع لتقديم أنفسنا إلى الأفاق البعيدة دون انتظار أكاليل الغار التي تمنحنا إياها جهات معينة، ليس ما يحركها الأدب ولا الفن ولا الجمال ولا مشاركة التجارب الإنسانية.

 

الكاتب والفنان التشكيلي مسينيسه تيبلالي: ما مِن نصّ نال شهرة واسعة إلا وتناغم مع سِياسات قائمة أثبتت سطوتها

 

تناول موضوع الرواية العالمية والمعايير الأسلوبية والآليات التّي من خلالها تُقاس عالمية نص من النصوص الأدبية، في ظاهره واضح نسبيّا، بل مقنّن ومُتعارف عليه إلى حدّ ما، بيد أن باطنه أعقد من أن يُحصر في بضع نِقاط سنتناولها بإيجاز أسفله، بل سرعان ما تنقلب الأسئلة الأدبية استفهامات فلسفية، وجوديّة و”استاطيقية” بالأساس، تُسائل المُهتم في ماهية الجمال وإشكاليات الذّوق وهل تصح أصلا مناهج المقارنة عندما يتعلّق الأمر بالإبداع؟

فأما ظاهر الموضوع، فإن النّص الروائي في أيامنا هذه، يَتَسمَّى بالعالمي إذا ما تحقّق له ما يلي: الترجمة إلى اللغات العالمية الحيّة، سعة معيّنة من الانتشار ومنه حجم المبيعات الذّي يتيح حضوره في الوسائط الأدبيّة، الحصول على الجوائز المرموقة ذائعة الصيت وكذا الاحتفاء الذي وجب أن يحظى به النص لدى المجتمع الأدبي العالمي.

فأما باطنه فأعقد بأشواط، ولعلّنا سنكتفي هنا بطرح أربع إشكالات قد تُعرِّض للشّبهات المفاهيم المتفقة عليها حول عالمية النّص من عدمها: المسافة الفاصلة بين الكِتاب والكَاتب: نظريّا، نشأة أي عمل إبداعي، في جل المدارس الفنّية، مُقترن اقترانا وطيدا بِما يُتفِق عليه اصطلاحا بـ “l’état d’ame”، والذي يأخذ بعين الاعتبار مِزاج المبدع أثناء عملية إنتاجه، وكذا مشاعره وحالته “الرّوحية” سواء في وعيه أو لا وعيه، لذا ليس من الغريب أن تتفاوت نوعية نصوص وانتاجات نفس المؤلف.. في حين أن “عالمية النص”، غالبا ما تتقيّد أساسا بشخص الكاتب دون نصّه، ولأختصر، أستحضر هنا كلاما قاله لي شخصيّا الكاتب الفرنكولبناني أمين معلوف عندما سألته كيف حزت جائزة الغونكور عن رواية “صخرة طانيوس” على كونها لم تعد يوما ذروة إنتاجاتك؟، قال: “سمرقند وليون الإفريقي قد يكونان أقوى أدبيّا، لكن المؤلف وقتذاك لا زال مغمورا نسبيّا”.

موضة المدارس والألوان الأدبية: ليس من الغريب أن تتوج بجائزة نوبل لِسنين طِوال منتصف القرن الماضي، نصوصٌ أدبية ذات نزعة وجودية، كما لم يستغرب أحد بلوغ القصائد السيريانية دون غيرها منابر العالمية في فترة مبكرة من ذات القرن، نفس الشيء نعيشه مع جوائز معاصرة، البوكر مثلا التي توّجت لسنوات عدة الرواية التاريخية.. تلك هي موضة المدارس الفنّية، تظهر وتفرض نفسها وتبلغ العالمية لمدّة مُعيّنة ولأسباب بالإمكان استقصاؤها، ثم تضمحل تاركة المنبر لمدارس وتيّارات أخرى.. فهل آليات قياس عالمية النصوص تأخذ بعين الاعتبار “الموضة” والتّي لها صلاحية محدودة زمنيا؟

المسافة الزمكانية بين القارئ والنّصّ: لَرُبما كانت هذه النقطة تتمة للتّي سبقتها، ولو طُبِّقت لنُسِفت معظم نصوص “الموضة” التّي تسمّت يوما ما بالعالمية، ونقصد بالمسافة الزمكانية بين القارئ والنّص أن يؤخذ بعين الاعتبار عاملا الوقت والمكان، فوجبَ ألا يُسمى النص نصا عالميا إلا إذا صمد لفترة معيّنة في الزمن مع مُراعاة انتشاره مكانيّا طيلة تلك الفترة.. اختِصارا، قد لا يمكن الحكم على عالمية نصّ من النّصوص إلا لاحقا. 

الأصالة: رَسميّا وبرتوكوليّا، الأصالة عامل مُهمّ للحكم على نص ما، سواء ترشّح للنشر، أو لجائزة ما، فما بالك ليَتسمّى عالميا، وقد جعله الفنان الاسباني الشّهير سلفادور دالي في أعلى الجدول الذّي رسمه يلخّص من خلاله معاييره الشخصية للحكم على عمل إبداعي ما (وذلك في سيرته الشخصية المثيرة للجدل “يوميات عبقري”)، ولكنّ الواقع شيء آخر، وشتّان بين التنظير والتطبيق، فقياس أصالة النصوص تقريبا ضربٌ من ضروب المِثالية الأفلاطونيّة، وهذا بشهادة كُبريات المؤسسات والمنظمات التي تشتغل في حماية حقوق المؤلف على شاكلة كوبيرايت، إذْ لم يهتدوا أبدا للوصفة الأمثل التّي تتيح قياس أصالة الإبداع، نصوصا متكاملة كانت أو أفكارا طائشة.

بين هذا وذاك، وجب التّذكير بعامل لطالما صلح في كلّ زمان ومكان: السّياسة.. ما مِن نصّ نال شهرة واسعة إلا وتناغم مع سِياسات قائمة أثبتت سطوتها.

 

الكاتب والباحث والمترجم محمد جديدي: العالمية باتت صناعة

 

إذا اعتبرنا العالمية صفة أو خاصية، تعطى لكاتب تَعرف كتاباته شهرة واسعة، تتخطى حدود بلده إلى بلدان عديدة حول العالم وتكون محط متابعة وقراءة من قبل جمهور واسع، لا تحصيه الملايين المترقبة لجديد ما يكتب وينشر، كما هو اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي. وتتبع في الغالب “العالمية” حركة الهيمنة الثقافية، التي تخضع بدورها، في غالب الأحيان، لهيمنة أخرى ذات طابع اقتصادي وسياسي وعسكري. ونادرا ما تحيد عن هذه الهيمنة ونموذجها اليوم الولايات المتحدة الأمريكية.

وإن كان التفوق والإبداع عاملين أساسين لكل نجاح عالمي. بالمقابل أضحت العالمية صناعة احترافية لخلق هذه الصورة التي يسكن فيها الكاتب العالم ويصير أقرب إلى الكائن الكوسموبوليتي كما حصل مع الفيلسوف الفرنسي” إدغار موران” والذي احتفل هذا العام بعيد ميلاده المائة ومنحت له كثير من دول العالم حق المواطنة. 

 وعلى اعتبار أن العالمية صناعة متكاملة فإنها محكومة بعوامل هي بمثابة شروط أهمها: اللغة، الترجمة، الصورة، الترويج، الأرقام.

أن تصير كاتبا عالميا معناه أن تنتشر بأكثر مما تتوقع في مناطق عدة من العالم. وأن يكون لك حضورا مميزا في بقاع الدنيا. يتحقق ذلك وفق صناعة باتت احترافية لخلق هذه الصورة، التي يسكن فيها الكاتب العالم ويصير أقرب إلى الكائن الكوسموبوليتي. كما حصل مع الفيلسوف الفرنسي “إدغار موران “والذي احتفل هذا العام بعيد ميلاده المائة ومنحت له كثير من دول العالم حق المواطنة. 

لا يمكنك أن تكون عالميا إلا إذا اخترت الكتابة بلغة عالمية.بل ستظل على محليتك منسيا.ودون إشارة إلى اسمك إذا كانت لغتك ليست واحدة من اللغات العالمية. اللغات التي تكرست على أنها كذلك وباتت واحدة من اللغات، التي تحضر في المحافل السياسية الدولية والأنشطة العلمية والأدبية العالمية والمعارض الفنية الكبرى، التي تقام هنا وهناك ويحضرها الكتُّاب الذين يسطع نجمهم أكثر في مثل هذه اللقاءات.

لا يمكنك أن تكون عالميا إذا لم تحظ أعمالك ونصوصك بترجمات إلى لغات شتى. وكلما كثرت الترجمات زادت حظوظك في نيل لقب الكاتب العالمي. ألا ترِد في سيرة الكاتب، وقد بات معروفا على الصعيد العالمي، أن مؤلفاته حظيت بعدد معين من الترجمات؟ فكل واحدة هي فتح وتألق جديد، وهي كذلك عنوان لمدى أهمية وقيمة الكاتب ليس في بلده فحسب وإنما في بلدان كثيرة من العالم.

لا يمكنك أن تكون عالميا وصورتك لم تسوق بالقدر الكافي، الذي يجعلها تصل إلى أكبر عدد من الناس والجمهور وتصل بشكل راقي وجيّد. في عالم استحوذت فيه الصورة على حياة الكل. والكل أصبح ملازم لشاشته، إن في البيت أو في العمل أو في المركبة. صار لابد من تقديم الكاتب العالمي في صورة، كتلك التي يُقدم بها نجوم الفن أو الرياضة أو السينما …إلخ.

لا يمكنك كذلك أن تصير عالميا، إذا لم يصحب الصورة التي تنسج لك ترويج كاف ودعاية قمينة بتحقيق غاية الصورة من التأثير والمتابعة. وكل ذلك يرصد بنسبة مشاهدة ومتابعة باتت تحسب بأرقام ونسب لعدد المشاهدين والمتابعين. كما أن بلوغ هذه الأهداف لا يتّم إلا بواسطة خبراء في الإعلام والدعاية و”الماركيتينغ” وأخصائيين نفسانيين واجتماعيين، لهم دراية بنوازع الجمهور ورغباته، ولهم خبرة بصناعة الرأي عبر النقد والبرمجة والتوجيه.

أخيرا لا يمكنك أن تصبح عالميا، إذا لم تحقق أرقاما قياسية أولا في عدد النسخ التي تسحب من الكتاب وفي عدد القراء وحصيلة المقروئية، التي ترقبها مراكز ومواقع، تُخصِص للتأكّد من ذلك استبيانات وأنشطة، تمكّنها من معرفة عدد القراء إضافة أرقام المبيعات وترتيبها بحسب الأكثر مبيعا ولا أتصور أن كاتبا يبلغ العالمية من دون أن تحقق نصوصه نسبة معينة من المبيعات والمقروئية.

إذا ما نظرنا إلى الكتاب العرب، وجدنا أن بعضهم يحظى بحضور عالمي نسبي، ضمن دوائر ثقافية وفكرية ضيقة جزئيا، يتجلى ذلك عبر توفر نصوصهم في المعارض وتألقهم الدائم في النقاشات والحوارات الأدبية والفلسفية. ولكن إذا ما قارنا عالميتهم بنصيبهم من الجوائز فلن نجد إلا نجيب محفوظ (الفائز بجائزة نوبل للأدب سنة 1988، إحدى أبرز وأهم الجوائز على المستوى العالمي) على الرغم من ترشيح أسماء لها قيمتها الأدبية والثقافية من أمثال: آسيا جبار أو أدونيس أو أمين معلوف أو علاء الأسواني أو محمود المسعدي أو محمد شكري، لنيل جوائز عالمية. لأن لهذه الأخيرة أهميتها أيضا عند الحديث عن الكاتب العالمي.

 

الكاتبة الدكتورة العراقية أسماء يوسف ديان: العالمية وتطبيقاتها في الكتابات العربية

 

العالمية بمنظورها الذي نستشفه هو عدم الاكتفاء بالأفكار أو أية مادة علمية أو إبداعية أو معرفية متداولة والدوران في فلكها في الغالب بل الإتيان بدلها بأخرى قد تكون جبارة بما تحدثه من صدمة سواء بمفهومها السلبي (الرفض) أم الإيجابي (القبول) أو هي إبراز الأفكار التي تخص ثقافة جمعية بعينها، إبرازها للثقافات الأخرى بما تحمله من مزايا إيجابية وتقديمها للثقافات الجمعية لشعوب أخرى على تعددها، ومن ثم، تتحول إلى ما هو رازح يزعزع ما قبله تدريجيا _إن كانت صورة نمطية على سبيل المثال_ ويحل محله، وبنجاح تداول هذه الأفكار والمواد العلمية والإبداعية والمعرفية تشق طريقها الأوسع بعد أن كانت تمر بأزمنة انتقالية قد لا تخلو من رد فعل مشوب بالتشويش أو الفوضى، وهو أمر طبيعي يواجه العالمية على كافة الأصعدة، وحسبنا تذكر ما فعله (نجيب محفوظ ) بأفكاره التي لاقت رفضا على مستوى ثقافته الجمعية ومن ثم قبولا وعالمية ، أو (إدوارد سعيد) بوصفه كاتبا عالميا طرح أفكاره المعرفية مع احتفاظه بهويته الفلسطينية وما واجهه كذلك من قبول و رفض.

إذن يمكن تلخيص ما تقدم في أن العالمية تميل نحو هدم التفكير الجمعي ونقضه بأفكار جديدة مع الاحتفاظ بالهوية فيتم عبرها نوع من الاختلاط الثقافي والتلاقح الفكري بصوره الإيجابية على مستوى العالم.

وعند استحضار أمثلة تطبيقية على مستوى الكتابات الإبداعية والنقدية العربية فإن المفهوم أعلاه قد تحقق في مجموعة من الكتاب والنقاد وعلى سبيل المثال لا الحصر ما تمت الإشارة إليهما أعلاه وهما: (نجيب محفوظ) بوصفه روائيا و(إدوارد سعيد) الناقد وأستاذ الأدب المقارن فلسطيني الأصل الذي نهضت بأفكاره صفة العالمية؛ إذ أحدث ضجة بأفكاره التي طرحها في كتبه ولا سيما في كتابه(الاستشراق) سياسيا وفكريا وثقافيا، وما طرحه حول الكولونيالية فحاول الكثير نقضها مثلما حاول آخرون تأييدها، وقد ترجمت كتبه إلى لغات متعددة ودرست.

 

الأديبة اللبنانية رندلى منصور: يريدون جعل الكاتب العربي بوقًا لمآربهم

 

بداية، علينا الإقرار بأن أحد أهداف كل كاتب، مهما كان، هو الانتشار. لكن يجب التوقف عند معنى هذا الانتشار، أسبابه وغاياته! حتى نستطيع فهم واستيعاب فكرة العالمية والإجابة عن تساؤل فاقد للغاية، إن لم يتم وضعه في إطار واضح وشفاف. فلماذا نكتب؟ ولمن؟  ستكون الإجابة عن السؤال المطروح، هل حقق الكاتب العربي العالمية أو هل هو قادر على ذلك فعلًا؟ كيف يمكن الحكم على النص ومن قبل من وما هو السبب؟ وهل النص فكرة أم تركيب وجمالية فنية؟ 

أولًا، لا بدّ من أن يكون هناك فكر معيّن نريد إيصاله، أي الرسالة أساس بين المرسِل والمرسَل إليه، وهنا لا ضرّ من الترجمة إذ أنها تحوّل الفكرة من لغة إلى أخرى من دون المسّ بالمضمون أو التأثير على المحتوى، وهذا لا يمكن طبعًا حين نتحدث عن نسق أدبي جمالي، له تراكيبه اللغوية ونسقه الثقافي ومحتواه العاطفي المعبر عنه بلغة حسية معاشة لذلك لا يمكن التعويل على حركة الترجمة ولا حتى التعريب حين نتناول نصوصًا ذات حرفية لغوية وجمالية فنية أدبية. فما مغزى كتابة نص بلغة غير لغته الأم؟! ثانيًا، الكثير من الأعمال المبهرة أخذت حقها بعد عقود من الزمن ولم يشهد صاحبها بهرج النجاح فالنص المتجدد لا يلقى رواجًا والكاتب الذي يستشرف المستقبل لا ينجح.

أضيف بموجب اهتمامي بمجال الترجمة بهدف فهم أوضاع المثاقَفة يلفتني واقع «السمسرة» ببُعدها العلائقي المفتقر إلى التقييم الإبداعي الحقيقي. في أوساط عَرّابي الترجمة ووكلائها، تحظى بعض النصوص بالاهتمام لا لجودتها بل لأن كاتبها يملك شبكة علائقية ذات طابع زبائني، وما الحديث عن مِهنيّة دور النشر الغربية وجدّيتها، سوى أمر نسبيّ، وهو ما لا ينطبق على كلّ الدُّور ولا على سائر الناشرين، وطبعًا عن دور النشر العربية حدث ولا حرج.

فما يترجم فليس بالضرورة أن يكون الأجود أو الأرقى وإنما الأوفر حظّا وأمتنها علاقة مع الخارج وأكثرها استجابة للمعايير المطلوبة.  أما بشأن النص الإبداعي العربي، وما يتعلّق بأصحابها فنادرًا ما تُتاح لهم فرص عرض أعمالهم بالشكل الذي يَعرِض به نظراؤهم الغربيون إنتاجهم الفكري والأدبي. كما يُعامَل الكاتب العربي، كمبدع وإنما كناشط سياسيّ فتلاحقه الأيديولوجيات منها الأصولي، والمواقف من المرأة، والعلاقة بالسلطة، وبالانتماء والدين وغيرها، وهذه المأساة مسؤول عنها المجتمع العربي إذ أن الفنان أو المبدع لا قيمة له في عالمنا العربي. 

ننظر إليه كتابع لجهة فان اشتهر يكون مع السلطة أو ضدها بحسب الظرف المواتي أما إن كان بعيدًا عن هذا الوسط فيغطي فكره غبار اللامبالاة تمامًا كما كتبه على رفوف المكتبات الصماء.

التجديد مطلوب إذا غاب الشعر في الوسط العربي فمازال يحمل الفكر التقليدي كما الهيكل وأن يدخل إليه التحديث في الموضوع والشكل والمعنى والمبنى لذلك نجد أن هناك بعض الأنواع الأدبية هدأ وهجها وحلّ محلّها أخرى.

ختامًا أقول، الترجمة لا تعني العالمية وأن يقرأ الكاتب بغير لغته لا فائدة منه ما يؤمن العالمية هو الاستمرارية وهذا لا يكون إلا بالابتكار أن يصبح الكاتب العربي قادرًا على الخلق وليس على نسخ ما يبتدعه الآخرون.    

 

الشاعر جبّار الكوّاز عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق: لم يستطع إلا القلة القليلة من الأدباء والكتاب العرب تحقيق منزلة العالمية

 

مفهوم العالمية يحمل بعدين أساسيين يتحكمان في صمام التوجه الحقيقي للحكم بعالمية كاتب ما بغض النظر عن جنسه أو لونه أو انتمائه فالبعد الأول..يتعلق بأعمال الماكنة الإعلامية المسيطرة على حركة النشاط الثقافي والإبداعي عالميا فمن خلال وسائلها المتنوعة المقاصد تستطيع أن تسهم في شيوع صيت الكاتب وانتشاره عالميا لأغراض إيديولوجية أو اقتصادية أو لإشاعة مفاهيم اجتماعية تهدف إلى انتشارها من خلال النص الأدبي وتأثيراته الإيجابية والسلبية وهذا البعد يكون فيه الأديب أسيرا لأهداف المؤسسات الإعلامية والثقافية ومحققا لتطلعاتها وسياساتها سلبا وإيجابا أما البعد الثاني فتتحقق العالمية لأديب ما من خلال استخلاصه لعوامل محليته وبنائها إبداعيا معبر ا من خلالها عن تاريخها وتطلعاتها وفواعلها محليا لتكون المحلية سلّمه في الوصول إلى العالمية بالترجمة والنشر والمساهمات العامة جماهيريا بحيزها المحلي والدولي فالعالمية هنا تتحقق من خلال خواص المحلية والصدق في نقل تلك الخواص ويقع أدباء العالم بين هذين البعدين في سياسة للاختيار تكون مجهولة الانتساب وسرانية التوجه والمقصد ولم يستطع إلا القلة القليلة من الأدباء والكتاب العرب تحقيق منزلة العالمية إذا ظلّوا سادرين في توجهات ثقافية غير مبرمجة أو بعيدة عن واقعهم وغير منتمية لواحد من البعدين في جوهر مفهوم العالمية ولنا في الروائي( نجيب محفوظ )أنموذجا ساطعا في قدرة التقاء المحلية بتوجهات السياسة الإعلامية والثقافية العالمي إذا ما قورن بينه وبين الشاعر( أدونيس) الذي دائما ما تقف الأفكار القبلية والانتماء الفكري وتاريخية حياته ونتاجاته حائلا بينه وبين وصوله إلى أعلى مراتب العالمية ممثلة بجائزة (نوبل) التي تتحكم فيها أراء سياسية واجتماعية وثقافية وتاريخية معروفة للجميع ولا سبيل للعرب في الوصول إلى العالمية إلا بالاستغراق الجوهري لأسس النتاج المحلي وكشف آليات اشتغاله الفنية العالية للحصول على ما يرجوه كل كاتب  في عالمنا الإشكالي.

 

الأديب السوري حازم العجيل: أصبحت «العالمية» في قاموسنا الأدبي الحديث، مرادفاً كاملاً للأوربية

 

      في جولة قام بها المستشرق الفرنسي المعاصر «شارل بيلا» في عدد من الأقطار العربية، سأله أديب صحافي: أيهما تقرأ الأدب العربي القديم أم الحديث؟ فأجاب: بل أقرأ الأدب العربي القديم وحده، فسأله الصحافي الأديب: ولماذا لا تقرأ الأدب العربي الحديث؟ فأجاب «بيلا»: لأنه أدب أوروبي مكتوب باللغة العربية.

وما هذا إلا دلالة على الخلفية الحضارية التي يتحرك من خلالها أدبنا الحديث، غالطاً عامداً في إدراك مفهوم «العالمية» في الأدب وهو يتردد اليوم بشكل واسع على المساحة الأدبية وفق معان متعددة.

فأحياناً يطلق المصطلح ويراد به عدد من الأدباء الذين استطاعوا أن يتجاوزوا حدود ثقافتهم القومية ليتم تكريسهم بوصفهم معترفاً بهم عالمياً. 

إلاّ أن تضارب مفاهيم العالمية في كتابات العرب يضطر المرء لأن يتساءل: ما هي “عالمية الأدب”؟ أهي الانتشار الذي تحظى به الأعمال الأدبية خارج حدودها اللغوية القومية؟ أم هي المؤثرات الأجنبية التي تخضع لها الأعمال الأدبية؟ أم هي اقتراب الأعمال الأدبية من حيث الشكل الفني من النماذج الأدبية الغربية؟ أم العالمية هيمنة أدب قومي على الآداب القومية الأخرى في سياق مثاقفة غير متوازنة؟ 

إنّ العمل الأدبي العالمي هو أولاً وقبل أي شيء آخر عمل متطور أو متقدم في شكله الفني، فالجودة الفنية للعمل الأدبي تجعله أكثر قدرة على اجتياز حدوده اللغوية والثقافية، وعلى دخول دائرة العالمية، إنّ الجودة الفنية هي الشرط الأول والأهم لبلوغ العالمية، إن الأعمال الأدبية الراقية فنياً تشق طريقها إلى العالمية، وإن يكن بشيء من البطء، وتدخل دائرة العالمية في نهاية الأمر.

إن الأعمال الأدبية العالمية التي تستحق هذا الاسم بجدارة هي أعمال مثلت تحولات كبيرة في تأريخ الأدب العالمي، وبدايات لمراحل ومدارس واتجاهات وأساليب جديدة من تطور الأجناس الأدبية التي تنتمي إليها، وقد كانت جودتها الفنية وراء ترجمتها إلى مختلف اللغات الأجنبية، وتلقيها في مختلف المجتمعات، واستمرار تلقيها مهما تقدّم بها الزمن.

ومن ثم: فيمكننا أن نقول، بأنه ليس ثمة عالمية في الأدب من دون أصالة، فالأصالة هي التي تمنح الأدب فرادته وتميزه الذي يجعل منه إضافة جديدة، وتطويراً في النشاط الأدبي العالمي، كما أن خصوصيتها هي التي توفر للنتاج الأدبي شرط الصدق، والذي به وحده يستطيع أن ينفذ إلى حنايا النفس الإنسانية، ويهز أوتارها، ويحرك مشاعرها.

وعندما افتقدت حركة الأدب العربي الحديث، هذه البصيرة وغفلت عن شروط العالمية، انزلقت إلى مجاهل السبل، ومسالك التيه، وأصبح كل همّ الأديب العربي أن يقلد اتجاهاً أدبياً أوروبياً أو حتى أديباً أوروبياً بعينه لقد تجاهلنا، أو جهلنا، إن الأصالة هي المدخل الطبيعي إلى العالمية وهي الشرط الجوهري في عالمية الأدب.

ولقد أصبحت «العالمية» في قاموسنا الأدبي الحديث، مرادفاً كاملاً للأوربية، وغدا شائعا أن نعني «الأوربية» كلما ذكرنا العالمية الأدبية.

 

الكاتب والناشر المصري أسامة إبراهيم: الأدب يصبح عالميُّا عندما ينتقل من النطاق الوطني أو القومي إلى مختلف بلدان العالم

 

أتحدث هنا عن مفهوم العالمية في الأدب من وجهة نظري ككاتب أولا وناشر ثانيا ومن هذه الزاوية أرى أن الأدب يصبح عالميُّا عندما ينتقل من النطاق الوطني أو القومي إلى مختلف بلدان العالم، وربما لهذا السبب تنتشر مقولة إن “الطريق إلى العالمية يبدأ بالمحلية”، أي أن الأديب ينجح في نقل إبداعاته المحلية لتنتشر عبر البلدان المختلفة في مختلف أنحاء العالم؛ وهو بلا شك هدف عظيم يسعى إليه كل الكتاب والأدباء في سبيل البحث عن الخلود والانتشار غير المحدود بحدود جغرافية أو سياسية.

 ولعل ما ساهم في المزيد من انتشار الآداب المحلية عالميا هو ما حققته الحضارة المعاصرة من تطور في جميع المجالات خاصّة الاتصالات وتطور تقنيات الطباعة والنشر والنقل وغيرها، مما أسهم في إخراج الأدب من النطاق الوطني الضيق إلى فضاء العالم الفسيح وبالتالي نجد أن العالمية تعني تجاوزَ الأعمال الأدبية لحدود الدول من خلال الترجمة إلى معظم لغات العالم وانتشارَها بشكل كبير جدًّا ومن ثم حقَّق شهرة كبيرة، كما أن السؤال المهم: هل حقق الكاتب العربي العالمية؟ يقودنا إلى حقيقة مؤسفة هي أن معيار العالمية في الأدب- خاصة على المستوى الإعلامي والشعبي؛ هو حصول الكاتب على جائزة نوبل في الأدب، وهو معيار غير منصف ولا مهني باعتبار أن هذه الجائزة- مثلها مثل جائزة نوبل للسلام- تصطبغ غالبا بصيغة سياسية وأحيانا عنصرية. باستثناء نجيب محفوظ؛ لدينا أدباء عرب ترقى أعمالهم إلى العالمية مع ذلك لم ينالوا حظهم من الشهرة العالمية، منهم على سبيل المثال لا الحصر؛ طه حسين، توفيق الحكيم، عباس محمود العقاد، يوسف إدريس، أحلام مستغانمي، آسيا جبار، أبو القاسم الشابي، جبران خليل جبران، الطيب صالح، وغيرهم كثر.

 

الشاعرة السورية لميس سلمان صالح: الأديب العربي لم يحقق شيئا من العالمية

 

العالمية الأدبية والثقافية: هي تدوين الأدب والثقافة وتناقلها من كل البلدان بشكل موضوعات تخدم الأجيال في كل الزمكانية بحيث يشعر القارئ أنه يقرأ عن نفسه وبلده بأي وقت وزمن..

والخطأ الكبير أن يكون عنصرية في الأدب تبعاً لبلد ما أو لجنس ما وإن أردنا القول بثقافة أممية أين أجدني كمواطن عربي من روايات دستويفسكي أو تشيخوف أو بابلوا نيرودا أين أجدني من مسرح شكسبير وموليير للأسف إن الواقع الثقافي يجعلنا منفعلين ما يأتي لنا غير قادرين على تقديم وجهتنا للعالم الغربي ولا ننسى أن السياسات الدولية والماسونية العالمية تسعى بكل جهدها لمحو الهوية الثقافية العربية.

وكما قال طه حسين عميد الأدب العربي…إننا كعرب نستخدم ما يقارب خمسة بالمائة من مفردات لغتنا.. فلنتخيل هذا المصاب الذي نحن فيه.

أما مسألة الثقافة العالمية: نقول إن الموسيقى والفن لغة العالم.. وربما حسب رأي الشخصي هي الثقافة العالمية الأوحد لأن كل ما كتب من آداب عالمية تستحق الذكر تنفع واقعها أكثر من كونها ثقافة أممية شاملة. 

 أمَ أن الكاتب العربي حقق العالمية اليوم أم لا فالجواب يختلف باختلاف الأزمنة.. على مستوى الوطن العربي.. سابقاً في الماضي الكاتب العربي وصل عالمياً ولكن ليس لدرجة أنه امتلك حقه أدبياً.. أم اليوم الكاتب يستمر ولكن الحروب النفسية والحروب القائمة عليه بشكل دائم جعلت المحابر ذات صوت واحد وبلون واحد.. التحرر من التسلط الخارجي والداخلي للتحكم بمستقبل البلدان وأجيالها وصوت العيش بكرامة إنسان.. هذا يدل على أن الكاتب لم يأخذ حقه كمفكر بل بقيت محبرة وكنوز لغتنا العربية مدفونة..إلى أجل غير مسمى.. وإن أردنا التحدث بمصداقية الأديب العربي والمثقف العربي لم يحقق شيء من العالمية بل إن المشهد الثقافي العربي مخزي ومخجل وهذا أمر له استثناءات خجولة وربما تعد على أصابع اليدين.

من إعداد: حكيم مالك 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك