الاختلاف بين التطرف والوسطية والإقصاء

أفكار للنقاش

الاختلاف من طبيعة البشر فكلٌ له رأي و عقل وتفكير,كما إنه نعمة في المجتمعات المتقدمة,ويعتبر مصدر تنوع فكري وثقافي, يساعد على ظهور أنماط جديدة من التفكير الإيجابي الذي قد يساعد على  التنوع و الإثراء وبعث روح التواصل ومتعة البحث عن الفكر الراقي والإبحار مع الاستنباط , فهناك دائما رأى مخالف يجب أن يحترم وتعطى له فرصة للذهاب بعيدا في استنباطه وتحليله, فربما تكون فلسفته في الحياة  عتيقة غنية تستند لإرث أدبي وثقافي متنوع , وعليه فثقافة الاختلاف يجب أن تكون حاضرة وبقوة  وذات تأثير وخاصة في هذا الوقت بالذات, وقت التنوع الإيديولوجي والمعاصرة تماشيا والحداثة, فليس هناك حجر على الاختلاف, وإلا ستسود سياسة الإقصاء ورفض الرأي المخالف, عندها يصبح الاختلاف تطرفا قد يؤدي إلي التصادم الذي قد تنجر عنه انزلا قات خطيرة, عند احتدام النقاشات المؤدية إلي اختلافات في وجهات الرأي,  وتصل الأمور إلي طريق مسدود و يصبح التصادم هو الحل, مع العلم أن التعددية هي بوابة  للتقدم ويقال  “أنّ الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية!”.

يقول تعالى في القرآن الكريم: (وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) سورة الروم، الآية 22, وكذلك قوله تعالى في سورة الحجرات، الآية 13 ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

مؤسف حقاً  حالنا اليوم  وحالة ثقافة المجتمع التي وصلت إلي مرحلة من التزمت المرضي ذو المراحل المتقدمة التي لا ينفع معها ترياق,  حيث أصبح هامش التواصل والحوار والإنصات ضيقا إلي درجة ضاقت معه كل الرحابة الفكرية, وأصبح الفصل بين الناس يتراوح بين متناقضين لا ثالث لهما,  عدو وصديق, إن وافقتني الرأي فأنت سندي وإن كان خلاف ذلك فأنت عدوي اللدود, الاختلاف قديم  قدم الأرض والزمان , وقد أختلف الملائكة و الأنبياء والصحابة , ولهذا فهو موجود ولن ينقرض, وسيبقى كذلك حاضرا,  فهو جزء من هذه الطبيعة,   وهكذا هي الحياة تنوع واختلاف,  ولكنه لا يخلو من الانسجام والتواصل المؤدي إلي الكمال بتعدد وجهات الرأي , فهو أمر طبيعي فطري يتفاوت بين الناس حسب المعرفة والثقافة والطبائع , يقول الرسول عليه الصلاة والسلام (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

في الحقيقة لقد أصبحنا  نفسد علاقاتنا بالصراع ،والإقصاء والتعنت ،وعدم تقبل الطرف الآخر,وهذا هو التطرف الحقيقي الذي تكمن فيه الأمراض التي تؤدي إلي حالة من الانغلاق التام  لكل المشارب الحيوية,و عدم استقرار المجتمع  وبالتالي تتوقف مسيرة الإبداع في كل المجالات سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية,إن الركود السياسي الحاصل الآن في الجزائر, ما هو إلا إفرازات سنوات من القرارات الارتجالية والتعصب ورفض الرأي الأخر وتهميش كل ما هو إيجابي ويخدم المجتمع, لقد تطور الاختلاف وأصبح انحرافا لا يبشر بالخير حتى داخل الأسرة  الواحدة , قطع صلة الرحم وأفسد متعة التعايش والتقارب الروحي والعاطفي,  ووهج الحب فينا ليجعل منا كتلا جليدية قاسية , مع أن الحوار والنقد البناء والفهم الجيد من الحضارة والخلق والتربية, بهما نستطيع أن نجعل من فسحة التواصل روضة من الجنان وفضاءا  لا تحده غنة ولا تلعثم لسان, فالخطر الذي يهددنا اليوم هو الانحباس الفكري المقزز والتخندق وراء  الأفكار البالية وثقافة العرش  والطائفية  والتشدد والتعصب الاستبدادي في الرأي.

نحن نعيش في رحاب الاختلاف, يمتصنا ونمتصه, نعيش نور النهار وظلام الليل وبينهما نُسعد ونَسعد , نتأقلم مع الفصول، نعيش اختلافها بمتعة , نقاوم القر شتاءا  ونحتضن الحر صيفا, نرحل مع جمال الربيع  لنجعل  من زرقة السماء بوابة للسلام, وفي الخريف نبتسم لأوراقه المتطايرة التي ندرك أنها كانت تروي لنا حكايات, ولكننا لم نفهمها  وستبقى حشرجة بين الأرض والسماء,تعبر عن فلسفة كونية أدت ما عليها ثم رحلت, يسعدنا تفاوت الألوان وتدرجها, ومع مزيجها نصنع الجديد, نتقاسم معه إبحارا يفتح شهيتنا للمزيد, حتى في الكون السحيق اختلاف وتفاوت في الأحجام, وبناءا على هذا كله يجب أن نجعل من اختلاف وتنوع أفكارنا ثورة فكرية للتقدم والنجاح.  

 

بلخيري محمد الناصر

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك