“الاعلام ” علم يطلب ومسار يكتسب

شؤون الميديا

بقلم د.محمد مرواني أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

لم يعد مقبولا على الاطلاق هذا الفساد والتمييع الذي طال “صحافتنا الوطنية ” فالأرقام والملايير التي كشفت المستور في قضية اموال الاشهار العمومي تؤكد الوضع السيئ ،والمؤسف الذي طال الإعلام في بلادنا فأصبح من هب ودب مالكا ل”جريدة ” او مؤسسة اعلامية دون أن يحال الأمر لضوابط قانونية ،وتنظيمية موجودة ،وتم القفز عليها بفعل فاعل وبممارسة نظام سابق ميع كيان الدولة والغى كل ما هو قيمة في الأداء ..أي صحيفة هاته التي يشرف عليها شخص لا يملك إلا ختما منح له ،ولا يفقه في الاعلام شيئا ولا علاقة له إطلاقا بالصحافة ..اي اعلام هذا الذي مازال الصحفيون فيه يتقاضون أجور مهينة لا تحفظ لهم حتى العيش الكريم ..أن الدولة الآن هي أمام امتحان تاريخي فاصل فإما أن تقبل بصحافة مهنية محترمة مستقلة في إطار قوانين الجمهورية أو يترك الاعلام في حالة من الضياع الممنهج الذي يستفيد من متطفلون على الحقل والمهن يعبثون فسادا في قطاع يبني دولا ومجتمعات لو يؤطر فيه الكيان وترتقي فيه الرسالة نحو القيم.

 

الصحافة ..للصحفيين

 

الجامعة الجزائرية تخرج كل سنة الآلاف من خريجي “الصحافة ” و “الاتصال ” والغريب أن هؤلاء الطلبة من شبانبا لا يجدون أي فرص عمل حقيقية في قطاع الاعلام العمومي ،وحتى الخاص بل بحكم معرفتي بطلبة درستهم في الجامعة فإن الكثير منهم لا يعمل حاليا في مؤسسات إعلامية ،وقطاع واسع منهم بطال ليستفيق هؤلاء الشباب في جزائر اليوم على “مجهول ” أسس جريدة وآخرون لا علاقة لهم بالصحافة الوطنية يأخذون المال العام ،وهو موجه للصحافة والصحفيين الذين يؤسسون لأي مسار إعلامي ومهني فالصحافة لم تكن إلا للصحفيين ،والممارسين ،وليست هواية أو نشاطا لمن لا علاقة له بالإعلام مهنيا ولا علميا بل إنه كان على المشرع والدولة وهيئات الضبط ،والتأطير التي مازال الأداء فيها باهتا أن تشجع حاملي شهادة ” الاعلام والاتصال ” وتمكنهم من التواجد في مؤسسات اعلامية وتتيح لهم التواجد في إنشاء مؤسسات ومجمعات صحفية ويمكن لهذا المسار أن نواجه به أي تمييع وفساد يطال إعلامنا المكتوب ،وغيره من الاعلام السمعي البصري الذي يعاني هو الآخر من مشاكل عديدة تراجع فيها التأطير ونمت فيها مظاهر الارتجال والفوضى .

 

لا وصاية على رقابة مهنية

 

لا زالت أؤمن ومن خلال العديد من الكتابات الصحفية التي تناولت فيها موضوع المنابر المهنية التي تملك صفة التمثيل للصحافة  ان وجود كفاءات مهنية محترم رصيدها تملك قدرات على الأتراح ،والتأطير وقابل أدائها للقياس يشكل المقاربة الأكثر نجاعة لضبط أمور الصحافة والإعلام في بلادنا فالإدارة لا يمكن ان تكون إلا جزءا من كل ولايمكن أن تكون هناك وصاية على أداء مهنيين يجب أن يحاسبوا أنفسهم وذواتهم على الأداء ضمن منابر راقية معتمدة تؤسس لإيقاع ضابط يثري المشهد الإعلامي بعيدا عن أي تموقعات وغايات غير مهنية يراد للإعلام أن يكون فيها وسيلة للترويج والدعاية ،والصراع على السلطة فلقد كشفت الأرقام الضخمة التي منحت لصحف لا تقرأ حالة العبث الذي كان يسود تسيير مال عام في قطاع حساس يبني من المفروض سمعة دول ومجتمعات ولم يعد مقبولا على الاطلاق الإبقاء على أي مسارات تميع الصحافة المكتوبة ،والإعلام بشكل عام في البلد لأن الإبقاء على هذه الممارسات الفاسدة سيميع الإعلام ،وقبل ذالك الدولة ولا ينتج لنا في الأخير أي مسار نوعي في إعلامنا الوطني الذي يجب أن يتخلص من أمراض كثيرة منها “الفساد ” الذي طال العديد من مؤسساته كما أن تمكين الكفاءات الاعلامية المحترم رصيدها ،والانفتاح على الطاقات الشابة وبناء رؤية إعلامية جديدة في الأداء يمكن أن يفتح افقا هاما لقطاع الصحافة والإعلام في بلادنا الذي يبقى قطاعا إستراتيجيا في بناء المسارات الجديدة للدولة إذا ما توافرت الشروط ،وتأسست الأرضية الصلبة لبناء صحافة قوية مهنية محترفة لا تمييع فيها للكيان والأداء .

 

لا إعلام دون نخب

 

مسألة أخرى في غاية الأهمية تعود للواجهة في النقاش الذي يخص وضع إعلامنا الوطني فمع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي واعتقاد الكثير ممن ينشر تباعا أنه صحفي فوق العادة في منصات افتراضية وتمييع للأداء الإعلامي في العديد من المنابر يجب أن نؤكد أن ثقافة التسطيح بهذا الشكل الممارس لا يمكن أن تبني إعلاما حقيقيا ونوعيا بل إن الموجود لا يعدو أن يكون في غالب الأحيان تسفيها للرأي العام وتجاوزا للأدبيات وأعراف المهنة وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الإعلام بدون نخب كالهيكل بدون روح ولا يمكن على الإطلاق بناء إعلام على كم من الفراغات القاتلة للرصيد ،والمعرفة والقيم فرسالة الإعلام راقية المعاني ،والأبعاد ولا يمكن أن تميع أو تكون مجالا للتسطيح ،والتهريج ولو كان الإعلام في مسارات سابقة في الوضع الذي يجب أن يكون عليه لما وقع ما وقع من إفساد للمهنة ،ونهب للمال العام باسم الصحافة .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك