الانتخابات الفلسطينية وصفة مضطربة باحتمالات متناقضة

كيف؟

بقلم: صالح عوض

جاء المجلس التشريعي كيانا مؤقتا مرافقا للمرحلة الانتقالية بموجب اتفاق أوسلو.. ولكنه تحول إلى كيان دائم تحت وصاية اتفاقية أوسلو، انه مجلس تشريعي للحكم الذاتي”السلطة” فيما الأرض كلها ترزح تحت الاحتلال الذي يواصل الاستيطان والتهويد والسيطرة على كل مرافق الحياة.. إلا انه تحول واقعيا الى أهم مؤسسة تشريعية متجاوزا مؤسسات م.ت.ف

وبعد أن كانت الحكم الذاتي كيانا مؤقتا محددا بسنوات خمس تناقش خلالها الملفات الأساسية فلقد أصبح واقعا دائما، يقوم بمهمات محدودة مسموح بها يتحرك الفلسطينيون في دائرته ومجاله السياسي والأمني.

المشروع الوطني يتعرض لخطر التفريغ وهو يحتاج الى تجديد مفهومه بعد أن اختلطت الأمور على كثيرين لاسيما أولئك المتنفعين من حالة الراهن المكبل، أولئك الذين يتمرغون في مكتسبات باطلة، وأولئك الذين لا علاقة لهم بفهم البعد السياسي والتاريخي للقضية الفلسطينية.

خلل منهجي:

وبعد 15 سنة على انتخابات الدورة الثانية للمجلس التشريعي المؤقت والتي انتهت نتائجه الى شق للساحة الفلسطينية والكيان السياسي الفلسطيني وجر الويلات على الشعب.. بعد الكارثة يعود المتصارعون إلى التفاهم على إجراء الانتخابات!!. ما الذي حصل على برنامجيهما؟ الم يتفاهما ويتفقا مرات عديدة أولم يلتقيا في الدوحة واسطمبول ومكة والقاهرة وموسكو وتوسط بينهما الأفارقة والآسيويون والعرب والعجم؟ الم يصدر عنهما اتفاقيات بأسماء عديدة وعناوين مبهرة؟ فما الذي تغير في مواقفهما تجاه بعضهما؟ هل فعلا ستكون الانتخابات نهاية المطاف ام انها واحدة من تلك الجولات التي طالما أعلنت عن قرب الانتخابات وحدوث المصالحة بين الحزبين المتحكمين بالضفة والقطاع ويتوزعان تحت سيطرتهما خمسة ملايين فلسطيني؟ ما هي ضمانات الوصول الى الانتخابات وما هي الضروري من اجل حصولها؟ وهل ستكون الانتخابات وصفة للوحدة أم إلى الصراع الأكثر عنفا بين الحزبين المتصارعين؟ 

ان الحاجة ماسة لتجاوز المرحلة الصعبة والمعقدة، وان الحاجة ماسة للتقدم بجديد يخرج الشعب من دوامة الإحباط والتيه والانشغال بالتصارع الداخلي، هذا صحيح تماما، ولكن من يقول أن هؤلاء المتصالحين او المتصارعين يمتلكان من اللياقة والإدراك ما يكفي لتجاوز التعقيد الناشئ عن كيفية تقاسم المناصب والوظائف والمصالح الحزبية والشخصية؟ من يقول ان الاختلاف بينهما سياسي فالمسألة كلها حول الشراكة ونسبتها وأما السياسي فلا وجود له في الحوار!! حتى ان إعادة التنسيق الأمني الكامل لم يؤثر على موقف حماس من الحديث عن الانتخابات!! من يستطيع القول ان هؤلاء لن يعيدوا الكرة مرة أخرى باحتراب أسوأ وحينها سنكون قد أجرينا السكين على لحم فلسطين..؟ ولكن الأهم من هذا الخروج من المتاهة السياسية والدوران في حلقات مفرغة على هامش الاحتلال والمشروع الاستعماري.. ومن الأهم أيضا الموقف والقرار الفلسطيني المتحرر من تداعيات أوسلو واشتراطاتها وإرجاع القضية إلى إطارها السياسي والحضاري.. والإجابة على سؤال واضح مختصر: هل كياننا السياسي نقيض للاحتلال ام متعايش معه متداخل بمهماته؟ هل مشروعنا الوطني يهدف تحرير فلسطين وسيادتها ام تدوير سلطة ومجلس تشريعي في ظل المسموح به من قبل أعدائنا وأين هو موقع منظمة التحرير ومؤسساتها من كل هذا؟

فتح وحماس:

نجد أنفسنا مضطرين إلى تعديد أدوات التحليل والتفسير لعلاقة حركة فتح وحركة حماس الفلسطينيتين.. فلم تعد السياسة والأيدولوجيا كافية لتفسير الاختلاف فلعل التاريخ وعلم النفس الاجتماعي يسهمان في الكشف عن بعض أسرار الخلاف المستبد بين الفصيلين.

ويكفي استحضار بعض المواقف والوقائع قبل أن نذهب إلى التحليل النفسي الاجتماعي.. فلقد انطلقت حركة فتح بمجموعة من شباب الإخوان في قطاع غزة اختلفوا مع جماعتهم فرفضتهم الجماعة بعد أن قدّموا لها ورقة عمل في منتصف الخمسينات تؤكد على خيار المقاومة المسلحة.. وتطورت حركة فتح فكريا وسياسيا في هذا الاتجاه ونضجت لديها الفكرة الوطنية التي وجدت رواجا لها في تلك الفترة لاسيما بعد انتصار الثورة الجزائرية، هذا في حين تعمقت حركة الإخوان المسلمين الفلسطينية في أفكارها الخاصة وأولوياتها الخاصة لاسيما في ظل قمع النظام المصري لحركة الإخوان المصرية والفلسطينية تبعا لها.. وشيئا فشيئا أصبح الفراق السياسي والفكري بين الحركتين كبيرا.

خاضت حركة فتح معاركها على محورين؛ المحور الأول: محاربة الكيان الصهيوني من خلال عمليات عسكرية ودوريات قتالية تجتاز الحدود للاشتباك مع قوات العدو الصهيوني.. والمحور الثاني مواجهة النظام العربي ومصادمته لانتزاع الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيد.. استمرت حركة فتح في معركتها على الجبهتين واستطاعت من خلال معارك عديدة أن تثبت في الخريطة السياسية أنها هي من يتكلم باسم الشعب الفلسطيني وأنه لا يسمح لسواها بالحديث.. وصولا إلى اتفاقيات أوسلو وطابا وسواها مع الكيان الصهيوني ومن ثم إقامة السلطة فأصبحت منظمة التحرير والسلطة أداتين أساسيتين بيد حركة فتح.

من جهة أخرى، عانت حركة الإخوان في فلسطين من توزع جغرافيا فلسطين بين ضفة غربية يتبع فيها الإخوان إلى تنظيم الإخوان في الأردن وإلى قطاع غزة حيث يستقل الإخوان بتنظيم خاص لم يتمدد إلى خارج فلسطين أو خارج قطاع غزة إلا من خلال عناصر ينتظمون فيه يرجع أصلهم إلى قطاع غزة.. وإن كانت حركة حماس فيما بعد حققت توحيدا للإخوان في الضفة وغزة وحتى في خارج فلسطين كما حصل للإخوان المسلمين الفلسطينيين في لبنان لم يجد الإخوان المسلمون في قطاع غزة الرافضون لمشروع منظمة التحرير الفلسطينية والمعارضون لمشروع حركة فتح إلا أن يتجهوا نحو العمل التربوي والتنظيمي والعمل الجمعوي الخيري، وتمدد نشاطهم في قطاع غزة للتصدي للعلمانيين والقوميين والشيوعيين ونجحوا في ذلك نجاحا كبيرا واستمر نماؤهم إلى أن تم تأسيس الجامعة الإسلامية بغزة والتي اعتبرها الإخوان المسلمون قاعدتهم الاستراتيجية التي ينبغي عدم التفريط بها أو المشاركة فيها مع أي فصيل آخر وهنا بدا التنازع الحاد بين فتح التي تعتبر نفسها الممثل الشرعي والقائد في كل شيء وبين حماس التي تجد نفسها قد أنجزت هذه الإنجازات من خلال عمل مستمر ودءوب بالتضاد مع مشروع حركة فتح.

من هنا بدأ الصراع تناقضيا وحادا بين فتح والمجمع الإسلامي الذي تسمى فيما بعد “حماس”.. وبعد أن عادت فتح بموجب اتفاقيات أوسلو إلى قطاع غزة والضفة الغربية في مشروع لإقامة السلطة اصطدمت حماس بالعائدين من خلال محاولة إفشال مشروع أوسلو بسلسلة عمليات في قلب الكيان الصهيوني الأمر الذي فرض مواجهة حادة بين الأجهزة الأمنية و حماس التي تعرض كوادرها للاعتقال في الضفة الغربية وقطاع غزة استمر من سنة 1995 إلى 1999.

اندلعت الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000 و شهدت لأول مرة تكاتف العمل القتالي بين حماس وفتح ضد الكيان الصهيوني فجاءت بعدها الانتخابات ولعدة أسباب حققت حماس فوزا كاسحا في الانتخابات التشريعية في 2006.

لم يكن سهلا على حركة فتح ومؤسساتها التنظيمية والأمنية التسليم بنتائج الانتخابات وشهدت الساحة احتكاكات خطيرة وحادة بين الطرفين وتدخّل كثير من الأطراف الإقليمية لإحداث مصالحة بلغت ذروتها عندما التقى الطرفان في مكة حول الكعبة واقسموا أن لا يقتربوا من الدم الفلسطيني.. وبعد ايام قليلة ارتبكوا اكبر مجزرة داخلية في قطاع غزة.

إن المسألة أكبر من قسم ومن قرار وتفاهمات ومراسيم؛ إن المسالة لها علاقة بتكوين نفسي لحركة فتح وتكوين اجتماعي إيديولوجي لحركة حماس.. إذ لن تقبل حركة فتح ولا شبل من أشبالها ان يكون سواها في قيادة الشعب الفلسطيني ولا تقبل سواها ان يتصرف بالشأن الفلسطيني.. وهذا ما تشكل حماس نقيضه بالقوة والواقع فهي أصبحت قوة كبيرة في الساحة الفلسطينية بل لعلها تمتلك القوة الفعلية الأكثر نفاذية وهي لا يمكن ان تقبل التعايش مع حركة فتح مقاسمة أو تحت قيادتها بأي شكل من الأشكال.

ألغام الواقع:

هنا نطرح الأسئلة والتساؤلات التي تبدأ على الصعيد الذاتي بعدم اعتراف كل طرف منهما بسيطرة الطرف الآخر، فلا حماس تتصرف نحو عباس انه رئيس السلطة و”الرئيس الفلسطيني” ولا أبومازن سمح للتشريعي ورئيسه المنتخب ان يمارسا مهماتهما بعد إطلاق سراحهما من السجن!! 

وهنا نسأل: ماذا يريد الرئيس من خطوته نحو الانتخابات؟ ليس بالضرورة تكرار أسئلة يطرحها كثير من المتابعين حول هدف أبومازن من الانتخابات في هذه المرحلة؟ ثم أي ضمانات عملية تحقق مرجعية قانونية لإجراء الانتخابات وصون نتائجها والقبول بها ما الذي تغير على منطق الطرفين؟ ثم من يشرف على الانتخابات ويحميها في غزة وفي الضفة هل هناك اعتراف رسمي من السلطة بان شرطة غزة وأجهزتها الأمنية مخولة بالقيام بالمهمة وإنها جزء شرعي من المؤسسة الأمنية الفلسطينية.. وهل تستلم الجهة الفائزة قيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية في الضفة والقطاع؟

ثم ما هو الموقف من قوة حماس العسكرية في حال فازت فتح بالانتخابات هل تستطيع أن تفرد سيطرتها عليها وتوجهها؟ أم ستظل خارج قانون السلطة؟ وهل ستتحمل السلطة فيما لو قادتها فتح مسئولية نشاط قوة حماس العسكرية في غزة تجاه علاقاتها الدولية؟ ثم هل فتح جاهزة لتقاسم الوظائف السامية من سفراء ومدراء ووكلاء وقيادة أجهزة مع حماس؟ هل يحتمل المتنفعون بمواقعهم الحالية انهيار مصالحهم في ظل مصالحة ستقلع كثيرين منهم؟

ثم التنسيق الأمني والعلاقات المفتوحة مع الأجهزة الأمنية هل ستظل حكرا لجهة معينة أم أن حماس ستدخل على الموضوع أو أنها ستوقفه وتتصدى له؟ وهل تقبل السلطة ان ينازعها احد في هذا الملف؟

ثم على الصعيد الموضوعي تبرز لنا معضلات تضخمت وأصبحت أخطر من ذي قبل.. تبدأ بموضوع القدس فلقد كانت الانتخابات في القدس شرطا لانطلاق انتخابات 1994 وانتخابات 2005 فهل لازالت تحظى بنفس الاهتمام لدى قيادة السلطة، لعل حماس لا تكترث بهذا الشرط كما صرحت سابقا، فماذا يمكن ان يبقى للسلطة والمشروع الفلسطيني المروج له ان هو تنازل عن الانتخابات في القدس.

وعلى الصعيد الموضوعي لا يمكن إغفال دور قطر وتركيا في إقناع حماس بالخط السياسي الذي سبق أن أعلنت عنه بقبولها دولة فلسطينية على حدود 1967 ولكن بلا شك لا يمكن اعتبار هذا الموقف بنفس العمق الذي يطرحه أبومازن حيث أن موقف حماس يصطدم بالقوة المسلحة فيها والتي يبدو أن لا لأحد سيطرة عليها.. فيما يتحرك أبومازن نحو حركته السياسية متخففا من جيش التحرير الوطني الفلسطيني ومن عقيدة الكفاح المسلح نهائيا.

وعلى الصعيد الموضوعي أيضا إلى أي حد يمكن ان تقبل دول الإقليم والعالم وجود حماس بقوة في حكومة تسيطر على السلطة الفلسطينية؟ ونحن نذكر ان لا دولة عربية أو إسلامية قبلت الاعتراف بنتائج الانتخابات في 2005 ولم يتم استقبال أي مسئول من حكومة حماس إلا في طهران ودمشق.

وعلى الصعيد الموضوعي ماذا يمكن ان تكون مواجهة الحصار والاستيطان والتطبيع؟ من الذي سيقنع مصر والإمارات والسعودية بالتعامل إيجابا مع حكومة تترأسها حماس؟ او يكون لحماس فيها حضور قوي؟ وعلى الصعيد الموضوعي كذلك كيف يمكن ضبط علاقة كل حزب مع الدول والجهات السياسية في ظل تناقضهما مع كثير من المواقع؟ هل تخرج حماس من محور المقاومة ام تكون مثل حزب الله في لبنان؟ وهل تحتمل السلطة الفلسطينية ما تحتمله الدولة اللبنانية؟

استخلاصات:

 ان ما تتعايش معه القيادات الفلسطينية اليوم أقل بكثير مما أعطاه أوسلو لمنظمة التحرير الفلسطينية، فبعد الانتفاضة الثانية أعادت القوات الصهيونية احتلال المدن وتجاوزت كل بنود أوسلو و فرضت حصارا تاما على السلطة وعلى قطاع غزة وانطلقت بقوة نحو الاستيطان.. وفي لحظة الحقيقة اكتشفنا ان كل ما أعطاه أوسلو خلال أربع سنوات سحبه الكيان الصهيوني دفعة واحدة.

قد يسير الفصيلان المتصارعان خطوات على طريق الانتخابات ولكنهما سيقعان في حفرة ليست ببعيد وقد ينفجر تحت أقدامهما إحدى الألغام المؤقتة.. فتكوين حماس وقدرتها العسكرية لن تخضع لما يعتقده فلان أو علان، ثم رغبة قيادة السلطة بامتلاك ورقة قوة للتفاوض لن تتحقق لأنه من غير الممكن التفاهم سياسيا مع حماس رغم انه لا اختلاف سياسي معها فهي تمزج بين السياسي والإداري وهنا  تكمن العقد المتوالية والمتوازية..

انها عملية تدوير للازمة ولن يصلا الى فك الاشتباك وبعد كل خطوة ستتولد تحديات في التفصيلات حيث يسكن الشيطان.. ولن تفعل الدول الأربع شيئا بل إن الحديث عن ضماناتها يكشف سوء الظن بين الطرفين!! بالتأكيد ان المرحلة معقدة وصعبة وقاسية وان الفصيلين يتحركان في خارج سياق الصراع ضد العدو.. ولكن الشعب الفلسطيني وطلائعه الواعية ومنها المناضلون الشرفاء في كل الفصائل سيجد في هذا الظلام قبس هداية وفي هذا الحصار ثقب فرج لإعادة القضية لطبيعتها لنعيد الجملة المفيدة: شعب يكافح لاسترداد وطنه فلسطين.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك