البرلمان الجديد كما تمثله الخواطر

مفارقات

بقلم احسن خلاص
ينتظر أن تدخل التشكيلات السياسية والجمعوية غمار انتخابات جديدة لإنتاج مجلس شعبي وطني تعددي هو السادس من نوعه منذ انطلاق الحياة السياسية التعددية. ومنطق الأشياء وسيرها الطبيعي كما دلت عليه تجارب الدول يجعل المجتمع أن ينتظر من أي تجربة انتخابية جديدة إضافة ضمن عملية تراكمية تستفيد من عثرات التجارب السابقة وتحاول معالجة الاختلالات التي برزت فيها والمضي قدما نحو إنتاج مؤسسة برلمانية متطورة نوعيا بالمقارنة مع المؤسسات السابقة.

غير أن التجربة الجزائرية في هذا المجال على الرغم من استقرارها النسبي منذ عام 1997، وهو تاريخ تنصيب أول برلمان تعددي، إلا أن متابعة تطورها قد لا يوفر الأدوات التي ترافقنا لتأكيد ما أشرنا إليه، فلا نكاد نعثر على اختلاف في وجهات النظر السلبية إلى هذه التجربة والخلاصة التي وصلت إليها وهي أنها عرفت منحى تنازليا نحو الانحدار معاكسا تماما لما كان منتظرا منها وهو أن تكون فرصة للجزائر لأن تبني تجربة مثالية نموذجية لحياة سياسية ذات حيوية، منطلقة من المؤسسات التمثيلية بالموازاة مع التعبير الديمقراطي غير المؤسساتي، أو تعبير الشارع.

ولهذه الخلاصة أسباب عدة، منها ما نجده في طبيعة النظام السياسي ومنها ما يجدر البحث عنه في عمق المجتمع ذاته، من منطلق أن المؤسسات مهما كان شكلها ونوعها لن تكون إلا انعكاسا جزئيا أو كليا لطبيعة المجتمع في مرحلة تاريخية معينة. لكن لنعطي لأنفسنا فسحة لنتساءل عما إذا كنا ندرك ما هو البرلمان وما هو المطلوب منه وما علاقتنا به، خارج وظائفه التقليدية وهي في الغالب مناقشة مقترحات السلطة التنفيذية والمصادقة عليها وممارسة الرقابة على الجهاز التنفيذي وفق الهوامش المتاحة.

خلال التجربة البرلمانية الجزائرية منذ الاستقلال، أي حتى في عهد الحزب الواحد، تقدم لتمثيل الشعب في المؤسسة التشريعية مئات الآلاف من المواطنين ليختار “القدر” منهم لولوج قبة البرلمان بضعة آلاف على أقصى تقدير. غير أن الاستطلاعات البسيطة أثبتت أن القلة القلية جدا ممن عرف الدور والوظيفة والرسالة المنتظر أن يؤديها طيلة الفترة التشريعية التي فوض لها وإن كان أغلب النواب يدرك أنه جاء إلى مبنى البرلمان بمدينة الجزائر العاصمة لتمثيل دائرته الانتخابية قبل أن يعي في مرحلة ثانية أنه جاء لنقل انشغالات الذين انتخبوه إلى السلطات التنفيذية صاحبة القرار أو نقل وشرح سياسات الحكومة للمواطنين بشيء من المدح والثناء إن كان ينتمي للأغلبية المشكلة للحكومة.

أما إذا كان النائب خارج الأغلبية الحكومية فإنه ينطبق عليه ما ذهب إليه أحد نواب المعارضة عندما قال يوما بأن دوره مزدوج فهو ينقل انشغالات منتخبيه للسلطة إلا أنه ينقل عيوب السلطة وعثراتها إلى الشعب ليعي بها، لذا ظل منبر البرلمان خلال التجربة الجزائرية سجينا لهذه المقاربات التي صارت تقليدا متوارثا منذ ما يقرب من 25 سنة.

في إحدى تدخلاته اقترح رئيس حزب جيل جديد سفيان جيلالي أن ينتقل الحراك إلى البرلمان وهذه دعوة لنقل شعارات الثورة السلمية وإرادة التغيير التي حملتها إلى مجال التأثير المؤسساتي بدل أن تبقى مجرد شعارات ترفع في الشارع وعبر مواقع التواصل الاجتماعي. مثل هذه التصورات يشترك فيها الكثير بالرغم من عموميتها وصعوبة تجسيدها في الميدان لصعوبة الاستقرار على محددات مجتمع الحراك ذاته ولأن الأطر السياسية المدعوة للمشاركة في الانتخابات أغلبها غير منسجم مع نداءات التغيير العميق التي لا يزال يرفعها، فأصحاب هذا التصور لم يبينوا المسالك التي يجب أن يتخذها الحراك نحو البرلمان إذا سلمنا جدلا بأن أغلب المشاركين في الحراك ينخرطون في مسار البناء المؤسساتي كما تطرحه السلطة فضلا عن ضعف ثقتهم في السلطة ذاتها ونزاهة وصدقية الانتخابات التي ستنظمها.

لنتفق إن شئتم، إذن، على أن الدعوة إلى مشاركة الحراك في الانتخابات التشريعية دعوة فضفاضة وشعار وهمي إن لم يكن مجرد عملية استقطاب للشباب غير المنتمي حزبيا للدخول ضمن قوائم هذه الأحزاب خلال الاستحقاقات المقبلة مع العلم أن جزء غير يسير من الناشطين السياسيين يكونون قد انخرطوا في أطر سياسية موجودة من قبل أو هي في طور التشكل. وقد لا تختلف هذه الدعوة في غموضها عن دعوة الحركة الجمعوية للغرض ذاته فهي كذلك نوع من الاستقطاب السياسي الشعبوي أكثر مما هي جزء من مشروع مجتمع جديد وتصور حداثي للخارطة البرلمانية.

ونحن أمام هذه الإفرازات، هل يحق لنا اليوم أن نطمح لبرلمان جديد يمثل إضافة نوعية يمحي تلك الصور الهزيلة التي تركت بصماتها في الأذهان خلال السنوات الأخيرة، وهي صور منفرة لبرلمان ولد في رحم الفساد والتزوير وترعرع في الشعوذة السياسية والتهريج الذي جسده رمزيا الكادنة والكادر، صورة برلمان نزل بالمؤسسة التشريعية إلى الحضيض وهي التي لم تكن تحظى بالاهتمام المطلوب خلال فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي لم ينزل إلى البرلمان طيلة فترة حكمه حتى في الأوقات التي نزل فيها نظيراه الفرنسيان جاك شيراك وفرانسوا هولاند، بل كان أغلب التشريعات الهامة والمصيرية يصدر عبر أمريات رئاسية لكي لا يناقش في البرلمان.
وثمة تساؤل آخر يبقى مسيطرا على الأذهان: هل يمكن للتعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات أن تضمن لوحدها إنجاز نقلة برلمانية نوعية تعيد الاعتبار لهذه المؤسسة وتمكنها من المساهمة في الحياة السياسية والتشريعية للبلاد؟ قد نضطر لانتظار التجربة الانتخابية الجديدة لنصدر حكما نهائيا عما إذا كان للإصلاح القانوني تأثير في ذلك.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك