البعد الثوري لمظاهرات الثامن ماي 1945

من خلال الكتابات والشهادات التاريخية

مثلت وقائع 08 ماي 1945م طورا حاسما في مسار الحركة الوطنية الجزائرية، نتيجة  للتطورات الداخلية والخارجية  التي صاحبتها   إذ أصبحت   الفرصة  مواتية لمجابهة الاستعمار بلغة السلاح، ومن أجل تجسيد الفكرة على أرض الواقع خرجت الجماهير الشعبية في مظاهرات عارمة معبرة عن رفضها للمستعمر  الفرنسي محاولة إحداث القطيعة مع نظامه الغاشم ، واستنادا إلى العديد من الكتابات والشهادات  التاريخية سرعان ما تحولت تلك المظاهرات إلى  نشاط  ثوري  هدفه مقارعة  السياسة الفرنسية الاستعمارية وتصفيتها بعد ارتكابها لتلك الجرائم والمجازر الوحشية  ضد  الشعب الجزائري  الذي راح يطالب بحقه في الحرية والاستقلال.

 

  • أولا: تبلور فكرة العمل المسلح قبيل 1945م

 

تعود فكرة العمل المسلح  ضد الوجود الاستعماري الفرنسي بالجزائر إلى بداية بوادر الحرب العالمية الثانية حيث وجدت الدعاية الألمانية صدى لها في أوساط الجزائريين من بينهم مناضلون في صفوف حزب الشعب الجزائري وذلك بغية تنظيم أنفسهم عسكريا  استعدادا لخوض المعركة الاستقلالية ضد الوجود  الاستعماري الفرنسي ولم يتوقف هؤلاء عند هذا الحد بل توجهوا الى ألمانيا لطلب المساعدة وتزويدهم بالسلاح وقد مكثت هذه  الجماعة بألمانيا من 15 جويلية إلى 20 جويلية 1939م وقد أخذت فكرة على حرب العصابات واستراتيجية التخريب وكان  اعتمادها على العنف الثوري كمنهج للتخلص من الاستعمار، وسياسته الرامية للقضاء على الكينونة الجزائرية، قد أضحى ضرورة ملحة تستوجب  على المناضلين تنفيذه، وعليه برزت في أفق النشاط الوطني أفكار ثورية راديكالية، تجسدت في الميدان على شكل منظمات ثورية سرية في مدينة الجزائر، تبنت المنهج الفدائي كنمط مبدئي للعمل المسلح سبقت حركة ماي 1945  نذكر منها:

 

لجنة العمل الثوري لشمال إفريقيا (CARNA):  

 

كانت لجنة العمل الثوري لشمال إفريقيا إحدى التنظيمات التي تبنت العمل الفدائي قبل الثورة، من خلال تكوين مناضلين وشبيبة مستعدة للكفاح المسلح، وبرز نشاطها في تحريض الجزائريين المجندين في الجيش الفرنسي على التمرد والعصيان عن طريق منشورات سرية منها: العمل الجزائري وصوت الأحرار، كما باشرت عمليات تخريبية بمدينة الجزائر منذ شهر نوفمبر 1942م، استهدفت مخازن السلاح التابعة لقوات الحلفاء وجمع عدد ممكن من قطع السلاح، كما اهتمت اللجنة بالنشاط الرياضي والجمعيات المحلية، كآلية لتعبئة الشباب المناضل.

     ويرجع فشل اللجنة في تنفيذ أهدافها إلى عدم وفاء دول المحور بالوعود المقطوعة بالدرجة الأولى، كما أن لمصالي الحاج طرف في أسباب الفشل، حيث فصل أعضاء اللجنة من الحزب بتهمة التعاون مع الألمان في ظل المضايقات التي تعكر المسار الجيد لحزب الشعب الجزائري، وهذا ما زاد المهمة تعقيدا وتأزما، ولابد من الإشارة إلى أن اللجنة عانت من نقص فاضح في الوسائل والأدوات لتعبئة الجماهير والتحضير للعمل المسلح.

 

 لجنة شباب بلكور (CJB)

 

قرر “محمد بلوزداد” في ظل الفشل الذي كللت به لجنة العمل الثوري لشمال إفريقيا، تأسيس تنظيم شباني، تمثل في “لجنة شباب بلكور” (CJB 1942-1943)، والتي تبنت الخط الثوري كخيار وحيد للتخلص من الأوضاع المزرية التي كان يعيشها الشعب الجزائري آنذاك، قدر عدد المنخرطين بها ما يقارب15000 مناضل استنادا على المجاهد ” محمد يوسفي” نظرا لكونها ضمت جمعيات ثقافية مهتمة بالموسيقى والمسرح، والفرق الرياضية، واعتمد هيكلها التنظيمي على تشكيل الخلايا النضالية، كل خلية تضم 5 مناضلين، يتمركز نشاطها على مستوى حي بلوزداد، بالإضافة إلى أفواج الصدام (Groupes de choc)، الممثلة للجناح المسلح، حيث كانت التدريبات والتمارين تجرى في غابة ” بينام” (الحمامات حاليا) الأعالي الغربية للعاصمة، وكلفت تلك الأفواج بجملة من المهام، منها المهمة الناجحة التي كلف بها كل من المجاهدين ” محمد يوسفي” و”أحمد محساس”، المتعلقة بالاستيلاء على مخزون السلاح التابع لأحد معسكرات الحلفاء، وكذلك نجاح حققه فوج من أفواج الصدام بالاستيلاء على شاحنة تابعة للقوات الأمريكية محملة للأسلحة بعد كمين منصب لها.

 وقد وصف المجاهد ” أحمد بودا” مناضلي اللجنة بالديناميكيين مبرزا حماستهم في الدفاع عن القضية الوطنية، بالمقارنة مع كهول الحزب، وهذا ما ولد حساسية بين الفئتين، وكانت تلك الحماسة السبب في دمج اللجنة ضمن حزب الشعب، وتكليف أعضائها بحماية الاجتماعات وتأديب الخونة.

 

لجنة القصبة:

 

  أسس كل من ” محمد طالب” و”رابح زعفان” جماعات مسلحة بالقصبة، بحسب شهادة المناضل “محمود عبدون”، كانت من مهامها الأساسية مطاردة المنحرفين وتطهير المجتمع من بعض السلوكيات المنحرفة، والحرص على جمع الأسلحة والعمل الدعائي الموجه ضد الاستعمار وأعوانه، وقد حضرت شهر نوفمبر 1942م، لانقلاب ثوري فشل قبل تنفيذه، لكون الإمكانات المتوفرة لم تكن بالقدر الكافي لمثل هذه الأعمال، كما أن ذهنية المناضلين بحزب الشعب، وخطه السياسي لم تكن مستعدة للتمرد والعصيان.

 

  • ثانيا: الكتابات والشهادات التاريخية:

 

نظرا لأهمية وقائع الثامن ماي 1945 فقد ركزت العديد من المؤلفات التاريخية والشهادات لبعض الفاعلين فيها على أحداثها وحيثياتها ،ولنتائجها ،وانعكاساتها ،وأبعادها وبناء على ذلك فقد أخذنا عينة منها لإبراز نظرتها حول البعد الثوري لمظاهرات الثامن مايو 1945 ومن بينها:

 

  • كتابات بن يوسف بن خذة “جذور أول نوفمبر 1954”:

 

يشير المجاهد إلى أن قيادة حزب الشعب السرية أعلنت حالة الطوارئ بعد مظاهرات الفاتح ماي 1945 بمناسبة عيد العمال، وأن آلة العنف الاستعمارية وراء ثائرة ثورة الجزائريين بعد مجازر 8 ماي حين يذكر: ” أمام هذه المجازر ثارت ثائرة المسلمين، فأخرجوا بنادق الصيد وشتى أنواع الأسلحة من مخابئها، وراح الفرسان يجوبون الدواوير مشهرين سيوفهم داعين الناس إلى الجهاد، لقد سادت أجواء ثورة حقيقية في كافة ربوع الوطن”.

قرار قيادة الحزب بتعميم العمليات المسلحة على كامل التراب الوطني.

 

توزيع المهام الثورية على النحو التالي:

 

_محمد بلوزداد: الجزائر العاصمة.

_أحمد بودا: ناحية الأربعاء-تابلاط.

_محمد بن مهل: منطقة جنوب العاصمة.

_جيلالي رجيمي: ناحية شرشال.

_علي حاليت: منطقة القبائل.

_مسعود بوقادوم والشاذلي المكي: القطاع القسنطيني.

_محمد محفوظي وعبد الله الفيلالي: القطاع الوهراني.

 

العمليات والهجومات المنفذة:

 

_الهجوم على مركز عسكري في مسعد (الجلفة).

_إحراق محافظة الشرطة بالروينة.

_قطع خطوط الهاتف وإضرام النار في مقر بلدية سعيدة، وخزان الوقود، ومهاجمة مركز الشرطة.

 

العمليات المقرر تنفيذها:

 

_الهجوم على ثكنة شرشال العسكرية بقيادة: عمار أوعمران ومساعده محمد مقدم.

_اكتشاف المخابرات الفرنسية موعد الإعلان عن التمرد المسلح، فاضطرت قيادة الحزب للعدول عن الأمر اصطلح عليها بـ «الأمر بالتمرد-الأمر المضاد» ويرجع ذلك إلى:

  • الجدل الحاصل في صفوف التنظيم الحزبي.
  • صدار القرار نابع عن رد فعل فوري أملته الظروف.
  • التمسك بذلك القرار سيعمق من حجم المجازر مع عدم إمكانية التصدي.
  • عدم وجود تنظيم مسلح قوي على المستوى الوطني.

وحسب بن خدة فقد كانت سنة 1945 محاولة الى إعلان ثورة شاملة الا انها فشلت بسبب انعدام تنظيم مسلح على المستوى الوطني. 

 

  • كتابات المؤرخ والمجاهد أحمد محساس:

 

يشير إلى بعض مظاهر الثورة الحاصلة في ماي 1945م نلخصها في:

_مصادفة الفرق العسكرية الفرنسية أثناء تمشيطها بالمناطق الريفية ثوارا يحملون لبنادق وأسلحة أوتوماتيكية، وذلك استنادا إلى شهادة نقيب فرنسي.

_الهجوم على مبنى الدرك بمدينة «Chevreuil» بقذيفة أطلقت من الخارج.

 

  • مذكرات القيادي حسين أيت أحمد:

 

-يعتبر ما وقع في الفاتح من ماي 1945 ضمن الديناميكية الثورية من منطلق القمع الممارس ضد المتظاهرين الجزائريين.

-يشير إلى حملة التعبئة بمنطقة القبائل التي أشرف عنها «واعلي بناي»، وكذلك شهادة «ارزقي بوجمعة» حول قرار قيادة الحزب الانتفاض العام يوم 23 ماي 1945، بعد مجازر سطيف وتمرد قسنطينة.

_الإشارة إلى وجود الجيش المرابط بجنوب المنطقة الوسطى الذي سيتحرك صوب الشمال لصد الحملة الهستيرية القمعية الممارسة من قبل الاستعمار.

-إشارته إلى المرتكز الاستراتيجي لعملية الثورة العامة بمنطقة القبائل عقب مجازر 8 ماي من خلال:

 _التحضير لشن هجمات مسلحة على: الحصن العسكري بمنطقة «فورناسيونال» اعتمادا على المساعد «أفو أبزيمر» و «حسين سيد أحمد» له خبرة عسكرية لما تم خدمته العسكرية بمدرسة شرشال، وتقوم الخطة على استهداف قاعة سينما المسرح التابعة للحصن، ومخازن الذخيرة والأسلحة.

-يرجع سبب فشل الثورة إلى عدم وجود إرادة ملموسة مستشفة من قيادة الحزب.

 

  • كتابات المؤرخ محمد حربي:

 

يشير إلى وجود نقاط غامضة في وسائل تحقيق الاستقلال ضمن تكتل رابطة أحباب البيان والحرية، وأن التفكير في الانتفاضة العامة في 1 ماي 1945، وتحولها إلى ثورة خلال كامل الشهر، لتصبح مجزرة في حق الإنسانية، نابع عن تخطيط استعجالي وفوري دون تحضير مسبق.

 

  • كتابات المؤرخ  أبو القاسم سعد الله: 

 

  

-يرجع أصول هذه الحركة إلى الدعاية واليقظة التي أصبحت تعرفها الحركة الوطنية من خلال الاتحاد في شكل رابطة أحباب البيان والحرية 14 مارس 1944والمحاولات في تكوين جبهة موحدة لتحقيق أهداف وثيقة البيان الجزائري (1943م).

-إشارته إلى مظاهر الاستعداد للثورة من خلال:

_العبارات الدالة على اليقظة والتحضير لانقلاب على المنظومة الاستعمارية تجسدت على الجدران مثل: ” استعدوا فإن ساعة الصفر قد اقتربت”؛ أيها الجزائريون حاربوا من أجل الحرية، وموتوا إذا اقتضى الأمر؛ “أيها الجزائريون إن الجبال تناديكم فساعة التحرير قد اقتربت”.

_إلغاء مقابلة لكرة القدم بعنابة بين فريق جزائري محض والآخر فرنسي.

_مقاطعة الجزائريين للمقاهي الفرنسية وكذلك العمل في منازل المعمرين.

_رمي الأطفال الجزائريين للحجارة على سيارات النقل الفرنسية.

-ويشير المؤرخ سعدالله إلى الخطة التي تم تسطيرها لتفجير الثورة، مستندا إلى التقرير المؤرخ شهر أفريل 1945م، المتضمن توجه عسكريان جزائريان إلى مدينة الجزائر بغرض إعداد خطة عامة لثورة شاملة تقوم على:

_أعمال تخريبية للسكة الحديدية.

_قطع أسلاك الهاتف والبرق.

_مهاجمة مراكز الدرك والشرطة.

وذلك عن طريق تكوين فرق من الصاعقة، وقوات تمارس حرب العصابات، وتنظيم حملات ضد الإدارة الاستعمارية، مهددين العملاء، مع تخصيص صندوق للمساعدات المالية وقد شملت هذه الخطة مناطق مختلفة من الوطن:

 “سطيف قالمة، سعيدة، البليدة، شرشال، البويرة، الأوراس-جرجرة.” 

 

  • كتابات الباحث عامر رخيلة: 

 

فتضمن كتابه” الثامن ماي المنعطف الحاسم في مسار الحركة الوطنية ” إشارات لبعض اعمال الجزائريين ونشاطهم الذي اعطى بعدا ثوريا لمظاهرات الثامن ماي 1945نوجزها في النقاط التالية:

 _اتفاق بعض المتظاهرين الجزائريين في مدينة خراطة على تكوين مجموعات للقيام بأعمال هجومية؛ وهذا ما تحقق فعلا حيث توجه مجموعة من الشباب في  فجر يوم 9ماي للتزود بالبنزين من مآرب وقدمته لمجموعة  اخرى بهدف  استعماله  في إحراق بعض المساكن والمرافق منها “المركز البريدي وإدارة الضرائب  والمحكمة ومنزل ساكس هنري، كما قامت  مجموعة اخرى بمحاصرة مراكز رجال الدرك ودار ودوكس لويس الواقعة أمام الثكنة و توجهت مجموعات أخرى الى قصر دوسكس واخرى اتصلت بالسكان والمسؤولين بدوار  الريف الواقع على بعد كيلومتر من خراطة في طريق بجاية وتم الاتفاق معهم لقطع الطريق بإسقاط الأشجار لمنع مرور السيارات كما ظهر أشخاص مسلحون بأسلحة اوتوماتيكية والبعض منهم ببنادق صيد ومسدسات والعصى والحجارة وكانت حصيلة تلك الهجومات التي رافقتها زغاريد النساء وتردد شعار الجهاد في سبيل الله بقتل 7أشخاص من الأوروبيين. 

_أما في مدينة قالمة ونظرا للأخبار التي شاعت حول القمع الفرنسي للمتظاهرين التي أثارت حفيظة بعض القبائل التي جعلتها تثور ضد السلطات الاستعمارية الفرنسية ونتيجة لذلك توجهت صبيحة التاسع من ماي نحو قالمة واحاطتها من مختلف الجهات شرقا، غربا وجنوبا وقد جاء البعض منها من وادي زناتي وسدراته وأثناء ذلك قامت بقطع الأسلاك الهاتفية مستعملة الفؤوس كما قامت باقتلاع قطع من السكك الحديدية ما بين قالمة وبوشقوف، وتبادلت إطلاق النار بين فرق الدرك الفرنسي”

_كما كان لبشاعة الاستعمار في ارتكابه لتلك المجازر ان يشعل روح الانتقام من المستعمر وفي الحالة النفسية الدالة على تشكل الحالة الثورية في نفوس الجماهير واستعدادها لخوض العملية الثورية وقد ادت الى الاقتناع الشعبي التام بأن العمل المسلح هو الكفيل بتحرير الجزائر فأصبحوا يطالبون بتوفير الأسلحة بدلا من الشعارات الرنانة والخطابات الكلامية غير المفيدة.

 

  • كتابات المؤرخ محفوظ قداش:

 

فيشير الى أن الحوادث التي وقعت بسطيف وقالمة على انها مؤشرا للثورة والحرب ضد المحتلين فقد تكونت مجموعات يتراوح تعدادها ما بين المئات الى الآلاف من الأفراد واحاطت بالقرى ومراكز الاحتلال وكان اهل القرى والدواوير المجاورة هم من قاموا لأولى الهجومات ولكن سرعان ما تدفق اهل دواوير الجبال واستهدفت الهجومات خاصة العمارات الرسمية البلدية البرج الدرك مصلحة الضرائب البريد فيما لجأ أوروبيو المزارع والقرى الصغيرة فازعين هم وعائلاتهم الى المراكز الكبرى والمدن.

_تميز بعض الهيجان في بعض المناطق بطابع ثورة للفلاحين على السلطة نتيجة للتجاوزات والعنف الذي انجر عن سنوات من الحقد الدفين وقد كان ردة فعل ضد محتل أجنبي وكافر أكثر منه ثورة ضد الجوع.

_اتخذ التمرد لدى بعض القياديين طابع حركة تحرير حيث تم الاعداد لما سيكون بعضا من مراحل حرب التحرير “هجومات على الابراج والثكنات من قبل الفلاحين الذين استولوا على الأسلحة أثناء اجتياح برج بيريقوفيل والاستحواذ على أسلحة في الثامن ماي وهجومات على الدرك بعين عباسة من قبل الف مسلم واحرقوا الثكنة في التاسع من ماي ومحاصرة القرى وإحراق المزارع المعمرين واقامة الحواجز على كل الطرقات وقطع السكك الحديدية وقطع الهاتف والبرق وتهديد مدن مهمة كقالمة وقسنطينة كما وجد مخطط للهجوم على الولاية والبلدية والمحافظة المركزية وتحرير المعتقلين واحتلال الحراسة المتنقلة والمراكز الكهربائي والبريد المركزي ومحطة المسافرين وأمام ضخامة تلك المظاهرات وقوة الثوران الشعبي أصبح اعضاء حزب الشعب يرون أن ساعة الهجوم يجب ان تحدد ومنذ 11ماي بدأ مندوبوه يجوبون الجزائر ومن بينهم فيلالي عبد الله ومحفوظي وبلوزداد وشرشالي والعمراني وذلك للمطالبة من القيادات المحلية للحزب بتكثيف العمل من أجل الترويح عن منطقة قسنطينة، وقد كان المسؤولون الموجودين في الجزائر مختبئين في شقة بالقصبة وهناك تم اتخاذ القرار من طرف كل من ” لمين دباغين ومحمد طالب ومزغنة وعبدون وشرشالي” لإعطاء الأمر بالتمرد العام وتم تحديد اللحظة الحاسمة في ليلة 23الى 24ماي الا انه سرعان ما تم التراجع على ذلك نتيجة لبعض التطورات الجديدة ورغم ذلك فقد تواصل الكفاح حيث تم قطع الخطوط الهاتفية في إحدى مناطق القبائل كما تبعتها عمليات قطع للسكك الحديدية  وفي24 ماي كانت تيقزيرت بمنطقة دلس في خطر حيث قطعت الاتصالات الهاتفية كما قطعت الدوائر الهاتفية بسعيدة في 19ماي كما احتلت البلدية ومخزن الخشب وتم اكتشاف معدات موجهة لصناعة القنابل ،اما في  شرشال فقد  تم الاستيلاء على مخزن البارود وتجديد ضباط واحتلال النقاط الحساسة للمدينة “

 

  • كتابات المؤرخ محمد العربي الزبيري: 

 

فيلخص ذلك استنادا إلى النصوص والشهادات والمجلات والجرائد التي عالجت الموضوع فيقول “لا نستطيع سوى الاعتراف بأن ما وقع في شهر مايو 1945 انما هو حركة ثورية أعدت لها قيادة حزب الشعب الجزائري التي أخذت كل الاحتياطات لتكوين النتيجة الحتمية هي اقامة الجمهورية الجزائرية وما يتبعها من مؤسسات وطنية وقد وضح المؤرخ الزبير مظاهر ذلك في النقاط التالية:

_في شهر أفريل استقبل الحاج مصالي كلا من الدكتور محمد الامين دباغين وحسين عسلة فأطلعاه على مشروع إشعال فتيل الثورة مباشرة بعد ان تضع الحرب أوزارها ووافق زعيم الحزب على المشروع كما وافق على الهروب لناحية سطيف حيث يعلن على تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة.

_في نفس الشهر كتب الجنرال هنري مارتان   “بات مؤكدا نقلا عن مصادر مختلفة في سطيف ان حزب الشعب الجزائري يعمل على تنظيم الثورة الشاملة” 

_قيام الجماهير الشعبية في قصر الشلالة بمنع السلطات الفرنسية من اعتقال أربعة مناضلين مسؤولين في صفوف حزب الشعب الجزائري المحظور كما تصدت لعامل ولاية الجزائر ومرافقيه بالرجم ووجهت له الشتائم.

_ التقرير المفصل الذي رفعه الأمين العام الولاية العامة السيد Gazagne للحكومة بباريس يحثها على الإسراع في اتخاذ إجراءات ملائمة لإيقاف الحركة التي انتشرت في سطيف وتبسة وبسكرة والاوراس والجزائر وتلمسان ووهران ومعسكر…”

_ النتائج المروعة لتلك المجازر وتأثيرها الواسع في نفوس المتظاهرين جعلتهم ينددون بها رافعين أصواتهم ببدء الجهاد في سبيل الله والدعاية الى العودة إلى المنازل وإخراج ما فيها من أسلحة والرجوع الى الشارع للاقتصاص من الأوروبيين بصفة عامة.

_مغادرة المتظاهرين المدن وأطرافها واللجوء الى القرى والمداشر وفي الطريق كانوا يخبرون الناس بأن الجهاد قد أعلن وان المعارك الطاعنة تدور رحاها في شوارع المدن التي قدموا منها.

_ اجتماع القيادات المحلية للحزب الشعب الجزائري وبعد دراستها للأوضاع رفعت التقارير في حينها الى اللجنة المديرة المؤقتة في العاصمة التي عقدت جلسة عاجلة في تلك الليلة واتخذت إجراءات لأزمة لحماية الجماهير الشعبية في الشرق الجزائري خاصة من عمليات التقتيل الجماعي كما حددت تاريخ الثالث والعشرين والرابع العشرين من ماي 1945 ليكون بداية الثورة شاملة في التراب الوطني.

ويضيف المؤرخ العربي الزبيري انه تم الشروع في تطبيق القرار الذي وجد كل الترحاب في أوساط القواعد المناضلة لكن السلطات الاستعمارية لم تتوقف عند الجرائم المرتكبة بل استمرت خلال الأيام الموالية وبكيفية تصاعدية في ممارسة القمع الأعمى تجاه والمداشر والقرى وفي سائر الشرق الجزائري ولم تترك سلاحا واحدا بعيدا عن العملية وبذلك لجأ الجزائريون الى العنف الثوري الى بعد ان بدأت الشرطة الفرنسية إطلاق الرصاص على المتظاهرين دون تمييز فارتفعت بذلك اصوات الجزائريين داعية للاقتصاص والى الانضواء تحت لواء الجهاد في سبيل الله ومن اجل تحرير البلاد وتصفية الاستعمار. 

 

  • كتابات شارل روبير أجيرون:

 

-يشير إلى انقلاب المظاهرات في 8 ماي 1945 إلى عصيان مسلح في سطيف وقالمة، وعن الهجمات التي مست للمراكز الاستيطانية، محدد عدد الثوار الجزائريين بـ: 50000 ثائر، مبرزا أن المستوطنون قد أدركوا أن سلطتهم قد أجهضت مشروع ثورة حقيقية كان سيؤدي إلى فقدانهم لممتلكاتهم بالجزائر.

 

  • كتابات رابح بلعيد:

 

يشير المجاهد إلى مظاهر الثورة التي صاحب حركة ماي 1945م في:

_الكتابات المغرضة والداعية للتمرد التي الصقت على جدران بعض المدن: الجلفة «اقتلوا الفرنسيين واليهود»، عين بسام: «يا أيها المسلمون اتحدوا!»، سطيف: «أيها الفرنسيون، سوف يقتلكم المسلمون، علم الإسلام هو الذي سوف يرفرف على شمال إفريقيا»، تلمسان: «أيها المسلمون استيقظوا».

_تمزيق الجزائريون في وادي الزناتي أعلام فرنسية صباح 7 ماي 1945م، مستندا إلى ورقة وجدها العقيد «بول شون» (Paul Schoen) وأنسبها إلى حزب الشعب الجزائري جاء فيها: «أيها الشعب الجزائري، النجاح محقق…الاتحاد، النشاط، النجاح».

-انتشار الإشاعة «الثورة عامة، وإن حكومة عربية قد استقرت في مدينة الجزائر»، وعمل الجزائريون في عمالة قسنطينة على تخريب مزارع المستوطنين والبلديات والقرى الصغيرة، وذبح سكانها مخلفين 103 قتيل أوروبي و110 جريح، وكان أول ضحية المستوطن «دانييل» (Daniel) سكرتير القسم الشيوعي لمدينة سطيف وصديق فرحات عباس، حيث قطعت يداه الاثنتان.

 

  • شهادة شوقي مصطفاوي:

 

نستشف من شهادة «شوقي مصطفاي» أن المظاهرات كانت مخططة مسبقا من قبل حزب الشعب الجزائري حين ذكر: «بما أن جيوش الحلفاء ستكون حاضرة، وكذلك المسؤولين والصحافة الدولية، فإنه كان تسجيل صدى كبيرا…كنا نقوم باستعراض عسكري في يوم النصر لجعله يوما لانتصار الجزائريين…فكيف نعطي نهجا لتلك التظاهرة، رفع اللافتات أمر عادي جدا…أخدنا أقمشة خضراء وبيضاء وحمراء، وصنعنا منها أعلاما، أنا رسمت تخطيطا لتلك الأعلام ووقفت الأغلبية مذ هذا التصميم…، أعطينا هذا النموذج السعيد  العمراني، مسؤول في حزب الشعب الجزائري ليقوم بنشره عبر القطر الجزائري».

 واستنادا لهذه الشهادة يمنك اعتبار ان التيار الوطني الشعبوي هو الذي كان وراء حركة ماي 1945 الذي جر بالشعب للانتفاض في ثورة عارمة دون وضع تخطيط مسبق للعواقب، وتحديد مدى المقدرات والإمكانات المتوفرة، معتمدا على عامل المجازفة، والذي جعل فيم بعد يتراجع عن الخيار الثوري لما شهدته تلك الحركة الثورية من قمع وإبادة رهيبة مارستها أجهزة الإدارة الاستعمارية.

 يشير الباحث «محمد عباس» إلى نظريتين بخصوص الحركة الوطنية، الأولى تأسس إلى إمكانية الشروع المباشر في تكوين منظمة عسكرية تتولى عملية التحضير الفعلي للثورة المسلحة، أما الثانية ترى بضرورة توفير شروط نجاح المنظمة العسكرية وعلى رأسها خلق هيجان في أوساط الشعب بعد تغريق الحركات الأخرى، وكسب أنصار منها لتأييد الحل الثوري.

فبينما كانت تخطط الأولى في تهريب مصالي الحاج من منفاه بقصر الشلالة إلى ناحية الجنوب –سطيف-، بغية التحاق فرحات عباس والشيخ الابراهيمي به، وإعلان عن ميلاد حكومة جزائرية تضم الأقطاب الثلاثة، وتعلن العصيان ضد السلطة الاستعمارية، جاء الانقلاب عن هذا التيار من خلال ما وقع في ماي 1945م، وترجيح الكفة للتيار الثاني وما ترتب عنه من كارثة حقيقية نتيجة السياسة التهورية.

 

  • ثالثا: أسباب فشل ثورة ماي 1945:

 

 انطلاقا من المبادئ الفلسفية التي تقوم عليها الثورات نجد أن اسباب فشل ثورة مايو 1945 يعود إلى:

_ فقدانه لمبدأ الشمولية حيث انها لم تشمل كل أنحاء الوطن واقتصرت على مناطق محددة من التراب الوطني. 

_ افتقادها لعامل الاستمرارية، أي الإصرار على مواصلة الكفاح إلى غاية تحقيق الأهداف المرجوة لكن توقفت حركة ماي 1945م بسبب الرد العنيف الذي لقيه المتظاهرون من قبل السلطة الاستعمارية.

 _غياب الوثائق الأيديولوجية، إذ لم تتبنى ثورة مايو 1945 أية وثيقة تتضمن الأهداف والغايات والبرامج المسطرة كما تضمنها بيان أول نوفمبر 1954م.

ومن خلال ما سبق ذكره نستنتج ان ما وقع في ماي 1945م هو محاولة للقيام بثورة وطنية ضد النظام الاستعماري ومؤسساته الفاعلة، ولكن التسرع وعدم التخطيط الجيد وفارق توازن القوى، وعدم توفر الظروف الموضوعية والذاتية كان وراء فشل هذا العمل والتراجع عليه نتيجة لعدم تمكن العناصر الوطنية من تجهيز مشروع ثوري واضح المعالم قائم على إيديولوجية معينة، له الصفة التنظيمية، والابتعاد عن المجازفة والمغامرة بالجماهير الشعبية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك