البغال والحمير في زمن التبرير

مع الحدث اليومي

 

بقلم :جمال نصرالله

 

آخر خبر كنت قد قرأته نهاية الأسبوع الأخير (وطبعا لا يدعو للخير) هو أن فصيلة الدرك بمعسكر،وبالتحديد في بلدية تيغنيف ,عثرت على مذبح سري للبغال والأحمرة ـ وحتى الأحصنة؟ا ولو تمعّنا جيدا في هذه الحادثة وقرأناها من عدة زوايا .لخرجنا بعشرات التصورات التي تبيّن بأننا في زمن عصيب وعسيير جدا/وأن المسائل صارت على أشدها كما يقال،فلاهي مستحسنة من الجانب الطبيعي ولا البيئي ولا الثروة الحيوانية. ولا الصحية الإنسانية ولا حتى الطبيعية.. لأن الضمير الإنساني غاب تماما.وأصبح هؤلاء النفر من الناس عبارة عن آلات أو قل روبوهات تنعدم بها جميع العواطف والأحاسيس النبيلة/بعيدا عن انعدام الحس الحضاري والثقافي.

فهاته المجموعة التي تم رصدها بالتأكيد كانت تفكر في طحن هذه اللحوم وبيعها إما على شكل لحم مفروم وغش الناس بالميزان في ذلك.وإما حشوه داخل الأمعاء وبيعه على شكل نقانق( مرقاز) ـ والنتيجة في الأخير هي جريمة كذب وتدليس وغش مُقنن له قواعده وأصوله ودوافعه النفسية والعقلية؟ا 

الشيء الغريب كذلك أنه ما كان لأحد أن يتصور بأن الفرد الجزائري يفعل هذا بأخيه وكل ذلك من أجل هدف سامِ وهو الربح المادي وبأية طريقة طرأت بالبال، وقد يقول قائل بأن الأمر غير مفاجئ لأننا في الجهة المقابلة وفي سنين متقاطعة،بتنا نسمع عما هو أخطر من هذا،والمقصود هو تلك الجرائم البشعة وتفاصيلها المروعة .والتي لا يحدث غالبها إلا ضمن أفلام الرعب والجريمة، ما كان لأحد أن يتصور أن الإنسان ذلكم المجهول صار عدوا ليس لبني جلدته فقط بل للحيوان والطبيعة وكل نواميس الحياة، وهنا يكون حقا قد تجرد من كامل صفاته البشرية كي يتحول إلى وحش في ثوب تاجر أو صاحب ورشة أو مصنع أو مؤسسة مصغرة؟ا

لقد وصل بنا الزمن إلى هذه الوحشية وكأن الدورة الإنسانية تعود رويدا إلى طبيعتها الأولى أي إلى الرجل الحجري الذي كان بلا لغة وبلا لباس أو بيت أو وسائل نقل وإتصال وبلا تلفاز أو راديو أوهاتف وبلا كتاب أو مؤسسات تعليمية أو قانونية وأخرى دينية…عاد الإنسان المعاصر (وهم قلة طبعا لحسن الحظ) إلى همجيته وجهله اللا محدود…والنتيجة هي الجني على النفس أي ذبحها وإعدام بكلتا اليدين.

لقد صار الإنسان عنيدا متعمدا غير مبالِ أو واعِ بما يحدث من حوله من قوانين وتشريعات،ونُظم ترتب الحياة على نسق واحد مضبوط ،فوق كوكب بإمكان الجميع أن يعيشوا فيه ويتعايشوا تحت سقف مجموعة من السلط والمراسيم والبنود،والإشتراك في مبادئ ،وقيم مشتركة تدعو في مجملها إلى العيش في كنف السلام والطمأنينة…وإن لم يكن ذلك .فإن الحياة الدنيا عبارة عن غابة يلتهم القوي فيها الضعيف باسم القوة والتجبر سواء بالمال أو المنصب السياسي أو العسكري , وحتى العضلي. وما أكثرها الغايات والأهداف المادية

ليجنح هذا الأخير أي الفرد إلى اختراع حيل أخرى تمكنه من التغلغل في الحياة العامة ولو باستعمال أخيه الإنسان ووضعه في المقدمة مضحيا به وبأية تبريرات يحفظها هو في وجدانه؟ا وجعله كالرمح تحت سلطة نباله المتعددة المتنوعة. وقد تصدق هنا حكمة أن الإنسان الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه؟ا يوم ينخرط في لعبة من هذا القبيل ويورط نفسه داخل دائرة هدفها الأول والأخير جمع المال.ولو بتسميم الكل والتحايل عليهم .ثم التهرب من الإعتراف بجريمته النكراء هاته.علماء الإجتماع النفسي شخصوا آلاف التصرفات على نفس الشكل .وفي الأخير اعتبروا أن المرء فعلا قبل أن يكون عدوا للمجتمع .هو بالدرجة الأولى عدوا لنفسه .ومبادءه التي نشأ في كنفها .وأن الجميع يشترك في كثير من الصفات ولو بدرجات خاصة الإجرامية منها والتي تترجمها السلوكات سواء الحركية أو اللفظيو(أي على مستوى اللغة والخطاب اليومي) وفي النهاية خلصوا ـ حتى وهم غير مسلمين ـ أن العقل إن تهذبه العلاقة بالخالق فإنه ينفلت أو قل ينزلق نحو ارتكاب الكثير من الموبيقات والمفاسد…وبالاختصار المفيد أن أولئك وهؤلاء الصنف من البشر خلت من نفوسهم صفات الدين السمح الداعي دوما إلى أخذ الحيطة والحذر في كل خطوة.وساعة.وأنه على المرء أن يكون كيّسا يحمل في ميزان عقله وقلبه كل مناقب الإتزان والترجيح نحو الصفاء والمصداقية والكمال. وما العلوم والشهادات إلى أطر تحكم العقل بل تمنعه من الانحراف…. وأنه لا تبرير للخطيئة التي تُرتكب من طرف الإنسان وهو في كامل قواه العقلية.وإن لم يكن كذلك فهو خارج الحياة الإنسانية العامة .

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك