التعدي على قدسية المكان بين العنف واللاعنف في الفيلم الإيراني القصير الأكورديون The Accordion

لقطة من الفيلم الإيراني القصير الأكورديون

يقول المؤرخ وعالم الأثار الفرنسي في كتابه” كيف نفكر في الفن الإسلامي” : ” إن فناني وحرفيي العالم الإسلامي الكلاسيكي  كانت لهم المسؤولية الحاسمة والأصيلة في إبداع إطار قبول وسلام ومتعة حسية حول النشاطات الإنسانية، وليست مسؤولية تمرير رسائل قوة وشرعية وعقيدة أو إيمان، لقد وجدت هذه الأخيرة بالتأكيد لكن تعبيرها الجميل والمؤثر أحيانا لم يكن الأكثر أصالة في فنون التقاليد الإسلامية، إن الذي جعلها متفردة هو أنها استطاعت أن تبين أن الماء يكون أحلى حين يشرب في كأس جميل، وأن الضوء يكون أكثر إشراقا حين ينبعث من شمعدان نفيس مرصع بالصور” .

تتميز  السينما بالتعبير البصري عن مختلف المواضيع حتى المثيرة منها للجدل خاصة فيما يتعلق بالأديان السماوية ومعتقدات الشعوب، لذلك يعتبر النقد العقائدي للفيلم السينمائي فيما يتعلق بالطرح الإيديولوجي والديني أمرا معقدا وصعبا حيث يتم تفسير الفيلم في أغلب الأحيان على أنه انعكاس لعقيدة صانعه مما قد يتسبب أحيانا في أسوء الحالات إلى منع عرض الفيلم أو حتى منع المخرج من السفر أو سجنه أو اغتياله كون الدين والسياسة والجنس تعد مواضيع حساسة ليس من السهل التطرق إليها في قالب سينمائي صريح بل يتم غالبا إدراجها ضمن الحبكة في هيئة إيحاءات أو إيماءات أو رموز تقود إلى فهمها حين مشاهدتها في الفيلم.

لقد استطاعت السينما الإيرانية أن تصنع لها مكانا وسط السينما العالمية فهي تشتغل كثيرا على توظيف الإكسسوارات المحركة للحدث حتى تتفادى مقص الرقابة، حيث يتم توظيف هذه الإكسسورات من أجل طرح درامي محبوك بشكل لايسمح بالتنبؤ بنهاية الفيلم غالبا، ومن بين الأفلام الإيرانية القصيرة التي نلمس فيها هذه الخصوصية الفيلم الإيراني القصير الأكورديون(آكاردئون) The Accordion الصادر سنة 2010 من إخراج المخرج والمنتج الإيراني جعفر بناهي، وتمثيل الطفلين خديجة بهرامي وكمبيز بهرامي،مدة الفيلم 9 دقائق،إن عنوان الفيلم هو اسم لآلة موسيقية مما يجعله لايوحي للمشاهد مطلقا بأنه يعبر عن الجدلية التي يطرحها الفيلم .

تدور أحداث الفيلم حول طفلين متسولين حيث الأخ يعزف على ألة الأكورديون وشقيقته الصغيرة تحمل آلة الطبلة(الدربوكة أو الدف) ويغنيان معا في الأزقة لجمع المال ومساعدة والدتهما، ويتصادف أن يعزف الأخ والأخت بجانب المسجد دون أن يعلما ذلك حيث تدخل الفتاة الصغيرة إلى باحة المسجد وهي تضرب على الطبلة ثم ترى أحد المصلين يصلي فتتفاجأ بأنها داخل مسجد فتقوم بإخراج وشاح من حقيبتها وتتوقف عن الضرب على الطبلة وتسرع لإبلاغ أخيها إلا أنها تجد أحد الأشخاص يقوم بتعنيف أخيها ويضربه ويأخذ منه آلة الأكورديون مشيرا إليه بأنه أرتكب خطيئة ورذيلة ولايجوز له العزف بجانب بيت الله ورغم أن الفتاة تمنعه من أخذ ألة أخيها إلا أنه يحملها معه ويذهب، يقرر الأخ بعدها الانتقام ومحاولة البحث عن ألته واسترجاعها فيحمل صخرة في يده لكن أخته تحاول صده وتخبره بأنه سيدخل للسجن فمن سيقوم بتحمل مصاريف والدته ، وتخبره بأن الرجل الذي أخذ الآلة يبدو أكثر فقرا وحاجة منهما وفعلا يكون حدس الأخت في محله، حيث يسمع الأخ صوت ألته ويسرع اتجاه الصوت رفقة شقيقته، فيجد الرجل الذي أخذ ألته جالسا على الرصيف يعزف على الأكورديون ويتسول فيتأثر الأخ بالمشهد ويلقي بالصخرة فتسبقه الأخت بالضرب على الطبلة ويتبعها أخوها حيث يأخذ آلة الأكورديون من الرجل ويعزف أغنية بشكل صحيح ويساعدانه في جمع المال .

يظهر الفيلم صورة رمزية توضح تحريم الموسيقى والعزف في أماكن العبادة وتحديدا في المسجد الذي يعتبر مكان إقامة للصلاة بالنسبة للمسلمين إلا أن تناول الموضوع جاء من خلال سوء تفاهم و ردة فعل مبالغ فيها اتجاه طفل لاذنب له حيث يتم استعمال العنف في تصوير المشهد فالطفل يحاول الاعتذار كونه لايعلم أن هذا المكان الذي كان يغني فيه هو مسجد وأنه قد تعدى دون قصد منه على حرمة المكان فبدلا من نصحه ومساعدته وتوجيهه والإطراء عليه بطريقة تجعله يحترم دينه إلا أن الرجل ضربه وأعتبر أن الطفل قد أرتكب خطيئة وينشر الرذيلة، إن هذا الأسلوب في التوعية أو الردع أو التربية يجعل الأطفال ينفرون من الدين وبكل ماله علاقة به فكيف لطفل صغير أن يفهم كلمة خطيئة أو رذيلة فهما يغنيان لجمع المال ومساعدة والدتهما في المصاريف ويصعب عليهما في هذه السن تحديد هوية الأماكن وقدسيتها، لذلك عندما أنتزع الرجل الآلة من الطفل سارع فورا للانتقام واستعادة ألته ولم يفكر مطلقا في كلام الرجل حول حرمة بيت الله أو مفهوم الخطيئة والرذيلة على عكس شقيقته المسالمة التي حاولت تهدئة شقيقها وتوضح له بأن مظهر الرجل كان أسوء حالا منهما، إن الفتاة والأخت الصغيرة تمثل مفهوم اللاعنف والتسامح في الفيلم وتتمتع بروح المسؤولية ورزانة العقل لدرجة أنها التمست العذر للرجل الذي عنف شقيقها.

إن السينما كنشاط ثقافي استطاعت أن تستخلص العالم بكل أبعاده بل وتجاوزت حتى الواقع بطرحها لمواضيع الخيال العلمي والميتافيزيقا وماوراء الطبيعة والتطرق إلى إشكاليات حول مفهوم الخلق والإنسان والكون، وبذلك أصبحت السينما وسيلة جامعة للفنون وقادرة على استيعابها وتحقيق أنجح أشكال التفاعل بينها، والسينما من أقوى الأسلحة الفكرية على المتلقي إذ تنفذ إلى عقل مشاهديها لتؤثر  فيهم وتصوغ أفكارهم، ومبعث قوتها أنها تمتلك من الإمكانيات التأثيرية الهائلة، مالايملكه المسرح أو فن آخر، ورغم القيود المفروضة على المبدعين الإيرانيين من حيث الالتزام بما تمليه عليهم الرقابة من حيث الموضوعات، إلا أن السينما الإيرانية لاتزال تشكل حالة فردية من نوعها يصعب تكرارها فإرادة المبدعين في إيران أكبر من أي قيود تفرض عليهم.

يشكل فيلم الأكورديون مفهوما حول ضرورة ترسيخ اللاعنف في نفوس الشباب وعدم التسرع واستباق الأحداث، وعدم الاعتداء على الآخرين تحت اسم الدين فالأديان السماوية كلها تدعو إلى السلام والتسامح والمحبة، فتعليم النشء لايكون بالعنف بل استعمال تراكيب لفظية قريبة لسنهم يستطيعون فهمها .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك