الثقافة الجزائرية بين المحلية والعالمية

إشكالية ومقاربات

د. أميرة زاتير

 

لأن مشكلة العالم الإسلامي و العربي ليست مشكلة سياسية ولا اقتصادية ، ولكنها مشكلة ثقافية في الأساس. لكي نتمكن من الشروع في مشروع لتعزيز الثقافة في الجزائر ، سيكون من الضروري تحديد مكانها وفهمها وبلورتها ومعرفة تحدياتها. التعرف على موقف الفرد الجزائري من “ثقافته” ، وماذا يتوقع منها ، وكيف يراها؟ اكتشاف ما إذا كان يتم نشرها بنفس الطريقة بين جميع الأفراد من المجتمع الجزائري ، سواء في الداخل أو في الخارج (المهجر).

لهذا ، وقبل الشروع في إنشاء آلية وبدائل (حلول) لمشروع الثقافة ، ولإدارة هذا القطاع بشكل جيد ، لابد من العودة إلى نشأته من الناحية السياسية  ونشأته التاريخية والأنثروبولوجية والاجتماعية ؛ محاولة التوفيق بين الجانبين ومعرفة ما إذا كانت الدولة الجزائرية قد نجحت حتى الآن في التنسيق بين قراراتها السياسية الرسمية وأعراف مجتمعها ؛ إذا تمكنا من إيجاد النتيجة الموضوعية لهذا التراكب ، فعندئذ وجدنا الحلقة المفقودة ، حتى نتمكن من وضعها في المكان الذي تنتمي إليه ، وبناء الثقة بين المجتمع وصناع القرار.

لهذا ، هل يجب توحيد الثقافة ، كما كان الحال دوليًا؟ : موسيقى ، فنون ، فولكلور ، أدب ، إلخ. أو أن نذهب لبلورة هوية المجتمع الجزائري ، لإظهارها بكل أشكالها ، ومن ثم الإشارة إلى “خصوصية” المجتمع التي ستسمح له بتمييز نفسه إقليميًا وعالميًا ، وبالتالي حمايته ضد أي دخيل يزعزعه فيما بعد ويخلق ظاهرة الأزمة .

“وإلى المدى الذي يفهم فيه مشكلة الثقافة (…) سيتمكن المثقف العربي والإسلامي من فهم دوره في حضارة القرن العشرين” (بن نبي ، 1959).

 

ما هي الثقافة؟

بالمعنى العام ، كل ما تبقى للفرد بعد أن فقد كل شيء ، لا يزال لديه عاداته وتقاليده ومعرفته الموروثة والمتوارثة عبر الأجيال. قبل الذهاب إلى تقديم الاقتراحات والبدائل وبعض النقاط الرئيسية التي يمكن أن تساعد في “إحياء” القطاع الثقافي ؛ من المستحسن معرفة ما استطاع مفكرونا أن يرسموه كنقاط رئيسية فيما يتعلق بالثقافة في الجزائر ، ومن بينهم المفكر مالك بن نبي ، برأينا ، أفضل من بلور مصطلح الثقافة وإسقاطها على المجتمع الجزائري. فيما يلي بعض الاقتباسات:

– ‘إن مشكلة الثقافة لا تنشأ بالنسبة لنا إطلاقا في التجريد ، في المسرح ، في السينما ، في دراسة الروائي أو في أسلوب الرقص الشعبي ، ولكن في ملموس حياتنا اليومية ، على حقل بناء ، في حقل نحرثه … “

– “عندما نسأل في الجزائر السؤال” ما هي الثقافة؟ »لا نعتقد ، في المقام الأول من وسائل الترفيه ، أن الفنون الشعبية أو المسرح والشعر يمكن أن تقدم لنا ، ولكن أولاً وقبل كل شيء ، بالحقائق الملموسة للتخلف: البطالة والأمية ونقص التغذية.

– ‘مشكلة السلوك تتعلق بالثقافة ، ولكن بثقافة تم تصورها وتطويرها في إطار اجتماعي يشمل المجتمع بأسره وليس فئة اجتماعية معينة ، ولكن لجميع الطبقات الاجتماعية.

– أنت لا تتعلم ثقافة ، بل تتنفسها وتستوعبها مثل الأكسجين الموجود في الهواء.

– “المدرسة عامل ثقافي ، لكننا مخطئون بشأن وظيفتها عندما نعتقد أنها وحدها القادرة على حل مشكلتها”.

– ‘يجب علينا مع ذلك الإصرار على أهمية جانبه السلبي عندما يجب على المجتمع أن يزيل بقايا نظام عفا عليه الزمن ويضع أسس نظام جديد (…) للجيل الذي صنع الثورة الجزائرية ، إنها تدور حول الترويج لمشروع ثقافي يتناسب مع بقع ثورتها (…) لقد علمتنا تجربتنا في الجزائر أن الثقافة لا يمكن نقلها: يجب إنشاؤها على الفور ‘.

– المجتمع البدائي يضع المحرمات حول تقاليده ، ومعتقداته ، وأذواقه (…) مجتمع تاريخي ، والدفاع عن نمط حياته هو دفاع عن شخصيته (…) في مجتمع متحضر ، وأي نقص في الأسلوب ، يخضع لعقوبة .

– يجب على أي ثقافة أن تدافع عن تراثها بأن تضع أولاً بين الجسد الاجتماعي والفرد هذه المعاملة بالمثل التي تصحح الأخطاء أينما جاءت (…) لا يمكن ممارسة هذه المعاملة بالمثل إلا إذا كان الفرد مرتبطًا بالجسد الاجتماعي “باعتباره المادة مرتبط بالصرح كله “(…) إن دور الثقافة هو خلق هذا الارتباط الاجتماعي”.

– “الثقافة المتصورة في صيغة تربوية هي كل ما يلي: توليفة من أخلاق ، وجماليات ، ومنطق عملي وتقنية (…) مع تحقيق هذا التوليف ، بلد مثل الجزائر سيكون قد حدد أسلوب حياته العام”

– “ما هي الثقافة؟ (…) لا يجد المرء أثرًا للكلمة في مصطلحات ابن خلدون (…) الكلمة ليست أكثر استخدامًا في العصر الأموي والعباسي (…) ومع ذلك ، فإن تاريخ هذه الفترة نفسها يظهر أن الثقافة العربية كانت في ذروتها (…) كانت لروما ثقافة إمبراطورية وأثينا ثقافة حضارة (…) لكن لم يخترع أي من العبقرية الرومانية ولا العبقرية اليونانية مصطلحًا لتسمية ثقافتهم (…) فكرة الثقافة حديثة وتأتي إلينا من أوروبا (…) في الواقع ، الثقافة هي الأصل الأكثر خصوصية للغة ما قبل الإسلام على الرغم من وجودها في بضع آيات من القرآن: اقتلهم أينما ثقفتموهم ‘.

– مفهوم الثقافة حديث (…) ويأتي إلينا من أوروبا. والكلمة التي تدل على ذلك هي نفسها ثمرة أصيلة للعبقرية الأوروبية.

– المدرسة الغربية ، التي بقيت وفية إلى حد ما لتقاليد عصر النهضة ، تعتبر الثقافة نتاجًا للعقل ، أي الإنسان ؛ بالنسبة للمدرسة الماركسية ، الثقافة هي في الأساس نتاج المجتمع.

 

تلك بعض اقتباسات من فكر مالك بن نبي و التي اجدها شخصيا الاقرب الى مفاهيمي حول ماهية الثقافة. من جهة اخرى ماذا عن هؤلاء العقلاء, ذوي الألباب، الحكماء، المفكرين، العصاميين، “المثقفين” و  حماة التراث و الارض و أمانة الاسلاف الاصيلة  الذين لطالما إقتبستُ من تجاربهم و خِبرتهم المصقولة و المُتوارثة عبر الأزمان، و ألهموني الفرضيات و الحلول و الدروس في شتى الميادين عبر ذكاءهم و رزانتهم و حنكتهم  و ترفُعهم عن سطحية “الطبقة المثقفة”….

العارفون بكل تفاصيل السلوكيات، و الخصوصية، و التراث، و المكتسبات الفكرية الفِطرية والمتوارثة و النابعة من تفاعلاتهم ضمن بيئتهم و عصرهم . هؤلاء الذين يُشكلون سدا منيعا ضد ” إملاءات مُنظِّري ما أسميه “تكريس الطبقية الفكرية و الثقافية” و إرساء بديهية “ثقافة النخبة” و “ثقافة الشعب” على شاكلة عصر الانوار و ما انتجته في القرن السابع عشر و الثامن عشر على يد “ارستقراطيي” الادب و الفكر في فرنسا و ألمانيا,  تلك الطبقية و التفرقة الرهيبة التي ابرزوها مثل ما ذكر Montaigne ” الرؤوس المصنوعة جيدا”! 

الا يكفي أن نتخذ من هؤلاء “العامة” في نظر “مثقفي النخبة”،هؤلاء الذين همشتهم “الثقافة النظامية العالمية” ، ان نتخذهم بوصلة و مَعلم و منارة لا نحيد بعدها عن مسارنا و لكي لا نتأثر باية تغييرات و تغيُّرات تستهدف خصوصية الشعوب و المجتمعات. 

و هنت اقارن ما قاله Herriot الثقافة هي ما يبقى لنا بعد ان ننسى كل شيء و ايضا المدرسة anglo-saxonne الانتروبولوجية التي كانت تربطها بالسلوكيات و القيم و العادات الخ مثل ما حدده ا Taylor 

هنا بالذات أشير رياضيا الى المعادلة او النسبة بين ما انتجته، عملية او صناعة “طبقة عليا نخبة مثقفة مثالية!” من جهة و ماهو موجود واقعيا لدى سائر أفراد المجتمع مع “قشور الثقافة النظامية العالمية” الملقاة لهم من جهة اخرى.

هاته النسبة الرياضية : الثقافة المثالية/الثقافة الواقعية هي التي تُوسع و تُعمق الهوة التي تخلق ما يسمى “التخلف الثقافيو العكس صحيح.

هل علينا ان نمتثل لهاته العلاقة الرياضية، و نحن نمتلك كنوز من عقلاء ينتمون بعُمق لهاته الارض و تراثها و خصوصيتها و قيمها العريقة  

 

إشكالية

نتيجة لذلك ، يمكننا أن نرى من خلال هذه الاقتباسات والتعريفات القليلة ، أنها بالفعل مشكلة حقيقية  داخل مجتمع له تقاليده و خصوصيته ، المنقولة عبر الاجيال. و في سياق احتلال استمر أكثر من قرن ، من خلال إنشاء عناصر يفترض أنها دخيلة على هذا المجتمع نفسه ، ومن هنا أولى بوادر حالة الأزمة الثقافية في الجزائر. هل يمكننا بسهولة تحديد خصوصيات ما يسمى حرفياً “ثقافة” المجتمع الجزائري؟ هل هي منسجمة مع كل الجزائريين؟ العوامل السياسية والأمنية ، هل أثرت سلباً على هذه الثقافة  ؟

والسؤال الكبير إذا كان صناع القرار الجزائريون هم من أسسوا عملية ملائمة والمجتمع الجزائري؟ إذا كان الأمر كذلك ، فهل تم توحيدها لتلبية المعايير العالمية ببساطة؟ أم أنها تعكس عادات وخصوصيات المجتمع الجزائري؟

 

مقاربات ومحاولات بدائل

– القيام بأعمال بالتشارك و الافراد ، وعملية التشاور، من خلال ورش العمل ، والتدريب ، والأنشطة المتعمقة حتى يتمكنوا من إظهار ثقافاتهم المحلية الخاصة بهم ومن ثم الترويج لها.

– تكامل الجامعة والبحث الاكاديمي ، كفاعل مهم ، من خلال تجسيد خرائط الطريق و توصيات التي توضع في خاتمة المؤتمرات ، من خلال الدراسات الأنثروبولوجية التي يقوم بها الباحثون والمختبرات وأي هياكل ناتجة عن الجامعة.

– محاولة هيكلة مؤسسات القطاع الثقافي في الجزائر للكسر مع الآلية الإدارية محليًا والتي تدير ظهرها للمجتمع المحلي ، مما يخلق فجوة عميقة بين الفاعل الثقافي والإدارة.

– دراسة نهج يمكن أن يعطي ديناميكية للمتاحف ، لجعلها مفيدة وحيوية في كل منطقة ، وبالتالي إيقاظ الذاكرة المحلية ، والإثراء الاقتصادي.

– قطاع ترميم الابنية المعمارية و الاثرية و التراثية  مهمش  و بشكل مقلق ، المباني والمدن القديمة ، لابد من ميثاق قوي و قانوني حقيقي يضمن الحفاظ عليها ، و كما تجسيد بنود أدوات تخطيط المدن ، PDAU و POS ، والتي لا تنص بجدية على محيط القطاع المحفوظ و  حول هذه المباني.

– ارساء خرائط ومخططات عمرانية لكل مدينة تحدد المعالم الثقافية المراد زيارتها مع إبرازها بعلامات داخل المدن.

– تثمين شخصياتنا الفكرية والتاريخية والفنية ، من أجل دراسة إجراءات أفضل ، لتخليد  فكرهم وأعمالهم ، حتى عن طريق ترميم مساكنهم القديمة وجعلها متاحف مفتوحة ، وحتى محيطها من أجل تشجيع أي شخص على احترم ذكرى هذه الشخصية.

– التركيز على الفئة العمرية للأطفال ، والمتمدرسين ، ومراجعة مشروع المدرسة، من أجل دمج الشخصيات الفنية والكتاب والمفكرين الجزائريين كأولوية في البرامج المدرسية ، لاسيما ايضا التراث المادي و اللامادي.

– إعادة إطلاق مشروع المدرسة القرآنية المحدثة من أجل الترويج لمسابقات اقتباس القرآن ودمجها بين أطفال المدارس.

– مراجعة البرامج الجامعية والمدارس ومعاهد الفنون الجميلة و اشراكها و شخصية الفرد باالمجتمع و هويته.

– تعزيز السياحة الثقافية وتشجيعها و كما تعزيز المعرفة المحلية ، باعتبارها تراثًا ملموسًا.

– فتح الباب أمام إنشاء مراكز ثقافية لمجتمعات ذات اهتمام ثقافي وحضاري مشترك مع الجزائر ومجتمعها.

– بلورة الثقافة اعتبارا من لب المجتمع “الفرد و سلوكياته مع الاخر و محيطه و ارهاصاته عبر ما توارثه” و ترسيخ اليات تبحث و تكرس لهذا الانتاج التلقائي الذي جسد شخصية المجتمع و هويته و خصوصيته بسلاسة,   كمركز اشعاع ثقافي اصلي يصقل ثقافة المجتمع.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك