الجزء التاسع عشر.. أول تمرد كان على احمد بن شريف

مع محمد حربي

بقلم احسن خلاص 

تكتسي متابعة سيرة حياة المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي أهمية قصوى بالنظر إلى ما تحمله من قراءة واعية ومتبصرة للأحداث التي عاشتها الجزائر منذ ولادته في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي إلى اليوم. وتكتسب هذه السيرة قيمة أكبر عندما يرويها محمد حربي نفسه مصحوبة بقراءات سوسيو-تاريخية لمختلف المحطات التي تناولها وبمسحة ذاتية طبيعية من منطلق أن الراوي لم يكن ملاحظا دارسا فحسب بل كان فاعلا في كثير من الأحداث. نحاول هنا أن نتتبع سلسلة من الحوارات التي جرت باللغة الفرنسية على موقع اليوتيوب بعنوان: “الجزائر الذاكرة والتاريخ” استعرض فيها مع الباحثين بيرنارد ريتشارد وروبي موردر حياته الدراسية والنضالية ونقدم ما تيسر منها للقارئ العربي. 

عندما التحقت بوزارة القوات المسلحة توليت منصبا خاصا وهو مدير الديوان المدني لكن الغريب أن هذا المنصب تابع في جميع أعماله وميزانيته ووسائل النقل للديوان العسكري. كان اختياري لوزارة القوات المسلحة لأسباب سياسية لأني كنت أعرف من ذلك الحين أن الأمور ستقرر ضمن الجيش فإذا أردنا أن يكون لنا تأثير سياسي فمن خلال هذه الوزارة أساسا يمكن الحصول عليه. لم يكن كريم يحيطني علما بشيء يتعلق بالعمل الحكومي غير أني أبقيت على علاقات خاصة مع المركزيين وبالأخص محمد يزيد وعبد الحميد مهري الذي كان مسؤولا عن شؤون شمال إفريقيا وبن يوسف بن خده فكنت أقدم تحليلاتي حول حالة المسألة الجزائرية وسياسة الجنرال ديغول لبن يوسف بن خده الذي لم يكن وزيري. 

ولما انطلقت سياسة ديغول طلب مني بلقاسم كريم إعداد بعض الأعمال فقدمت له جملة من التقارير منها تقرير حول الوضع في فرنسا حيث حاربت طروحات جزء من اليسار الداعية للانتقال إلى الفاشية، قمت بأعمال حول العمل السيكولوجي ونظرياته والوسائل التي كان يمتلكها العسكريون التي استقيتها من مطالعتي بفرنسا للمجلة العسكرية للأخبار التي كانت تتابع نشاط جبهة التحرير الوطني إذ من خلال هذه المجلة علمت بنقاشات كانت تجري داخل جبهة التحرير الوطني من خلال وثائق داخلية مسربة. أنجزت عملا آخر عاودت الاطلاع عليه مؤخرا وتأسفت لعدم الأخذ به حيث اكتفوا بمقتطفات من الأفكار قدمت لأناس كانوا يفكرون بطريقة أخرى. كان تقريرا حول تكوين الإطارات داخل الجيش ومشكلة الانسجام الوطني. غير أني حظيت بفرصة التواصل مع فرق الحدود أين التقيت بعدد من الرفقاء الذين طلبوا مني مرافقة مدير الديوان العسكري في الوقت الذي شهدت بعض الفرق تمردا على القيادة، عندما تمردت فرق النمامشة ضد قدوم ضباط من خارج مناطقهم الأصلية وإجبارهم على الذهاب إلى معسكرات التدريب التي كان يقودها ضباط جاءوا من الجيش الفرنسي، لقد كانت معارضتهم واضحة وشرسة لضباط الجيش الفرنسي. 

تحدثت مع قائد التمرد وكان أحد ضباط الحرب الهند الصينية فروى لي مساره بدءا من وجوده في الهند الصينية قبل نقله إلى تونس ووضعه تحت أوامر النقيب احمد بن شريف الذي كان قد جاء من قبل ضمن الجيش الفرنسي وأجرى عملية تمشيط منطقة كاب بون في تونس في فبراير 1952 وقد رقي ضمن جيش التحرير الوطني إلى رتبة رائد وعين عام 1959 مسؤول الحدود ومحاورا للتونسيين. وذكر الضابط أنه كان ضمن الفرقة التي جاءت للتمشيط معه إلا أنه خرج عن طوعه والتحق بصف التونسيين، وتأسف أن مثل هؤلاء ظلوا يتمتعون بالامتيازات في كل الأوقات فقد كان ضابطا في الجيش الفرنسي ثم ضابطا في جيش التحرير الوطني ثم أصبح بعد سنوات مسؤولا علينا وهذا ما لم يتقبله، مضيفا أنه لما تمرد على الجيش الفرنسي انضم إلى صف اليوسفيين المناهضين لبورقيبة وذات يوم أوقف بورقيبة رفيقه الطيب زلاق وأعدمه فقرر من يومها أن لا يضع ثقته في الحاملين للقلم ليقودونا لذا من الأجدر تصفيتهم من اليوم. تحدث أيضا مع بوعتورة توفيق الذي أصبح بعد الاستقلال ديبلوماسيا كبيرا وسفيرا لدى الأمم المتحدة حيث قال له إن الحرب ستنتهي قريبا ولم تبق إلا سنوات قليلة عسيرة وبعدها ستكون هناك تدابير في صالحكم من خلال الإصلاح الزراعي فرد عليه: عن أي إصلاح زراعي تتحدث فأنا من منطقة رعوية فماذا تعطونني؟ هل تعطونني قطيعا من الماعز لمراقبته؟ أنا أريد مكتبا ولا تهمني أراضيكم التي ليس فيها إلا الحجر. اكتشفنا أشياء مهمة عن علاقة الرجل بالسلطة وطموحاته الشخصية وعلاقاته مع الضباط. لقد وصلت إلى خلاصة مفادها أن أغلب المشكلات التي حدثت على الحدود كانت بين الضباط الذي كانوا في خدمة الجيش الفرنسين، بين ضباط المدفعية وجنودهم فهم يعرفون بعضهم وخاضوا مسارا مشتركا تخللته نزاعات. كانت الساحة مليئة بالتمرد لغياب قيادات تعرف معنى الحرب الثورية وتعرف الرجال وخلافاتهم. 

 

  • تقارير مغلوطة ومعركة غير متكافئة على الحدود

رأيت أيضا كيف كانت مواقفهم من اجتياز الخطوط عندما رافقتهم تحت قيادة الملازم وارتسي الذي تلقى تكوينه في سوريا، وفي الطريق لاحظة أن الفرقة تتضاءل فقد كان هناك من يتوقف عن السير قبل أن يختفي لأن هؤلاء كانوا يرفضون الذهاب للقتال لأنهم يعلمون أنه من الصعب اجتياز الخطوط الكهربائية وأن المحاولات السابقة خلفت موتى، كانوا يرمون بطلقات نارية قبل أن تلتقطهم فرق الجيش الفرنسي من الجهة المقابلة. اكتشفت من جانب آخر كذب القيادة العسكرية فقد كان الرائد مولود إيدير وهو مدير الديوان العسكري يقدم تقارير مغلوطة للقيادة وقد اكتشفتها لما عدت إلى تونس كانت تحمل حصائل مبالغ فيها حول انتصارات مزعومة على الجيش الفرنسي على الحدود. حدثت وزير الإعلام محمد يزيد عن هذه التقارير فقال إنه لا يمكن أن يخبر الرأي العام بأننا دمرنا الجيش الفرنسي فلا أحد يصدقنا وليس بهذه الطريقة يمكن أن نرفع معنويات فرقنا العسكرية. ولرفع معنويات الجنود في الداخل قاموا بأشياء محيرة، اشتروا الآلاف من أجهزة المذياع ووزعوها عليهم فصار كل واحد منهم عاكفا على مذياعه يتابع الموسيقي ويرفه عن نفسه. وبالمقابل لم يكونوا يريدون أن يعرف الجميع ما كان يحدث على الحدود فقد كانوا يرسلون إلى وزارة القوات المسلحة تقارير كاذبة ومضللة. ومن هنا لم أصدر حكما سلبيا على بومدين لأنه عندما أخذ بزمام الأمر عالج الكثير من هذه المشكلات بالديماغوجية أحيانا خاصة لما تم اتهام الحكومة المؤقتة بمسؤوليتها عن الوضع المتردي الذي وصل إليه الجيش على الحدود. لكن التحليلات التي قدمها الخبراء الصينيون والمصريون والأندونيسيون خلصت إلى أن الجيش أمام طريق مسدود عسكريا ما لم يلتزم التونسيون والمغاربة بترك الجزائريين ينشطون على أراضيهم فإذا تم تدعيمه بوسائل عسكرية وتسليحية مثل المدفعية وبمدربين جدد فإنه قادر على القتال وخلق صعوبات كبيرة للجيش الفرنسي. لم يكن التونسيون يرغبون أن تدخل أراضيهم أنواع من الأسلحة فقد كانوا يراقبون انتقال الأسلحة التي يمكن استعمالها في حرب حقيقية.       

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك