الجزء الخامس والأربعون.. قادة معارضون حاولوا لعب الورقة الفرنسية

مع محمد حربي

بقلم احسن خلاص 

تكتسي متابعة سيرة حياة المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي أهمية قصوى بالنظر إلى ما تحمله من قراءة واعية ومتبصرة للأحداث التي عاشتها الجزائر منذ ولادته في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي إلى اليوم. وتكتسب هذه السيرة قيمة أكبر عندما يرويها محمد حربي نفسه مصحوبة بقراءات سوسيو-تاريخية لمختلف المحطات التي تناولها وبمسحة ذاتية طبيعية من منطلق أن الراوي لم يكن ملاحظا دارسا فحسب بل كان فاعلا في كثير من الأحداث. نحاول هنا أن نتتبع سلسلة من الحوارات التي جرت باللغة الفرنسيةعلى موقع اليوتيوب بعنوان: “الجزائر الذاكرة والتاريخ” استعرض فيها مع الباحثين بيرنارد ريتشارد وروبي موردر حياته الدراسية والنضالية ونقدم ما تيسر منها للقارئ العربي. 

تعرض تيار التسيير الذاتي كذلك لهجمات خارجية. كانت الصحافة اليسارية مهتمة كثيرا بالجزائر لاسيما صحيفة لونوفال أوبسيرفاتور. لاحظنا فجأة أن جملة من الصحف صارت ممنوعة في الجزائر حيث كانت تحتوي على سلسلة من مقالات تحمل عنوان: حربي ضد بومدين وهو ما أثار سخط الجيش ضد تيار التسيير الذاتي فقام بتحقيق أفضى إلى أن الأخبار التي كانت تأتي من الجزائر مصدرها مستشار اجتماعي بالسفارة الأمريكية كان مكلفا بالنقابات في الجزائر وتونس والمغرب يدعى جون كوندن وكان على صلة بصحافي من لو نوفال أوبسيرفاتور يدعى روجي باري الذي كان يكتب مقالا يصف ما يجري في الجزائر بأنه صراع بين اتجاه التسيير الذاتي ذي الميول القريبة من التروتسكية والجيش. أصدرنا عمودا صغيرا جدا في مجلة الثورة الإفريقية أشرنا فيه إلى هذه الحملة وعند صدور العدد جاءني سفير الولايات المتحدة الأمريكية للاحتجاج فكانت النتيجة أن جون كوندن أرسل إلى الفيتنام ولحق به السفير الأمريكي ويليام بورتر الذي لم يلبث طويلا قبل أن يغادر الجزائر. 

كانت هناك موجة دعائية كبيرة حول الخطر الذي كنا نمثله مع أن ثقلنا كان ضعيفا عكس ما كانوا يتصورون لكننا على المستوى السياسي والنظري كان لدينا تصور شامل حول إعادة تركيب الجزائر وحول جميع المسائل التي نوقشت كان لنا مشروعنا وكنا نطرحه عند بن بله وننشر محاوره الرئيسية عبر الصحف وهذا ما كان يزعجهم لأنهم لم يكونوا قادرين على محاربتنا فقوتنا كانت في التعبير ولم تكن في القاعدة الاجتماعية بالنظر إلى أن الطبقة العاملة كانت في طور إعادة التشكل والفئة التي كان ينتظر أن تؤطرها كانت مرتبطة بالبورجوازية الصغيرة. لم تكن علاقتنا بالطبقة الشغيلة علاقة إيديولوجية بقدر ما كانت نظرة احترام لأنها الطبقة الوحيدة التي لم تنخرط في الفوضى وحاولت ما أمكن الحفاظ على وسائل العمل وكانت أكثر تحضرا من القوى التي أتت من الأرياف أو البورجوازية الصغيرة المثقفة.

لم نكن نأبه بالتلاعبات الاستراتيجية لمختلف البلدان حيث ارتكب بن بله خطأ جسيما عندما لم يأخذ بجد مسألة العرقية فتصريحه في تونس جيّش العديد من الأطراف التي كان لها تأثير على الصحافة في فرنسا وخارج فرنسا وقد تم تأويل تلك التصريحات بأنها معادية لإسرائيل. قال في تونس: “نحن عرب نحن عرب نحن عرب” وكان من قبل قد صرح بالقاهرة بانه سيبعث بمائة ألف جزائري إلى فلسطين. كنت يومها بالقاهرة فوجدت أن الفلسطينيين أنفسهم كانوا يرون أنه ذهب بعيدا. وأعتقد أيضا أن هناك جهلا تاما بمشكلة القبائل لأن إزاحة بلقاسم كريم من الدائرة القيادية ولدت شعورا مضادا ثم جاءت عملية استرجاع عدد من المتاجر الصغيرة وإلغاء العديد من الصفقات لتمس بالأشخاص الذين كانوا يمتلكون رأسمال  صغيرا اشتروه من الأوروبيين الذين غادروا. ومن هنا كان لفيدرالية فرنسا تأثيرها على التوجهات حيث تم إقصاؤها تماما مثل قياديي منطقة القبائل فتشكلت كتلة ضمت جميع المنهزمين في أزمة 1962 مع وصول جماعة تلمسان إلى السلطة. 

رأينا في ما بعد بفضل المحادث التي جرت بين غيران ودوبروغل أن الفرنسيين تركوا بطاقات الزيارة عند المعارضين وزاروا فرحات عباس وايت احمد وكانوا على علم مسبق بالمظاهرات التي كان يحضر لها في وهران لرفع العلم الفرنسي. كانت فرنسا تبحث عن شركاءمعتبرة الجزائر بلدها وسيبقى كذلك في عدة جوانب لأن التقرير الذي قدمه لنا غيران بعد محادثته مع دوبروغل يظهر مدى الصراع القائم في الجزائر بوجود معارضة لعبت الورقة الفرنسية. والمطلع على ما كانت تكتبه صحيفة لوموند آنذاك يدرك كيف كان الفرنسيون يسعون إلى قلب نظام الحكم في الجزائر وأن ما أعاق ذلك هو أن ديغول لم يسر على هذا الخط.

ما كان يسمى يسار حزب جبهة التحرير الوطني كتلة سحابية نشأت مع إنشاء مجلة الثورة الإفريقية. كنت أعتقد أنه كان ينبغي الاستناد على الشرائح التي دخلت السياسة بعد الاستقلال. لما استلمت إدارة المجلة أسست مجلسا إداريا كان فيه الأمين العام لشبيبة جبهة التحرير الوطني ومساعده الذي كان عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الجزائري. كان الحزب الشيوعي الجزائري يحاربنا كيساريين. خلال تشكيل مجموعة متمردة في منطقة القبائل كان ضمنها أحد أحفاد الأمير عبد القادر المتزوج بإسرائيلية وعناصر أخرى جاءت من فرنسا وكان مجيئها ضمن علاقة صداقة دون أن تكون لها نية إقامة عمليات حربية عكس حفيد الأمير عبد القادر الذي أراد القيام بشبه عملية ظنا منه أن منطقة القبائل هي المكان المناسب لذلك. وفي هذا السياق تعرض أحد أفراد اليسار الذي كان يقود جريدة الشعب للتحريك من قبل وزير التكوين الذي جاء من الجيش إذ كان يعتبر ما جرى مؤامرة إسرائيلية فثار الجدل في الصحافة لم تشارك فيه مجلة الثورة الإفريقية تعرض فيها التروتسكيون لهجوم عنيف من قبل الحزب الشيوعي الجزائري ووصفوهم بالملحدين في الوقت الذي كان كل الهجوم علينا يتم باسم الدين. لكننا رددنا عليهم باستحضار التاريخ.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك