الجزء الرابع والأربعون.. اليسار في عهد بن بله بين فكي كماشة

مع محمد حربي

بقلم احسن خلاص 

تكتسي متابعة سيرة حياة المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي أهمية قصوى بالنظر إلى ما تحمله من قراءة واعية ومتبصرة للأحداث التي عاشتها الجزائر منذ ولادته في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي إلى اليوم. وتكتسب هذه السيرة قيمة أكبر عندما يرويها محمد حربي نفسه مصحوبة بقراءات سوسيو-تاريخية لمختلف المحطات التي تناولها وبمسحة ذاتية طبيعية من منطلق أن الراوي لم يكن ملاحظا دارسا فحسب بل كان فاعلا في كثير من الأحداث. نحاول هنا أن نتتبع سلسلة من الحوارات التي جرت باللغة الفرنسيةعلى موقع اليوتيوب بعنوان: “الجزائر الذاكرة والتاريخ” استعرض فيها مع الباحثين بيرنارد ريتشارد وروبي موردر حياته الدراسية والنضالية ونقدم ما تيسر منها للقارئ العربي. 

كان دور رابتيس (بابلو)* مهما جدا في التوجه الذي أخذه بن بله حيث أبرز له الشروط التي قد تساعد الجزائر على لعب دور في حركية العالم الثالث اليسارية القريبة من الدور الكوبي. ما كان يهم بن بله هو إنجاح عملية الجذب تجاه شخصه وقد نجحت دون أدنى شك. لكنها في الوقت الذي قدمت وجها معينا للجزائر كانت مجموعات من المحافظين من أطياف متعددة قد بدأت تلتئم حول شعار الإسلام وتنشره عبر الجماهير الجزائرية لاسيما تلك التي لم تتحمس لفكرة التقدم لالتصاقها بالأبوية لتجندها لتغيير وجهة سياسة بن بله تدريجيا وهو التغيير الذي بدأ بعد المؤتمر مباشرة، وأتذكر حادثة صغيرة وقعت خلال اجتماع العناصر الاشتراكية عبر العالم الذين جاؤوا لعقد ندوة في الجزائر. خلال الاجتماع أدلى مستشار للرئيس بتصريح اعتبره الكثير قريبا من أمريكا لكن لطف الله سليمان توجه إلى الصحافة بالقول إن هذا لا يمثل سياسة بن بله وهذا ما لم يرض عنه بن بله حيث استدعى أربعة منا، أنا ورابتيس ولطف الله سليمان ورئيس مكتب التنشيط الاشتراكي عبد القادر معاشو. كان فضا معنا عندما قال: “لا أريد تدخلات من هذا النوع فلدي سياستي” وعندما خرجنا من عنده قلت لرابتيس: ألم أقل لك إنه لما كان يجري الإعداد للدستور كان يرفض إدراج التسيير الذاتي فيه مبررا ذلك بأنه لا يريد أن توضع له الحدود. 

بعد هذه التدخلات صار يرى أنه قد أنهى عملية الجذب ولم يعد بحاجة إلى اليسار لإرساء حكمه وقد كان مخطئا في ذلك تماما. كانت الضغوط رهيبة من أصحاب الاتجاه العربي الإسلامي الذين كانوا يرون أن التسيير الذاتي أدى إلى انحراف الجزائر نحو الشيوعية حيث بدأت الدعاية تسري في الأوساط الشعبية تغذيها أفكار متعصبة ومعادية للآخر وقد تلازمت مع دعاية أخرى جاءت من أوروبا التي ظهر فيها مصطلح الأقدام الحمراء لتمييز اليساريين الذين التحقوا بالجزائر فصار التركيز على مكافحة اليساريين أكبر من مكافحة بقية من جاء في إطار التعاون وكثير منهم كانوا عملاء للاستعمار. 

كان هناك تقدير مبالغ فيه لإشعاع اليساريين في البلاد وقد كانوا الأكثر استعدادا لبناء دولة وأمة لكن الميدان كانت تتحكم فيه قوى من مختلف القنوات وقوى أبوية بدأت تتحرك من أجل قلب الوضع وطرح مسألة القيم في مقدمة النقاش والزحف تدريجيا إلى غاية صرف الأنظار تماما عن المسألة الاجتماعية وفرض أيديولوجياتهم على الشعب لاسيما وأن بن بله كان يدلي بالكثير من التصريحات اليسارية مقابل اتكائه في الواقع وفي الوزارات، باستثناء الصحافة، على القوى المحافظة حيث كانت القوى الظلامية في المجتمع مهيمنة وممتدة مقابل السطو الذي قمنا به نحن على مجال التعبير دون أن يصل تأثيرنا إلى تنظيم الجماهير الشعبية. وإذا أردنا معرفة ما هو التسيير الذاتي ومن كان يسيره من فوق ومن هم العمال المشتغلون في المزارع الكولونيالية الكبرى ندرك في النهاية أن العمال لم يكونوا يشكلون الجماهير التي تشتغل في التسيير الذاتي بل من طردوهم من المنتمين إلى قدماء المجاهدين ومن القادمين من الأرياف قبل دخولهم ضمن مجموعات المقاومة الداخلية والقوى المتمركزة في ضواحي المدن. لم يكن المرتبطون بالأرض بالأهمية التي تمكنهم من حمل القيم الاشتراكية أو حتى القيم الديمقراطية إذ أن المشكلة التي كانت في مقدمة الانشغالاتالتي طرحها محمد خيضر مشكلة تحرر المرأة التي وجد حولها مقاومة شرسة على يد أفراد جمعية العلماء المسلمين الذين اقتحموا جميع مجالات الدولة بعدما كانوا في المستوى الثاني في الأجهزة القيادية لحرب التحرير وحاضرين لدى الجماهير الشعبية فالخلافات بين جمعية العلماء وحركة انتصار الحريات الديمقراطية لم تكن إيديولوجية بل كان ما يميزها هو مقاربة المشكلة السياسية والأهداف بين الاستقلال السياسي والدفع بالقيم إلى مقدمة الاهتمامات بينما انشغل النقابيون بالمسألة الاجتماعية وكان أغلبهم تحت تأثير الشيوعيين.

كان المحافظون يسعون بقوة من أجل التخلص من بن بله وحتى من الشعبويين الراديكاليين من أنصار هيمنة الدولة الذين كانوا أيضا هدفا لهذه القوى فكنا كتيار مناصر للتسيير الذاتي بين كفي كماشة طرفها الأول يتمثل في القوى المحافظة والطرف الثاني هو التيار المناصر للدولنة القائم على نظرة للتأميم مغايرة لنظرتنا لأن غايته الأولى هي استقرار السلطة والدولة قبل المرور إلى تأميم الأملاك المتنازل عليها خلال اتفاقيات إيفيان لكنهم عندما استولوا على الدولة قاموا تدريجيا بخوصصتها من خلال تشكيل جماعات تواصلت شيئا فشيئا مع القطاع الخاص الذي لم يختف تماما لبلورة جزائر أخرى. نفس التجربة حدثت في روسيا أين تشكلت طبقة جديدة حول الدولة لا تتناسب مع ما هو معروف عن البورجوازية الأوروبية. 

يجب الأخذ بالحسبان الحراك الاجتماعي الذي كان هاما جدا حيث صارتإعادة التصنيف تجري بشكل سريع جدا ونظام الأفكار لم يكن يعكس الوجود الاجتماعي إذ أن الإيديولوجية التقدميةكانت عبارة عن جسم مزروع لا يستند على أهداف اجتماعية حيث استبقت الإيديولوجيا ملاحظة الوقائع وهذا ما يعكسه وضع الجزائر غداة الاستقلال، وضع بلد كان يفتقر إلى التأطير معأفراد كانوا في التيار اليساري تحولوا فجأة بعد أخذهم المناصب في الدولة ليجدون أنفسهم على تواصل مع إيديولوجيات لا صلة لها بالاشتراكية وأفراد جاءوا من عالم الشغل وأعيد تصنيفهم في مهن ذات طابع حرفي ليتحولوا بسرعة إلى بورجوازية صغيرة فتشكل عالم الأعمال صغيرة بشكل مكثف لا يمكن تقدير أهميته من الجانب الاجتماعي.

  • اسمه ميشال رابتيس ويدعى بابلو يهودي يوناني الأصل وتروتسكي الاتجاه الإيديولوجي ولد في مصر وتخرج من جامعة السوربون. ساند الثورة التحريرية قبل أن يصبح مستشارا للرئيس احمد بن بله في مشروع التسيير الذاتي. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك