الجزء العشرون هكذا تحول جيش التحرير إلى جيش تقليدي

مع محمد حربي

بقلم احسن خلاص 

تكتسي متابعة سيرة حياة المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي أهمية قصوى بالنظر إلى ما تحمله من قراءة واعية ومتبصرة للأحداث التي عاشتها الجزائر منذ ولادته في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي إلى اليوم. وتكتسب هذه السيرة قيمة أكبر عندما يرويها محمد حربي نفسه مصحوبة بقراءات سوسيو-تاريخية لمختلف المحطات التي تناولها وبمسحة ذاتية طبيعية من منطلق أن الراوي لم يكن ملاحظا دارسا فحسب بل كان فاعلا في كثير من الأحداث. نحاول هنا إن نتتبع سلسلة من الحوارات التي جرت باللغة الفرنسيةعلى موقع اليوتيوب بعنوان: “الجزائر الذاكرة والتاريخ” استعرض فيها مع الباحثين بيرنارد ريتشارد وروبي موردر حياته الدراسية والنضالية ونقدم ما تيسر منها للقارئ العربي. 

لاحظت التغييرات التي حدثت بعد تشكيل قيادة أركان الجيش عندما عدت إلى الحدود مجددا وأنا أشتغل في وزارة الخارجية حيث كنت أحضر برنامج الزيارة إلى الصين. ولو أني دخلت في خصام مع قيادة الأركان كلفني الإحالة إلى لجنة الانضباط إلا أني لاحظت أنها وجدت حلا لمشكلة التمرد فقد نجحت في المزج بين الفرق بحيث لم تعد مشكّلة على أساس الجهة كما نجحت في إقناعهم بقبول بعض ضباط الجيش الفرنسي كإطارات في جيش التحرير الوطني، تحت قيادة من قدماء المناضلين وذلك بطريقة سلطوية وسياسية في الوقت ذاته إذ شكلوا محافظة سياسية تتحدث عن مستقبل الجزائر وعن الفلاحين والمشاريع، كان الحديث عبارة عن خطابات لكنه بث الحيوية في أوساط الجنود وأبعدهم عن منطق التعليمات المضبوطة الذي ساد عندما كان يقودهم ضباط الجيش الفرنسي. لقد كان هناك اختلاف نوعي  بين المقاربتين. 

 

  • ضباط المشرق مقابل ضباط فرنسا

كانت قيادة أركان هواري بومدين تضم علي منجلي وهو مسؤول سابق في حركة انتصار الحريات الديمقراطية بمنطقة عزابة وقايد احمد الذي كان عضو اللجنة المركزية للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والرائد عز الدين الذي كان مسؤولا بالولاية الرابعة بالإضافة إلى قادة الكتائب، كلهم من جيش التحرير الوطني لكنهم منحوا مكانة التأطير العسكري لضباط تكونوا في مدارس القاهرة وبغداد ودمشق وغيرها. حاول أن أشرح لهؤلاء الضباط أن الوصول إلى جيش احترافي يمر عبر ترك أفراده يقتحمون العمل السياسي. فقد قرأت جملة من النصوص التي كتبها تروتسكي ورأيت كيف يطرح الثوري مشكلة الجيش فوجدته أن تهميش إطارات الجيش الفرنسي لم يكن مفيدا للثورة فالحرب الثورية حرب لتشكيل المجتمع البديل وليس لتشكيل دولة بجيش كلاسيكي. لكن النقيب بن شريف الذي تولى قيادة الحدود كان يقول إن الجيش لا يحتاج إلى الخوض في السياسة لأنها ستخلق الفوضى داخله بل يكفي أن يكون لدينا أفراد مكونون للذهاب إلى القتال تحت الأوامر. كان أغلب من أتى من الجيش الفرنسي يوجه إلى المكاتب التقنية لتحضير الكتائب وكان من بينهم شباب تخرجوا من المدارس الفرنسية ولم يكونوا معروفين من قبل الذين كانوا من قبل في المدفعية وكافحوا في الهند الصينية وتونس.كان للضباط الذين أتوا من المشرق،بالنظر إلى ضعف تجربتهم، حظ كبير أن وجدوا في الضباط الآتين من الجيش الفرنسي التأطير الفعال فهم الذين شكلوا الجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال ومن قبله تحول جيش التحرير الوطني على الحدود إلى جيش تقليدي بينما أبقى في الداخل على حرب العصابات.

  • أولوية الخارج على الداخل

وبشأن الفرق بين الجيشين وقعت حادثة عندما قام علي منجلي يخطب في الفرق على الحدود ليقول لهم أنتم جيش الغد لأن الذين هم في الداخل لا تكوين لهم بل يعيشون في فوضى فاسعوا للعمل في هذا الاتجاه وقد بلغ هذا الخطاب مسامع العقيدين علي كافي والصادق دهيلس قبل أن تحاط الحكومة المؤقتة علما به وهو ما أكد الاعتقاد الذي كان سائدا من قبل في الداخل من أن الخارج لا يمد بالسلاح للداخل لأنه يحتفظ به لأخذ السلطة. كان أفراد الجيش على الحدود يعملون على استنزاف الجيش الفرنسي لذا كانوا يشتغلون كما لو أن أفراد جيش التحرير في الداخل لا وجود لهم. صار الجيش بإمكانه القتال عكس ما كان عليه في عهد كريم بلقاسم ومن سبقه بالرغم من وقوعه على مقربة من خطي شال وموريس. ما فات الكثير من المؤرخين في اعتقادي هو معرفة هذا الجيش من الداخل وكيف كان تأطيره وقدراته العسكرية الحقيقية. لابد من معرفة أن نصف عدد أفراد جيش التحرير الوطني على الحدود من الذين أتوا من الداخل وتعذرت عليهم العودة وهم الأكثر وعيا في الجيش بينما استقدم النصف الآخر من مخيمات اللاجئين. ظل ضباط الجيش في الداخل يخرجون منهم علي كافي الذي خرج رفقة هجرس وعطايلية كما التحق بوعلام أوصديق والرائد موسى شارف من الولاية الرابعة متجاوزين خطي شال وموريس. لم تكن هناك قطيعة تامة بين الطرفين فقد كان هناك تبادل للرجال من الجانبين ففي 1960 انتقلت قيادة الولاية الأولى كلها إلى الداخل منهم الرائد عمار راجعي والرائد علي سوايعي والرائد الطاهر زبيري استشهد اثنان منهم وبقي الزبيري الذي قاد الولاية الأولى. قبل إنشاء الحواجز كانت الحركية أكبر لنقل الأفراد والأسلحة ضمن ما يسمى فرق الإيصال وما يؤسف له أن التاريخ لا يذكر كثيرا بطولات هؤلاء المكلفين بنقل الأسلحة على ظهورهم لمئات الكيلومترات من الحدود التونسية إلى القل ومنطقة القبائل والولاية الرابعة. لقد ضحى المئات منهم بحياتهم بين السهول والجبال وقطع الفيافي إذ يحدث لهم أن يدخلوا في قتال في طريقهم. وما يؤسف له أن الأرشيف المتعلق بهم موجود ولم يكشف عنه إلى اليوم ولا يوجد ضابط في جيش التحرير الوطني اشتغل على التاريخ العسكري بل كان كل اهتمامهم التاريخ السياسي.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك