الجزائر والعالم الإسلامي بين الإصلاح والتنوير

مفاهيم وإشكالات

الجزء الثاني  

بقلم احسن خلاص

توقفنا في الجزء السابق عند النخب الإسلامية التي رأت أنه لا سبيل لإنقاذ المجتمعات الإسلامية  من التأخر الذي تعاني منه إلا بالقيام بعملية إصلاح واسعة للمفاهيم الدينية الموروثة. غير أن هذه الرؤية لم تكن على خط واحد بل انقسمت الى قسمين أحدهما كان يفسر هذا التأخر من منطلق أن الأمة هجرت الدين الصحيح كما ورد عن النبي وتبعه السلف الصالح وغرقت في الجهل والخرافة والشعوذة بعد ابتعاد المسلمين عن تعاليم الكتاب والسنة فرأى هذا الفريق أنه لا مفر من العودة إلى الإسلام الأول الذي أنار الدرب ونتجت عن انتشاره في ربوع الأرض حضارة أضاءت البشرية بالفلسفة والعلوم والاختراعات هذه الحضارة التي كانت نموذجا ومثالا للغرب ومنطلقا له لبناء الحضارة التي يفتخر بها الآن ويجعلها مطية لمركزية وكبر لم يكونوا بالغيه لولا نور الإسلام الذي أشع وسطع على الغرب كما قالت المستشرقة الالمانية سيقريد هينكه. وقسم آخر كان يرى أن الموروث الديني أصبح تركة بالية تثقل الكاهل وتعيق رغبة هذه المجتمعات في الانعتاق والذهاب سريعا نحو اللحاق بالعالم الغربي في حركيته التطورية الجنونية. وينطلق هذا الفريق من أن هذه الحركية التنويرية التحريرية المتجهة نحو التغيير المستمر لم تكن لتنجح لو لم تتخلص كلية من سيطرة الكنيسة على الحياة العامة وحتى محاولات الإصلاح البروتستانتية لمارتن لوثر وكالفين لم تشفع الكنيسة ولم تكبح الإرادة الوضعية العارمة. لكن ثمة طريق ثالثة بين الطريقين تنطلق من أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التخلص من الموروث الديني المتجذر بقوة في الوجدان الجمعي بل لابد من تكييف المسلم ذاته مع العالم الجديد. وقد جاءت مساهمات فكرية لدعم هذه الطريق مثلما تجسد في كتاب لمالك بن نبي بعنوان: المسلم في عالم الاقتصاد وهو عنوان رمزي يوحي بضرورة تكيف الفرد المسلم مع الفعالية الاقتصادية الحديثة دون أن يفقد أصالته وهويته. 

ظلت مصر ذلك الفضاء المناسب لظهور تيارات عدة مناهضة للجمود فقد كانت النهضة الشاملة التي أطلقها محمد علي باشا منطلقا لرؤية جديدة مبنية على التغيير الجذري باستبدال المفاهيم التقليدية في الدين بمفاهيم جديدة لاسيما في المجال الاجتماعي والمتعلقة منه بالمرأة على وجه الخصوص. كما كانت منطلقا لحركية فكرية تزعمها رفعت الطهطاوي وقاسم أمين وغيرهما. 

وإن كان الجيل الأول من المصلحين من أمثال عبد الله بن عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده قد أبلى البلاء الحسن إلا أن الجيل الثاني شهد انطلاقة قوية شملت مجالات عدة لاسيما المجال السياسي مع بروز الفكرة القومية وفكرة محاربة الاستبداد والمطالبة باعادة النظر في مرتكزات نظام الخلافة. وظهر لتنشيط تلك المرحلة الحرجة الكواكبي وشكيب ارسلان في سوريا وعلي عبد الرازق في مصر وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وعلال الفاسي في المغرب. 

لقد كان لوقوع البلدان الإسلامية في قيد الاحتلال وقعه وأثره على المنحى الذي أخذته الحركة الإصلاحية فقد امتزج الإصلاح الديني والتنوير الفكري والثقافي مع المطلب الوطني لما صار الحديث عن الخلافة من الماضي وجعل المصلحون الجدد مثل بن باديس يدعون إلى استبدال الخلافة بالمفهوم السياسي بخلافة جديدة بالمفهوم الثقافي. وذهبت الفكرة الوطنية إلى أقصى حدودها في الثلاثينات من القرن الماضي عندما ألف مبارك الميلي كتابه الشهير المسمى تاريخ الجزائر القديم والحديث، وهو من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الإصلاحية وكتب إلى جانبه توفيق المدني مؤلفات حول تاريخ الجزائر، كانت هذه المؤلفات الصادرة عن الإصلاحيين بمثابة رد فعل على احتفالات فرنسا بمرور مائة عام على احتلالها الجزائر. لم تكن تحمل فكرة الإصلاح في الجزائر بعدا إسلاميا جامعا ولا بعدا قوميا صرفا فقد كانت ترمي لتشكيل مزيج حيوي بين البعدين وقد ظهر ذلك في مستهل القصيدة المعروفة لبن باديس، شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب. 

واذا كانت الحركة الإصلاحية في مصر قد اعترضتها المؤسسة الدينية المتمثلة في الأزهر التي لم تكن تلجأ إلى المناظرة الفكرية بل كان أسلوبها إداريا قمعيا فضا مثل ما حدث لعلي عبد الرازق بعد صدور كتابه الإسلام وأصول الحكم حيث منع من التدريس. وبدل أن يكون الأزهر سندا للاصلاحيين ظل إلى يومنا الحارس الأمين لركود الفكر الإسلامي. لم تجد الحركة الإصلاحية في الجزائر من العوائق إلا الزوايا الطرقية التي كانت تجاربها والعقبات التي كانت تضعها السلطات الاستعمارية أمام الصحافة الحرة وحركة التربية والتعليم وقد اضطرت جمعية العلماء المسلمين وعلى رأسها عبد الحميد بن باديس أن تهادن هذه السلطات لتفادي منعها من النشاط لاسيما وأنها أوقفت عدة صحف للتيار الإصلاحي. ولم يكن الاصلاحيون لوحدهم من اصطدم بالمؤسسات الدينية التقليدية فقد جاء دور التنويريين من أمثال طه حسين ليدخل الأزهر معهم في معركة كانت الغلبة فيها عادة للتيار المحافظ الذي لم يتمكن من التغلب على تيار تنامى في المساجد وهو وهو ما يسمى تيار الصحوة الإسلامية. 

في الجزء القادم سنتعرف على دور هذا التيار في قلب الموازين وتغيير خارطة الصراع.

يتبع

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك