الحراك المبارك في ذكراه الثانية

د. بن عجمية بوعبد الله كاتب صحفي

بحلول 22 من الشهر الجاري تكون قد مرت سنتين كاملتين على اندلاع الحراك الشعبي السلمي المبارك الذي انطلقت شرارته يوم 22 فيفري 2019 عبر ربوع الوطن العزيز ليستمر إلى عشرات الجمعات المتتالية وفي صفوفه ملايين الجزائريين من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية بمطالب موحدة تلخصت أنداك فيما يلي:

تعطيل العهدة الخامسة والذهاب بالبلد مجددا مع رئيس مريض اختفى عن مشهد إدارة البلاد منذ 2012 كآخر ظهور له في خطابه بولاية سطيف التي ردد فيها جملته الشهيرة قبل الاختفاء “طاب جناني”، عهدة كانت ستكون مثل سابقاتها سيئة في التسيير والفوضى والعشوائية والمحسوبية والزبائنية والتراجع على كل المستويات، والدليل حالة الاحتقان الشعبي التي كانت تتراكم مع عهدات بوتفليقة المتتالية وتحديدا العهدتين الثالثة والرابعة واللتان فرضتا فرضا على الجزائريين من خلال فتح العهدات الذي أتاح للرئيس المعزول ونظامه الاستمرار في الحكم، ولولا الحراك المبارك لأصبحنا اليوم نعيش تحت بؤس العهدة الخامسة التي كان النظام السابق متجها إليها بإصرار.

إفشال مخطط تمديد العهدة الرابعة والذي كان “المخطط ب “للعصابة كتحايل على الشعب الجزائري من أجل محاولة امتصاص غضبه وثورانه، ضف إلى ذلك الطبقة السياسية وحتى أجنحة داخل السلطة التي أعلنت رفضها لهذا المخطط وهو التمديد مهما كان شكله ومبرراته ضمانا لاستمرار نظام العصابة التي بدأت جموع المحتجين وأمواج الغاضبين تخرج تباعا كل جمعة لرفضها لهذا الحل المقيت والذي لا يختلف في السوء والخطر على مشروع العهدة الخامسة.

محاربة الفساد والمفسدين ضمن الحقبة البوتفليقية المشؤومة التي أتت على أخضر البلد ويابسه، طبقة من الفاسدين الذين نهبوا أموال الشعب وبددوها لأغراضهم الشخصية والسياسية على السواء وذاك ما تحقق فعلا، فأغلب رموز النظام البوتفليقي هم اليوم في السجن بأحكام قضائية ثقيلة نظير ما اقترفوا في حق هذا الشعب العظيم وثرواته التي لا تحصى ولا تعد، ومن أبرز هؤلاء أحمد أويحي وعبد المالك سلال وعمار غول ووزراء آخرون ينضاف إليهم رجال أعمال النظام كعلي حداد وطحكوت وعائلة كونيناف الذين تضخمت ثرواتهم من خلال دعم عائلة بوتفليقة ومن يدور حولها.

السؤال المطروح اليوم ونحن نحتفل بالذكرى الثانية لهذا الحراك: هل تحققت كل المطالب التي رفعها الجزائريون؟

لا يمكن أن نقول أن كل المطالب تحققت لأن أي مسار شعبي أو ثوري أو احتجاجي مهما كانت قوته أو نوعيته لا يمكن أبدا أن يحقق جميع مراميه وأهدافه التي اندلع من أجلها في ظرف سنة أو سنتين والدليل على ذلك أن كل الحركات الإصلاحية والاحتجاجية التي حدثت عبر التاريخ أخذت أزمنة مديدة في فرض أجندة الإصلاح الجوهري والعميق وعليه لن يكون الجزائريون استثناء من هذه الحركة التاريخية المثبتة في كل الأمم والشعوب والحضارات المتعاقبة.

غير أن الحراك الجزائري شابه بعض الاختراقات وأفشل من داخله كذلك وهذا في اعتقادي أحد الأسباب التي جعلت الكثير من مطالبه لم تحقق، نذكر من بينها ما يلي:

حراك بلا قيادة موحدة عجل في اضمحلاله وخفوت حدته ودرجة عنفوانه، بحجة أنه حراك شعبي كبير ولا ينبغي أن نحصره في قيادة قد نختلف عليها وعلى أهدافها وشخوصها ومشاريعها، وفي الحقيقة هذا استثناء جزائري سلبي للأسف الشديد فنجاح الثورات الشعبية السلبية مرتبط بالأساس بقيادة راشدة وموجهة تحمل مطالبهم على محمل الجد والمسؤولية للتفاوض مع النظام السياسي ولا ينبغي أن يقتصر الأمر على خروج دوري وعشوائي للشارع كل جمعة والعودة إلى البيت من دون مخرجات او ثمار لهذا الخروج، وهذا في اعتقادي السبب الأبرز لجنوح الحراك إلى التقزم والاضمحلال لاحقا.

تطرف مطالب الحراك بعد استقالة الرئيس السابق بضغط من الجماهير الهائجة والغاضبة والتواقة للتغيير وسقط الحراك في أيدي تيارات متطرفة بمطالب مستحيلة التحقيق عمليا وواقعيا ما جعل العديد من الفعاليات الشعبية تتراجع وتعود إلى البيوت لأنه لم يعد حراكا يمثل الجميع سواء ما تعلق بالتوجهات الفكرية أو الأيدولوجية وحتى المطالب التي كانت مرفوعة والتي لم تعد محل اجماع كل الجزائريين الذين خرجوا في الجمعات الأولى من الحراك.

سقوط الحراك في فخ الصراعات العرقية والهوياتية خاصة منعرج “فتنة الرايات” التي فتحت الجدل واسعا وبدل التركيز على المطالب الشعبية الجامعة انزلق الحراك الى قضايا الهوية واللغة وحتى الدين بسبب سيطرة تيار إيديولوجي على قيادة الحراك ومطالبه التي يصفها كثيرون بانها حرفت عن مسارها الصحيح الذي أسس للحراك الأول الذي كان محل إجماع كل الشعب الجزائري بأغلب انتماءاته وأطيافه.

خذلان بعض رموز الحراك للحراك بسبب الدخول في أجندات أخرى والدليل أننا رأينا بعض ممن كانوا يبيعون الوهم بمعاداة السلطة وجدناهم في مواقع أخرى ما فهم شعبيا بأنهم استغلوا الحراك لأغراض شخصية ضيقة.

قصر نفس الجزائريين في الاستمرار في مسارات شعبية وثورية لمدة طويلة بحكم فترات السبات الطويلة التي مرت على الشعب الجزائري، ما جعلهم يوقفون روح المواصلة بسرعة والاستمرار في حراكهم الشعبي بمجرد ظهور مجموعة من التحديات والصعوبات والاختراقات التي طالت الحراك الشعبي.

السؤال الآخر المهم: هل سيتجدد الحراك ونحن في ذكراه الثانية؟

شخصيا لا أعتقد ذلك بحكم أن الحراك الذي كان قبل جائحة كورونا وحتى بعض المحاولات من هنا وهناك في الفترة القليلة الماضية لم تعد محل إجماع لدى الجزائريين ومازال هناك تيار واحد ذو أيدولوجية معروفة يؤطر هذا الحراك ويدعو له، وبالتالي فإن فقدان جماهيرية الحراك وأقصد هنا انخراط الجزائري العادي وليس المؤدلج سيجعل من تاريخ 22 فيفري الجاري مجرد احتفالية وليس انطلاقة متجددة للحراك.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك