الحراك..عامان من الامتحانات الصعبة

مفارقات

بقلم احسن خلاص
منذ اللحظات الأولى لانطلاق الحراك الشعبي في فبراير 2019 أدركت النخب السياسية القائمة والفاعلة آنذاك أنها كانت أمام لحظة فريدة وقد لا تتكرر في التاريخ إذ قلما يتزامن بروز الوعي الجماعي مع حركية جماعية عارمة ذات نفس طويل، فقد كان حراك الجزائر مثالا على هذا الانسجام النادر بين الفكرة والفعل.

لقد بدت لحظة الحراك وكأنها لحظة غضب ونقمة واعية وهادئة على كل من تقع عليه المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن الوضع البائس الذي وصل إليه البلد ممزوجة بلحظة عتاب على النخب السياسية التي ادعت معارضة النظام لكنها ظلت عاجزة عن فعل شيء لتغيير الواقع أمام زحف قوى الرداءة السياسية للظفر بجميع المواقع في ظل فراغ لم تستطع أي قوة سياسية ملأه.

ومن هنا جاءت صرخة “يتنحاو قاع” التي تميز بها الحراك منذ اللحظة الأولى، منطلقة من أنه ليس من العدل أن نحمل المسؤولية كلها على الرجل الأول دون القوى التي كانت بمثابة الدعامة لقيام سلطته واستمرار النهج الذي أدى بالبلد إلى الهاوية، وهي القوى التي كانت تستعد للإبقاء على الامتيازات والمباحات التي كانت تتمتع بها قبل أن تقوم قيامة الحراك.

لقد كانت تلك القوى الوسيطة الظاهرة على الواجهة منها والخفية أكثر استفادة من بقاء الوضع من الرئيس بوتفليقة نفسه الذي لعب دور ضمان التغطية السياسية والقانونية لممارسات لا صلة لها بالقانون. لقد وجدت هذه القوى التي تمثلت غالبا في وزراء ورجال أعمال وشخصيات أخرى كانت نافذة في السر والعلن تشكل شبكة أطلق عليها في القاموس السياسي العام بعد ذلك اسم العصابة، أرادت المحافظة على نفوذها وما اكتسبته من ثمرات طوال أربع عهدات رئاسية شكلت عمر حكم بوتفليقة.

مقابل تلك القوى التدميرية التي وجدت فرصتها في الفراغ السياسي الرهيب كانت القوى السياسية عاجزة تماما عن وقف هذا النزيف السياسي والاقتصادي والأخلاقي بالرغم من محاولاتها المتعددة بدءا من الأرضية السياسية التي خرجت بها ندوة مازفران لتحديد خارطة طريق الانتقال الديمقراطي. لقد حالت الانتهازية السياسية للقوى السياسية دون أن تصمد أرضية مازفران وتبلغ أهدافها بعد أن فضلت أحزاب كانت أطرافا فاعلة فيها الدخول في معترك الانتخابات التشريعية والمحلية معتقدة بإمكانية تحقيق التغيير من داخل المؤسسات، وكانت النتيجة أن هذه الأحزاب وجدت نفسها تؤيد السلطة ونهجها التدميري من حيث لا تشعر وتفقد بسرعة القليل من الثقة التي اكتسبتها من خطوة مازفران.

ها هو الحراك اليوم يجتاز امتحانا ضروريا قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من تطوره بالرغم من انقطاع المسيرات الأسبوعية بسبب جائحة الكوفيد. سيمتحن في قوته وصلابته التي ظل يستمدها من شرعية مطالبه وسلميته وسموه على الاختلافات السياسية والإيديولوجية وصموده أمام محاولات التقسيم الجهوية واللغوية والدينية وفوق كل ذلك استعصائه عن الهيكلة والتمثيل. قوته تكمن في كونه صوتا يعلو على السلطة وعلى من يعارضها على حد سواء وفي ثباته على مطلب إرساء قواعد مشتركة يبنيها الجميع دون إقصاء ولا تعالي ووصاية أحد على أحد. لقد أرسى الحراك منذ 22 فبراير 2019 سلطة جديدة للشعب تضاف إلى تلك التي يمارسها عن طريق صناديق الاقتراع، إنها سلطة الفضاء العام المعترف بها عالميا بأنها سلطة للتعبير وبوصلة لصاحب القرار ليهتدي بها في توجيه سياساته وخياراته.

أجمل ما في الحراك أن لا يتوجه ضد أحد بل يتوجه ضد الاستبداد والفساد أينما وجد، يمارس الرقابة الشعبية التي لا يستطيع النواب في المجالس المنتخبة ممارستها. أحسن ما يمكن أن يقوم به الحراك في المستقبل القريب أن يمارس هذه الرقابة على جميع المستويات. فهو سيرورة تاريخية وليس حدثا توقف في لحظة من الزمن بعدما حقق مآرب فئة من الناس إذ حتى ثورة أول نوفمبر 1954 وإن انتهت في 19 مارس 1962 كفعل تاريخي بعدما حققت أهدافها المعلنة إلا أنها بقيت مستمرة في روحها مع الزمن وهي التي أنتجت تأميم المحروقات وكل أشكال تصفية الاستعمار التي لا تزال قائمة إلى اليوم.

سيؤتي الحراك أكله وتجني الجزائر منه خيرا إذا ظل وعيا حداثيا وحركة وطنية جديدة تتجاوز الحكومات المتعاقبة هدفها بناء جزائر مجددة لأفكارها مرسخة للقيم الديمقراطية الحداثية التي تسمح لها بالبقاء في حضيرة الدول الراقية، أما إذا ظل ينظر إليه على أنه حلبة للصراعات السياسية وتصفية الحسابات الظرفية ومسرحا للتأثيرات الجانبية فإن الزمن والآفات ستقضي عليه كما يقال.

لا يمكن للتظاهرات التي شهدها هذا الشهر أن تنبئنا لوحدها عن صحة الحراك وصلابته أمام المتغيرات والالتواءات الصعبة فأمامه أشواط جديدة وإن كان قد أبان عن حرص شديد على البقاء على سلميته وحضاريته غير آبه بمحاولات تحريفه أو جره إلى مستنقعات آسنة. والحراك على هذه الحال لا يكرمه إلا كريم ولا يهينه إلا لئيم فهو أحسن أداة للحوار الجاد والبناء الذي يشرك الجميع دون استثناء وإقصاء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك