الدبلوماسية بين الفعل المعزول والشأن التاريخي

بقلم : جمال نصرالله

أكيد أن العلاقات بين الدول والأوطان تحوز في حد ذاتهاعلى تطورات بعيدة المدى طرأت على مسارها التاريخي تقلبات وتموجات وهي تحتاج إلى علم قائم بذاته،ومؤرخين وباحثين ونقصد من الناحية السوسيولوجية الباطنية وكذلك الفورمولوجية الظاهرية،وكأننا أمام جسم حي حتى لا نقول كائنا تتم دراسة تجاذباته وتصادماته، وكذا نقاط الإلتقاء والإرتقاء ونقاط التباعد والفتور تارة أخرى.

وليس غريبا أن للدبلوماسية الجزائرية محاسنها ،فقد نجحت في كثير من وساطاتها وتدخلاتها لفض العديد من النزاعات،أما عثراتها فيمثلها طرفان الأول يكون من لدن بعض المسؤولين والوزراء والثاني من طرف الأشخاص العاديين ،خاصة إذا كانوا ذوو شهرة عالية لكن لا علينا أن ننسى الطرف الثالث وهو ماتفعله الجماهير ،مثلا مثلما حدث إبان الأزمة الكروية بين مصر والجزائر وهذا يُسمى بالفعل الجماهيري الذي يمكن تصنيفه كذلك في مجموع الفعل المعزول والخاص الذي لا يمكنه بأي حال أن يفرق بين الشعوب نفسها ولا بين الساسة أنفسهم جمعاء .فدائما ما يوصف بالسحابات العابرة… وجميعنا تأكد بعد حادثة أم درمان كم كانت الدبلوماسية شامخة يوم عرفت كيف تتعامل مع هذه الفتنة، ولم تحشر أنفها في مستنقع كاد أن يجلب المزيد من التناحرات ويقضي على إرث تاريخي بين الشعبين في رمشة عين ؟ا ـ إن حدث وأن  جانبت الدبلوماسية بعضا من الآراء المراهقة ـ والأكيد المؤكد أن ما حدث كذلك ذات يوم في ملعب عين مليلة في مسألة التيفو المُستفِز للدولة السعودية الشقيقة يقع في هذا السياق  ،ولا يمكنه بأية صفة أن  يكون لغة رسمية مقننة نبل هي فعل معزول يلزم الجهة التي انبثق منها ولا حق لأحد أن يلقي باللائمة على الآخر لأن الشعوب دائما تصدر منها تصرفات تدخل في خانة الغضب الساطع المُعلى صداه لسبب  قد يكون موضوعيا وتحصيلا حاصل أو هو بسِمة أخرى …                  ففي يوم من الأيام أحرقت شلة من المغاربة العلم الجزائري وكذلك شلة من المحامين المصريين فعلوا ذلك لأسباب واضحة وضوح العيان وليست مجهولة أو متسترة، ورغم ذلك هذه الأحداث أو تلك لم ولن تدخل البلدين في أزمات حادة ولا حتى الشعوب أنفسها… وإنما حدث استنكار من الفئات نفسها ففي السعودية هناك جهات وأطراف ستغضب وتظل ناقمة لهذا السلوك وحافظة له في كل المحافل، لكن هناك في هذا البلد العزيز من يحبون الجزائر.

ويعتبرونه معقل الثوار والتحرر. ولوعدنا للجزائر لوجدنا نفس الشيء، أشخاص يمقتون السياسة الخارجية لهذا البلد ،خاصة إذا تعلق الأمر بأمريكا ومن جاراها وساندها في الرأي والطرح، وفئات أخرى تعتبر السعودية بلد العلماء والمشايخ الأئمة الميامين الضالعين في الفكر الإسلامي الطاهر الحنيف، ولك الحق أن تقيس هذه المعادلة الثنائية على كل بلد في مواجهة الآخر ،لأن المعارضة موجودة حتى في الداخل .ولنرى كم هو عدد سجناء الرأي في السعودية نفسها ممن هم ضد سياسة بلدهم…فلكم كان ولازال فنانون ورسامون كاركاتوريين وكتاب أعمدة صحف يشهّرون بصرخاتهم  تجاه أهم القضايا العربية ، ورغم ذلك لا يمكن وصف ذلك بالسياسة العامة لهذا البلد أو ذاك، كذلك لايمكن وضع حادثة ملعب عين مليلة إلا في هذا المضمار لأن الجماهير عبرت عن حبها  العميق للقضية الأم (فلسطين) فهي الدافع الأساسي لكثير من الأفراد العرب ومن المحيط للخليج ،ضف ألا يوجد في السعودية نفسها .من يعارض سياسة بلده ويرى أن القضية الفلسطينية هي ديدن تفكيره، أكيد نعم، وضد كل التنازلات المقدمة لأمريكا المتجبرة ومن سار في فلكها .ونتمنى صراحة  أن يتعالى بعض الساسة على مثل هذه التصرفات الانفرادية وليأخذوا العبرة من أمريكا نفسها ،التي بها كم من رسام وفنان وكاتب أو مغني عبث ونكل بسياسة بلده،بل سخر من رئيسه بطرق أكثر فضاعة ورغم ذلك ،لازالت أمريكا تعطينا دروسا في ترك المجال لحرية التعبير لأنها تؤمن بأن ذلك كله جاء نتيجة رد الفعل حول التوجهات السياسية وبعضا من القرارات ،تجاه قضايا الشعوب والأقاليم، وليعلم الأخوة السعوديين أن مجال حرية التعبير في الجزائر أقوى بكثير مقارنة بالسعودية، وذلك لأسباب عدة لا يمكن حصرها في سطر أو سطرين، وكان حريا بوسائل الإعلام أن تضع هذه النقطة الهامة في الحسبان وتعطيها  الجانب الأكبر من الصواب ،ومؤخرا هاهي دبلوماسيتنا تشعل أضواءها الساطعة في جميع الاتجاهات ،بفضل المحنك لعمامرة الذي امتطى حصانه كما يقال بكل ثقة  في النفس وزاد مليئة بالوفرة…وثقيلة بالعزائم .لتقفز فوق الحاجز تلوى الآخر…وتجعل الجزائر هي حقا عروس البحر المتوسط .ومن ملف تونس إلى مالي ثم ليبيا وصولا إلى كثير من المحطات والأقاليم الإفريقية .والتي هي بت الكاد في عزلة من أمرها وترفع يد النجدة، بغية من يؤازرها ويلا يبكي فقط مع حالها ،بل يشد بكلتا يديها ويرشدها نحو شاطئ الأمان والطمأنينة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك