الزراعة الجزائرية أهدرت كثيرا من الفرص

أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة تولوز لطفي غرناوط في حوار مع الوسط :

  • توفر مؤشرات جيدة في2021 
  • الحاجة إلى إحصاء رقمي  شامل 

 

قال الدكتور لطفي غرناوط أستاذ الإقتصاد الزراعي بجامعة تولوز  في حوار خص به جريدة الوسط أن  القطاع الفلاحي في بلادنا يعيش ديناميكية جديدة جعلته في قلب اهتمامات الحكومة كأحد أسس الإقتصاد البديل للمحروقات، موضحا أن الدولة ملزمة  بالأخذ بعين الاعتبار ترتيب الأولويات و تحيينها.

 

* كيف تقيمون الوضع الفلاحي في بلادنا؟  

 

يعيش القطاع الفلاحي اليوم ديناميكية جديدة جعلته في قلب اهتمامات الحكومة كأحد أسس الإقتصاد البديل للمحروقات و هذا من خلال وضع مخطط جديد يعتمد بداية على تشخيص دقيق لكل مكونات القطاع و دراسة دقيقة لكافة المؤشرات لتحديد معوقات تنميته و صناعة رؤية إستشرافية و إستراتيجية قصيرة، متوسطة و بعيدة المدى. لديها 8.5 مليون هكتار فقط من مساحة سطح الأرض (0.21 هكتار / ساكن) تخضع لقيود قوية من الإغاثة والمناخ والتي تحد من الإمكانات الزراعية.  يمثل الجفاف والجفاف تهديدًا مستمرًا لثلاثة أرباع الأراضي المخصصة لنظام إراحة الحبوب ، كما أن المزارعين وصناع القرار يهتمون دائمًا بالظروف المناخية ، وليسوا وحدهم ، نظرًا لوقوع حادث مناخي بسيط في الأحواض الكبيرة لإنتاج الحبوب (الولايات المتحدة) قد تكون الدول أو كندا أو الاتحاد الأوروبي أو أوكرانيا) سببًا في ارتفاع أسعار القمح أو الحبوب الخشنة …

يجب الإشارة إلى أن الزراعة في الجزائر تخضع لقيود طبيعية محددة للإمكانات الفلاحية و ذلك بفعل الطبيعة المناخية الجافة نسبيا التي تهدد أكثر من نصف المساحات المخصصة لإنتاج الحبوب ،و هذا ما جعل الأحواض الإنتاجية الكبرى تتركز خصوصا في المناطق الشمالية للبلاد بحكم توفرها على نسبة تساقط مرتفعة نسبيا 66مم رغم أنها تعتبر موسمية ،و الطبيعة الصحراوية التي تتفوق على أغلب المساحات في الجزائر و العالم ،و تمثل حوالي 20% من المساحة الإجمالية ما يزيد في حدة عامل التصحر الذي يقلص المساحات الزراعية الصالحة، و رغم ذلك فإنه يمكن القول أن الزراعة الجزائرية اليوم تبقى بعيدة عن إمكانياتها الإنتاجية و بعيدة عن المستوى الحقيقي للإمكانيات التي تتوفر عليها الجزائر خاصة فيما يخص العقار الفلاحي الغير مستغل بحيث لا تزيد اليوم المساحات المستغلة في الزراعة SAU عن 8,4 مليون هكتار و هذه نسبة ضئيلة جدا مقارنة بعدد السكان و الطلب المتزايد للغذاء (0,2 هكتار للفرد الواحد بينما في تونس مثلا 0,3 هكتار للفرد) .

 

* إلى ماذا تحتاج الجزائر من أجل تطوير مجالها الفلاحي،؟  

 

تزامن التحديات التي تواجهها الفلاحة الجزائرية يجعل كل الخطوات الأساسية لبعث القطاع ذات طابع إستعجالي لكن نجاعة أي ورقة طريق لتنمية القطاع و تحقيق الأهداف المسطرة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ترتيب الأولويات و تحيينها و ما يتماشى و الإمكانيات المالية،التقنية و البشرية المتوفرة و ترتيب الأولويات يكون إنطلاقا من عملية التشخيص الدقيقة و الكمي لمؤشرات القطاع إنطلاقا من تحديد معوقات القطاع الفلاحي إلى إبراز و قياس عوامل القوة من جهة أخرى و هذا ما يضمن نجاعة و سرعة وتيرة التنفيذ الميداني بالتركيز على إستغلال مواطن القوة و تجنب الوقوع في التناقض بين ما هو نظري و ما يجسد فعليا على الميدان و الحصول على مصداقية و تعاون أكبر. 

و رغم أن كل الخطوات لتطوير قطاع الفلاحة تعتبر اليوم استعجالية إلا أن هناك أولويات في القطاع يجب الإسراع في حلها أولها مشكل العقار الفلاحي من خلال مضاعفة الإستغلال الأمثل للمساحات الزراعية و إسترجاع الغير المستغل منها، التسريع من وتيرة الاستصلاح، توسيع المساحات المسقية و مراجعة مشكل الأراضي البور حيث أن كل الحلول في القطاع الفلاحي تمر من خلال تنظيم العقار الفلاحي و خلق أنظمة حيازة متنوعة لخلق بيئة تضمن الإستقرار للفلاحين و المستثمرين. و دائما بخصوص العقار الفلاحي يجب العلم أن المرور إلى نموذج زراعي جديد يحقق مستويات عالية من الأمن الغذائي يكون بالرفع من حجم المستثمرات الفلاحية ،و المزارع من خلال دمج الأراضي ،و هذا لتأهيل تلك المساحات لاستقبال الزراعات الكبرى الإستراتيجية كالحبوب ،و الأعلاف التي تتطلب مساحات شاسعة و أيضا لضمان النجاعة الاقتصادية من خلال عقلنة التكاليف و تسهيل استعمال التكنولوجيا الحديثة و المعدات الحديثة التي لا يمكن استعمالها في المزارع الصغيرة، أما الآليات التي يمكن وضعها لتحقيق هذا الهدف الهام فهي عملية الإحصاء الشامل الرقمي عن طريق تكنولوجيا الساتليت التي قطعت فيها دول أخرى أشواطا و تسهل من عملية الرقابة و تنظيم الأحواض الإنتاجية و تكون مرفوقة بوسائل قانونية منظمة و رادعة و التي يجب أن تكون محل تشاور علمي و أيضا المتابعة الميدانية لوتيرة الإنجاز على المستويات المحلية. و أنا في طور تحضير دراسة لمقترح مشروع قانون ينظم آليات لاستغلال مستدام و ناجع للأراضي الفلاحية يهدف إلى المزاوجة بين الدورات الزراعية و إنتاج الأعلاف و حماية الموارد. 

بالإضافة إلى مشكل العقار الفلاحي هناك تأخر كبير في تحديث حظيرة العتاد الفلاحي العصري و الذي يعد أحد مقومات الفلاحة المنتجة و الناجعة إقتصاديا إلى جانب الإسراع في الربط المباشر للبحث العلمي و المعاهد التقنية بالزراعة و توسيع ذلك ليمس كل الفلاحين و الفاعلين في القطاع.

 

*هل بإمكان الجزائر أن تكون رائدة في الشق الفلاحي وكيف يكون ذلك  ؟  

 

 العديد من المؤشرات الإيجابية المتعلقة بالقطاع تزيد من تأكيد أن الجزائر و رغم القيود الطبيعية التي ذكرتها يمكنها أن تحقق مستويات عالية من الإكتفاء و تحقيق معدلات إيجابية فيما يتعلق بالأمن الغذائي ،اكيد ليس سهلا و لكن بالعودة إلى الأرقام المحققة في السنوات القليلة الماضية رغم ان الجهود كانت مبعثرك و طريقة التسيير لم تكن منظمة فإن القطاع حقق مثلا خلال السنوات الماضية أكثر من 25 مليار دولار كقيمة للإنتاج المحلي للقطاع و بلغت مساهمة القطاع بحوالي 12% من القيمة المضافة في الإقتصاد الوطني و 16,2% خارج المحروقات و لكن بالمقابل فإن العجز في الميزان التجاري يشكل نقطة سوداء و ذلك راجع بشكل أكبر لنسبة الواردات الزراعية المرتفعة خاصة فيما تعلق بالقمح و الأعلاف و الحليب و التي بلغت أكثر من 8 مليار دولار، يضاف إلى تلك المؤشرات المستويات الإيجابية التي تسجلها العديد من الشعب الفلاحية كالخضر و الفواكه مثلا و التي حققت فيها الجزائر اكتفاءا نسبيا لولا مشكل التبعية في ما يخص المدخلات و حققت فائضا في العديد من المنتجات ما يجعلنا نفكر اليوم في آليات تثمين تلك المنتجات عن طريق التصدير و التحويل الغذائي لإعادة التوازن للميزان التجاري و كل هذا ساهم أيضا في تموين السوق المحلية بانتظام و قد برز هذا الدور الريادي للقطاع خصوصا خلال فترة الجائحة العالمية. 

و إلى جانب العديد من المؤشرات الميدانية الأخرى عليه فإنه يمكن التأكيد على أن الجزائر لها من الإمكانات الفلاحية ما يؤهلها لأن تحقق مستويات متقدمة من الأمن الغذائي عن طريق قطاع الزراعة و ذلك بشروط كما ذكرت سابقا تدفع إلى تحرير الطاقات الإنتاجية.

مما أنه بدون شك سيستفيد الإقتصاد الوطني في الجزائر هذه السنة2021 من تسجيل قطاع الفلاحة لنتائج جيدة تضاف إلى نتائج السنوات الأخيرة الماضية إذا تواصلت الظروف المناخية المناسبة و التساقطات الموزعة بشكل جيد و العديد من المؤشرات الأخرى .

غير أن الغياب الملحوظ في مواكبة صناعة تحويلية غذائية لهذا التحسن المستقر في الإنتاج سيبرز الخلل الكبير بين إرتفاع الإنتاج الفلاحي و عدم قدرة الصناعات التحويلية المتوفرة حاليا من الإستفادة منه، بحيث أن الصناعة التحويلية تعتبر الزبون و الممتص الأكبر للإنتاج الفلاحي في ظل مشاكل التسويق التي تؤرق الفلاحين سنويا يضاف إليه ضعف الصادرات و إقتصارها دائما على بعض المنتجات و نفس الأسواق و مبادرات محتشمة لبعض الشركاء.

و هذا ما يجعل الإقتصاد الوطني يحتاج بشكل عاجل إلى صناعة تحويلية غذائية حقيقية لها القدرة على استيعاب الإنتاج الفلاحي المتزايد الذي حقق نتائج جيدة رغم نقص التحكم و إستعمال الطرق الحديثة في الإنتاج و تمكين الفلاح من آليات للوصول إليها و تكثيف الإرشاد الفلاحي و أسعار المدخلات.

 

* كيف تقيمون السياسية الحالية التي تنتهجها الحكومة ؟  

 

 أظن أن الإرادة القوية التي أبداها رئيس الجمهورية في بناء نموذج إقتصادي جديد تم ترجمتها في ذروة مواجهة الأزمة الصحية عن طريق عقد رئيس الجمهورية لمجالس وزارية دورية كان للقطاع الفلاحي الحظ الأكبر فيها و إصراره على ضرورة تقديم رؤية إستراتيجية واضحة قابلة للتجسيد ميدانيا تم مناقشتها و بلورتها ضمن مخطط الإنعاش الإقتصادي و الإجتماعي و هذا هو الأمر الإيجابي الذي كلل بتسطير الأهداف و آليات العمل في ورقة طريق واعدة لمدة 4 سنوات كبداية 2020 2024 و ذلك رغم تأخر عملية الإحصاء الفلاحي الشامل لكل مكونات و إمكانات القطاع الطبيعية و الحيوانية و المادية الذي يعتبر حجر أساس بلورة السياسات الزراعية ،حيث اليوم نشهد مباشرة الوزارة و تحنيدها لمختلف هياكلها المركزية و المحلية في تنفيذ الخطة التي تضمنت مجموعة من المحاور الأساسية كتنمية الإنتاج الزراعي من خلال توسيع المساحات المسقية كأولوية للرفع من الإنتاج والإنتاجية، عقلنة إستغلال الأراضي الزراعية، تنمية منطقة السهوب و إعادة الإعتبار للمساحات الرعوية، بعث الزراعة الصحراوية لإنتاج الأعلاف و الحبوب و أيضا الشق المتعلق برقمنة القطاع و ربطه بالبحث العلمي و التكنولوجي، .

 

* ألا تعتقد بأن الجزائر تأخرت كثيرا في وضع القطاع في صميم الأولويات ؟

 

حجم الواردات الغذائية المتزايدة ،و الصعوبات التي يعيشها الفلاحين في مختلف الشعب ،وحجم الخسائر التي يتكبدها البعض الآخر في إيجاد حلول لتسويق منتجاتهم توضح حجم التراكمات في القطاع التي خلفتها السياسات العمومية الماضية و ان العمل كان وفق رؤية سطحية بعيدة عن الرؤية الإستراتيجية الدقيقة التي تقوم على دراسة المؤشرات و التشخيص الدقيق و هذا ما يصعب من مهمة الحكومة الحالية التي تزامن وضع خطتها مع الأزمة الصحية فمن بين الأمثلة التي توضح ذلك إستقرار مساهمة قطاع الفلاحة في الناتج الداخلي بحوالي 12% و ذلك منذ 2014 و إستقرار حجم المساحات الزراعية المستغلة عند 8,5 مليون هكتار و بالتالي فإن مخطط الإنعاش الإقتصادي و الإجتماعي وضع النقاط على الحروف و يأسس إلى وضع نموذج إقتصادي جديد يحد من الإستيراد و يشجع الإستثمار المحلي في الزراعة و الصناعة التحويلية و مبني على تنويع مصادر الدخل و يرتكز على تثمين الموارد المحلية كالزراعة التي يمكنها ان تكون محركا إقتصاديا فعليا بصفتها ممونا للصناعة و قطاعا مشغلا و خالقا للثروة و الذي نتمنى الوقوف و متابعة كل اطوار التجسيد بإشراك خريجي المعاهد و الجامعات و محاربة كل أشكال البيروقراطية في الإدارات و توسيع عملية التشاور لانجاحه.

 

ما رأيك حول الزراعة الصحراوية ؟

 

الحديث عن الزراعة الصحراوية ليس بالأمر السهل لارتباطها بالعديد من العوامل المناخية ،البيئية و التقنية  لكن يجب القول أن الزراعة الصحراوية حتمية لتحقيق الأهداف المسطرة و أعتبرها فرصة إقتصادية نظرا للعديد من المؤشرات … لكن بشروط لضمان نجاعتها الإقتصادية و إستدامتها. 

يجب التأكيد على أن التفكير في وضع و تجسيد أسس متينة لسيادة غذائية يعتبر اليوم منعرج مفصلي في تحديد مستقبل الفلاحة في الجزائر و تقليص الفارق بين الصادرات و الواردات الزراعية و الغذائية و هذا بكل موضوعية لا يمكن إلا من خلال إستغلال أمثل لكل إمكانياتنا الطبيعية من استصلاح للاراضي الفلاحية و الرفع من المساحات الزراعية و الموارد المائية بشكل عقلاني و حديث. الزراعة الصحراوية اليوم حتمية لأن المساحات في الشمال لا تفي بالغرض من حيث حجمها، نوعية و حجم المزارع و النجاعة الإقتصادية و يجب مواصلة توسيع إستغلالها في شعبة الخضر و الأشجار المثمرة و تطوير شعبة الكروم إلى جانب المحافظة على طابع الزراعات الواسعة في الهضاب العليا و اليوم نخن أمام تخدي تقليل التبعية للخارج خاصة في المنتجات الإستراتيجية كالحبوب و الأعلاف و الحليب و اللحوم. أما بالنسبة لشروط نجاحها فإن الخطة المعتمدة يجب أن تكون متأنية و تأخذ بعين الاعتبار المخاطر الكبيرة و كعامل أساسي أبعاد التنمية المستدامة لضمان التوسع و الاستدامة في الإنتاج في هذا النوع من الزراعات بشكل يضمن المحافظة على الموارد و تحقيق نجاعة إقتصادية. 

حاوروه: أمين بن لزرق

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك