السفراء في الجزائر يحثون خطى زياراتهم

ما بين الديبوماسية الأمنية والاستخباراتية والاقتصادية

·         سفارة فرنسا ترسل قرارات طرد للعائلات خلال 15 يوم  

طبعت كثرة التنقلات لعدد من السفراء بالجزائر المرحلة الأخيرة، وسط اختلاف في الصيغ ما بين الديبلوماسية الاقتصادية، والسياسية والتعرف على تقاليد الدولة المضيفة وحتى الأمنية والاستخباراتية، وإن كان لا يمكن الفصل بينها كونها تصب في مهام السفير لجمع أكبر قدر ممكن من العلاقات والمعلومات عن البلد المضيف، ولعل من أكثر السفراء نشاطا السفير الأمريكي وإن طبعها سطحيا الجانب الثقافي ونظيرته الكندية، في حين احتل سفراء إفريقيا التصنيف في الديبلوماسية الاقتصادية، لتعود السفارة الفرنسية هذا الأسبوع للواجهة باستئناف رفع الدعاوى ضد جزائريين بالمحكمة العليا والتوصل حد طرد بعض العائلين بشارع حسيبة بن بوعلي.


لا يمكن الفصل بين السياسي والاستخبارات في عمل الديبلوماسي

أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3 عيسى بن عقون في تصريح لـ”الوسط”، أنه لا يمكن الفصل بين تحركات السفراء سياسيا وأمنيا واقتصاديا وبين الطابع الثقافي أو حتى الفلكوري الذي يريدون إظهاره، موضحا أن تلك النشاطات ليست مفصولة عن مهمة السفير في كشف خابيا الدولة المضيفة وعاداتها ومدى تلاحمها، وهو ما تكشفه الزيارات الولائية المتتالية، مضيفا أن كل ذلك لا يمكن فصله أيضا عن الجانب الاستخباراتي.

أما بخصوص الضحة التي كثيرا ما تلت تحركات المستشار الثقافي السابق بالسفارة الإيرانية أمير موساوي، فقال أنه يجب عدم التركيز على سفارة معينة بدل الأخرى، مرجعا الضجة المثارة إلى بعض الاصطفافات التي ظهرت بالساحة وبالتحديد إلى الجماعات التي تميل للطرف السعودية من وهابيين، قائلا أن ك السفراء يسعون لخدمة بلدانهم، متسائلا لما بالمقابل لم تثر الضجة ضد تحركات سفير الولايات المتحدة الأمريكية أو بدرجة أكبر السفير الفرنسي، داعيا لاستغلال العلاقات مع الطرف الإيراني وفقا لما تمليه مصلحة الجزائر خاصة أن الجامعة الإيرانية مصنفة في المراتب الـ10 الأولى عالميا، وهو ما يجب أن يتم التركيز عليه، خاصة أن العلاقة مع إيران يغلب عليها الجانب السياسي وليس الديني أو المذهبي الذي كثيرا ما تم الحديث عنه من فئات معينة.

عبد الرحمن هادف: السفراء الأفارقة الأكثر نشاطا

أوضح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن هادف في تصريح لـ”الوسط”، أن هناك حراك كبير من طرف السفارات الأجنبية بالجزائر فيما تعلق بجانب الديبلوماسية الاقتصادية، حيث أن زياراتهم لمختلف الولايات تصب بدرجة أولى للإطلاع على قدرات تلك المناطق والبحث عن فرص الاستثمار فيها، معتبرا أنهم يقومون بدورهم، فالنشاط الديبلوماسي لم يعد يقتصر على الدور السياسية بل يتعداه للجانب الاقتصادي وهو ما يتجسد في الملحق الاقتصادي ومرافقة رجال الأعمال لمعظم الزيارات الرسمية، كما أن السفير بنفسه يعمد لتلك الزيارات من أجل التوجه نحو فرص استثمار بلده.
أما بخصوص مدى مساهمة الإدارة الجزائرية فقال هادف أنها تعمل على تسهيل مهمة المعنيين عبر تلك الزيارات، عبر المعاملات القانونية مع وزارة الخارجية وكذا الداخلية من أجل استقباله عبر الولايات المعنية بزيارته، لكن أشير إلى ضرورة انفتاح المتعاملين المحليين بهذا الخصوص فعليهم أن يفرضوا وجهة نظرهم وتقديم المجالات التي يريدون تطويرها ويرون أنها الأقرب للاستثمار بمنطقتهم مع البلد المعني: مستشهدا بالولايات المتحدة الأمريكية المعروفة بصناعة السيارات والصناعات الغذائية والزراعة، ومنه يتم التركيز على تلك النقاط خلال الاستقبالات لسفير الولايات المتحدة بدل التذبذب بالتشعب، وبالتركيز على الصناعات الجلدية  والنسيج وحتى الماكينات بالنسبة لإيطاليا، هذا ما يجب أن ينتبه له الفاعلون الاقتصاديون وكذا رجال الإدارة المحلية.

أما بخصوص أهم السفارات الناشطة فسجل محدثنا بداية من السفارات الإفريقية التي أكد تسجيل نشاطها: إثيوبيا عبر انتقاله لأغلب الولايات وجنوب إفريقيا آخرها زيارته لوهران، وعلى مستوى أوروبا: سفيرة المجر التي وصفها بالنشيطة جدا، عائدا بالصورة إلى استضافته لها خلال ترؤسه لغرفة التجارة بولاية المدية، وانتقلت لمختلف الولايات التي رأت أنه من شأنها احتضان شراكة بين دولتها وبين تلك الولايات، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية بحسب ما تبرزه الأحداث.

كما دعا الأطراف الجزائرية لضرورة الاقتياد بتلك التحركات عبر بعثاتها الديبلوماسية بالخارج للنشاط الاقتصادي والتواصل مع رجال الأعمال في تلك الدول من أجل الاقتراب أكثر من الاقتصادات العالمية والحكم من التجربة ومعاينة الأمر على أرض الواقع هناك، موضحا أن زياراته السابقة لأندونيسيا واسبانيا وبلجيكا ضمن بعثات خاصة بتبادل وجهات النظر والخبرات سمحت بفتح الأفق أمام طروحات جديدة.

السفارة الفرنسية تستأنف وتطرد جزائريين من مساكنهم

فتحت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان ملف طرد الجزائريين من سكناتهم لصالح معمرين، حيث أوضحت أن الملف عاد للبروز مؤخرا، من خلال الدعاوى القضائية التي رفعت ضد  جزائريين قاطنين بسكنات تحاول السفارة الفرنسية الإستيلاء عليها، وما يقابلها من أحكام قضائية جزائرية  لعدو الثورة الجزائرية، آخرها هو فصلها في قرار طرد للمزيد من العائلات يوم الخميس 8نوفمبر 2018 وإجبار مواطنين على إخلاء سكنات فصلت اتفاقية إيفيان أنها جزائرية.

وأوضحت الرابطة أن السفارة الفرنسية طالبت  بشقق الجزائريين رغم تبادل رسائل فيما يتعلق بتسوية الأملاك بالجزائر الكبرى بين السلطات الجزائرية والفرنسية بموجب اتفاقية إيفيان، حيث تم الاتفاق بأن بعض الممتلكات سوف توضع تحت تصرف السلطات الجزائرية حسب رزنامة محددة، و من بين هذه الممتلكات عمارة 3 شارع نهج البروفيسور فانسونت ونهج تيلميلي بالجزائر تاريخ أقصاه 15 جانفي 1964، وأنه ورد في هذه الرسائل أن هناك مجموعة من العمارات لا تزال تستعمل من طرف المصالح المدنية الفرنسية والتي لا تنوي الاحتفاظ  بها لإشباع احتياجاتها الدائمة ويتم اخلاها من طرف مصالحها وتوضع تحت تصرف السلطات الجزائرية، وبمفهوم الاتفاقية، قائلة أنه بما أن العبارة جاءت دون تحديد نهج تيلملي نهج كريم بلقاسم حاليا فهذا يعني أن السفارة الفرنسية  ملزمة برد العمارات  المتواجدة بنهج تيليمي كون السفارة ليست مالكة الشقق المشغولة التي حولت حاليا إلى المحكمة العليا للفصل فيها بعد أن حركت السفارة الملف مجددا لاسترجاع الشق التي كانت قد منحت في وقت سابق لبعض العمال لديها.

وعلق رئيس الرابطة  الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان على الملف بأنه من الإجحاف أن ننظر للعقارات والأملاك الجزائرية على أنها ثروة للمعمرين استولى عليها الجزائريّون عشية الاستقلال، لأن  عددا معتبرا من الأقدام السوداء تمكنوا بالفعل وعبر وسطائهم الجزائريّين، من رفع دعاوى قضائية والظفر بأحكام قضائية نهائية لطرد العديد من العائلات الجزائرية التي تقطن بالشقق والعقارات التي يدّعون ملكيتها، متسائلا عن الأساس  القانوني الذي استند عليه القضاة في استصدار هذه الأحكام، رغم أنها كانت محكومة ومشمولة بقانون الأملاك الشاغرة التي أصدرته الحكومة الجزائرية مباشرة بعد الاستقلال لمعالجة الوضعية القانونية لهذه السكنات التي تركها الأقدام السوداء والمعمرّون الفرنسيّون والأوروبيّون على حد السواء، والذي يخوّل لقاطني هذه العمارات وحائزيها من الجزائريّين حق ملكيتها، أنّ القانون 07-05 الصادر في 13 ماي 2007 والمتعلّق بالقانون المدني في مادته رقم 507 مكرّر، والتي تنص صراحة على أن  الأشخاص الطبيعيين البالغين من العمر 60 سنة عند صدور هذا المرسوم، يقيمون منذ الاستقلال في هذه السكنات، لهم الحق في البقاء في الأمكنة المعدة للسكن ويتمتعون بهذا الحق إلى غاية وفاتهم.

هذا وعمد الأمين  العام لسفارة فرنسا بجر العديد من الجزائريين أمام العدالة الجزائرية لصالح الدولة الفرنسية ووكيلا لها، ورغم أن العدالة الجزائرية أصدرت عدة أحكام لصالح الجزائريين، إلا أن هناك أحكاما أخرى صدرت لفائدة المصالح الفرنسية ما جعل العشرات من العائلات تتشرد في سنة 2011 وهذا قبل أن تحول السفارة الفرنسية الملفات المتبقية إلى المحكمة العليا لمواصلة تشريد من تبقى من العائلات، بحسب توضيح الرابطة.

قرارات عشوائية تقدمها السفارة الفرنسية تتحدى العدالة

وتعود الصورة الحالية بما حدث من طرد للعائلات القاطنة بسكنات استولت عليها السفارة الفرنسية في العهد الاستعماري شبحا يهدد آلاف العائلات، خاصة مع طرد أكثر من 90  عائلة في 2011 في العديد من بلديات العاصمة على غرار  عين الله  بدالي ابراهيم والقبة  وتيلملي،  ومواصلة عملية الطرد في سنوات 2012 ووفي 2016 والأدهى من ذلك هو  عندما أقدمت البلدية  ومن خلال الشرطة على تنفيذ قرار الطرد في حق هذه  العائلات التي قطنت هذه السكنات منذ سنوات طوال فاقت 20 سنة، رغم عدم شرعية القرار لعدم استناده لدلائل تخول لها ذلك ، بحكم الرابطة.

كما استشهدت بمقابلة مع إحدى العائلات التي طردت بموجب أحكام قضائية  من سكنها بحي تيلملي، موضحة أن صراعها مع السفارة الفرنسية أجبرهم على دخول أروقة المحاكم، غير أن هذه الأخيرة حكمت لصالحها في العديد من المرات، مما أدى إلى تشريدها، علما أن هناك قضايا لا تزال إلى غاية الوقت الراهن في انتظار الفصل، ونفس المعاناة عاشتها عائلة أخرى تم طردها فقط الشهر الماضي بنهج كريم بلقاسم  حيث الوضع تحول إلى صراع مع السفارة التي انتهجت – على حد قولهم – جل الطرق لإخراجهم من سكناتهم، آخرها إرسال المحضر القضائي  رفقة الشرطة الجزائرية، لتنفيذ قرار الطرد في حق بعض العائلات بصفة عشوائية القاطنة في بوبيو، السابوف، رغم حكم القضاء لصالح البعض منهم، إلا أنه ضرب عرض الحائط، جعل المشكل يتفاقم بين السفارة والسكان.

وحكم القضاء الجزائر الخميس الماضي لصالح السفارة الفرنسية بعد أن صدر قرار ضد  ثلاث عائلات بعد قرار إخلاء الشقق المتواجدة بنهج كريم بلقاسم عمارة20 وكذا في شارع حسيبة بن بوعلي، وقبلها عائلة أخرى تقطن بقلب العاصمة. قرار العدالة استنكرته بشدة العائلات المطرودة واعتبره “وصمة عار” في تاريخ الجزائر وفي حق الشهداء الذي دافعوا بدمائهم لاستقلال الجزائر، مضيفين أن دخلوا منذ سنوات طويلة في صراع مع السفارة ورفعت عدة قضايا في العدالة، إلا أنهم كسبوا الرهان وحكمت العدالة اصالحهم، وغلق الملف طيلة سنوات، الا أن السفارة الفرنسية حولتها إلى  المحكمة العليا لتفتح القضايا من جديد قبل أن يحكم  القضاء الجزائري لصالح السفارة .

يأتي  هذا في وقت تلتزم فيه السلطة  الجزائرية الصمت اتجاه ما يعانون أبناء شعبها، تاركة إياهم يعانون الويلات في ظل غياب أي تعويض مادي أو تحويلهم إلى سكنات مغايرة، ويأتي هذا ليعيد للواجهة التصريحات النارية للمعمرين ضد الجزائريين آخرها تصريحات نارية للرئيس الفرنسي السابق طلقها  فرانسوا هولاند  بخصوص تعرض الأقدام السوداء والحركى إلى مجازر  مباشرة بعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962.

سارة بومعزة 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك