العربي التبسي العلامة والمصلح الثائر الجزء الأول

1891-1957م

بقلم: طارق عزيز فرحاني

العلامة الشيخ العربي التبسي الشهيد بلا قبر، هو أحد الفاعلين في الحركة الإصلاحية الجزائرية، الذي ترك بصمة في التاريخ الجزائري بموافقه وجهوده في مجال التربية والتعليم والثورة، كيف لا وهو الشيخ الثائر الذي قدم ماله للثورة ومواعظه لأجل تحسيس الجزائريين بضرورة تحرير الوطن من براثن المستعمر الفرنسي، إلى أن لقى ربه شهيدا مقبلا غير مدبر. 

مولد ونشأة الشيخ العربي التبسي 

هو العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات الجدري التبسي، وآمنة بنت عبيد بن فرحات الجدري التبسي، ولد يوم 01 جويلية 1891م في دوار (بلدية حاليا) السطح قنتيس دائرة العقلة ولاية تبسة وينحدر من فرقة الجدور عرش العلاونة إحدى بطون قبيلة اللمامشة، وقد عُرف في السجلات التي كتبها أعوان الإدارة الاستعمارية الفرنسية بلقب جدري وفرحات، واشتهر أكثر بلقب العربي التبسي، وكان وحيد والديه اللذان لم ينجباه إلاّ بعد عقد من زواجهما حسبما تذكر تقارير الإدارة الاستعمارية الفرنسية المحفوظة بأرشيف ولاية قسنطينة. 

ولم بلغ من العمر ست سنوات توفي والده بلقاسم، فعاش بذلك حياة اليتم مبكرا، وسرعان ما تزوجت والدته بعمه عمار مثلما كانت تقتضيه عادة وأعراف قبيلة اللمامشة وسائر القبيلة الجزائرية، فتلقى العربي الرعاية من عند عمه عمار الذي كان عطوفا رحيما به، ومعوضا لابن أخيه حرمان عاطفة الأبوة التي افتقدها بفقدانه والده، أما والدته آمنة فكانت سيدة فاضلة مؤمنة، بدوية شديدة المراس حاطت ابنها العربي بمزيد من العناية دون سائر إخوته، وأخذت بيده ورفعت من معنوياته في الأسرة، وبخاصة بين إخوته. 

نشأ العربي التبسي في وسط عائلي يعتمد على الفلاحة في معيشته، حيث كان عمه فلاحا يتنقل بماشيته بين التل والصحراء ليوفر لها الكلأ والدفء مثلما جرت عليه عادة قبيلة اللمامشة التي كان أفرادها ينتجعون خلال رحلتي الشتاء والصيف التي تبدأ بعد حرث الأرض وبذرها في موسم الخريف وبعد ذلك تتجه العائلات إلى المناطق الدافئة وتقيم في الخيام وترعى ماشيتها، ثم تنتهي الرحلة بمجرد اعتدال المناخ خلال فصل الربيع، حيث يعود عمار مع أفراد عائلته لأرضه ويقيم معهم في كوخ ليحصد منتوج أرضه البعلية صيفا، وقد اشتغل مع عمه في الزراعة حينا ورعي الماشية حينا آخر. 

تأثير الأسرة والمحيط في شخصية العربي التبسي 

أثرت عدة عوامل في تكوين شخصية الشيخ العربي التبسي أهمها: مولده في وسط عائلة محافظة، التي استمد منها الصفات الحميدة والآنفة وهو ما ساهم في صقل شخصيته وتكوينها تكوينا سليما، إضافة إلى احتكاكه بعمه عمار الذي كان حافظا للقرآن الكريم كله، حيث كان ملزما له ويصحبه في حله وترحاله الحالة طيلة طفولته وخلال ذلك كان يحفظ القرآن الكريم على يد عمه عمار، ولم يكتفي بذلك بل واستمد الاخلاق الحميدة من عمه عمار الذي عرف بتدينه الشديد وحبه للعلم ولأهله من معلمين وطلبة، وقد أجرى لطلبته الجرايات والزكوات، ومن جانب آخر فقد تتلمذ أيضا على يدي جده مبارك شيخ القبيلة، فنشأ بذلك في وسط متشبع من الناحية الدينية، وهذا هو الأساس الذي أعطى لشخصية الشيخ العربي تلك الأبعاد التي تميز بها طوال حياته. 

ومن جهة أخرى تأثرت شخصية الشيخ العربي التبسي بالمحيط الذي نشأ فيه فقد وُلد في مضارب فرقة الجدور المعروفة لدى سائر عشائر قبيلة النمامشة بكثرة حفظ رجالها للقرآن الكريم وحرصهم الشديد على تحفيظه لعامة أبناء العشيرة ولغيرهم أيضا، فوالده بلقاسم وعمه عمار بقيا من حفظة كتاب الله بأكمله في العشيرة، كما أن والداه كان من دارسي مبادئ العلوم العربية والدينية، بينما كان أعمامه: الحفناوي، الصادق، مسعود، أحمد، محمد، وعثمان يحفظون كتاب الله، لذلك سميت خيمتهم بخيمة القرآن الكريم، حيث تولوا تحفيظ أبناء العشيرة كلها القرآن الكريم، وكذلك كان أبوهم مبارك عالما وملما بالعلوم الدينية. 

الظروف التي نشأ فيها الشيخ العربي التبسي 

ولد الشيخ العربي التبسي في ظروف جد قاسية، ميزها قانون الأهالي الذي سلطته السلطات الاستعمارية الفرنسية على رقاب الجزائريين، لأجل أن تسيطر عليهم، وما انجر عنه من تأثيرات على الحياة الاجتماعية والواقع الاقتصادي للجزائريين الذين حرموا من التعليم ومن جميع الحقوق ومن متطلبات الحياة، لأجل منعهم من الثورة على السلطات الاستعمارية الفرنسية، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن الشيخ العربي التبسي تكتم بشدة عن تناول طفولته ومراحل شبابه والحديث عن الذكريات التي تعود لهاته الفترة وهذا ما أحدث نقصنا في المعلومات المتعلقة بهاته الفترة، وما تعلق بظروف تربيته القاسية والصارمة التي جعلت منه رجلا موضوعيا يستنكف عن اجترار ذكرياته، إضافة إلى كون إخوته لا يعرفون عنه كثيرا من المعلومات المتعلقة بطفولته وشبابه ومرد هذا يعود لفارق السن الذي كان يبينهم وبين أخوهم الذي كان يكبرهم بعشرين عاما، حيث لم يعرفوه إلاّ كبيرا ناضجا، ووفاة أغلب أصدقائه ومعاصريه ومقربيه في تبسة وقسنطينة، وعدم تعرضهم لشيء من طفولته في كتاباتهم. 

تعليمه 

مثلما تطرقنا في هذا المقال فقد عرفت الخيمة التي ولد فيها الشيخ العربي التبسي بخيمة القرآن الكريم، وهناك تمكن من حفظ القرآن الكريم على يد والده أولا، ثم على يد عمه عمار ثانيا وهو فتى دون سن العاشرة، وقد رأى عمه فيه علامات النجابة ومخايل الذكاء فتركه عهدة عند الشيخ الطيب بن الحفناوي الرشاشي الذي ينحدر من قرية زوي الواقعة بين بلدتي الشريعة وخنشلة، وهو شيخ الزاوية الرحمانية بها، وكان له الفضل في التربية والتعليم بالمنطقة، وقد أحبه الشيخ العربي التبسي وكان يذكره في دروس القرآن، وقد مكث سنتين كاملتين في زاوية أولاد رشاش بزوي، ليعود بعدها إلى دوار السطح وقد حفظ القرآن الكريم كاملا وسنه يقارب الثالثة عشر، وذلك أواخر سنة 1904م. 

وبعد عودته إلى دوار السطح قرر الشيخ الطيب الرشاشي أخذ تلميذه معه إلى زاوية الخنقة المعروفة بزاوية خنقة سيدي ناجي أو بخنقة الليانة، القريبة من مدينة بسكرة، ومكث فيها مدة ست سنوات أتقن خلالها حفظ القرآن الكريم بالقراءة المغربية، وتعلم أيضا مبادئ العلوم العربية والدينية، وليظل بالزاوية طالبا للعلم إلى نهاية سنة 1909م، وفي زاوية الخنقة التي كانت تضم عددا من المساجد والمدارس والمصليات والزوايا، قرأ على يد الشيخين الفاضلين سيدي حامد مدرس الفقه والعربية، وسيدي سالم مدرس القراءات. 

وبتوصية من أساتذته في زاوية الليانة انتقل ليزاول دراسته في زاوية سيدي مصطفى بن عزوز النفطي الجريدي الرحماني سنة 1910م بالجريد التونسي جنوبا، وبها حفظ متون العقيدة وعلم الكلام والمنطق والفقه وعلم الأصول واللغة العربية والأدب شعره ونره وبلاغته، فأتقن متونها من المكودي، والأجرومي، وابن عاشر، ومتن سيدي خليل، ودرس على يد كبار علماء الزاوية أمثال الشيخ الحداد والشيخ محمد بن أحمد النفزاوي والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ التابعي بن الوادي، وغيرهم. 

 محتوى بعض الكتب التي درسها الشيخ العربي التبسي 

من بين الكتب التي درسها الشيخ العربي التبسي هو كتاب متن إبن عاشر المسمى المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، والذي كتبه العلامة عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر الانصاري نسباً، الأندلسي أصلاً، المتوفي سنة 1040 هجري/ 1631 ميلادي، نشأ بفاس التي ولد بها سنة 990 هجري، وبها تلقى تعليمه، وقد ذكر الفضيلي أنه من حفدة الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن عمر ابن عاشر السلاوي المتوفي سنة 765 هجري، وقد تصدَّر للتدريس والمشيخة والخطابة، وشارك في جل العلوم وخصوصا في علم القراءات والرسم والضبط والنحو والإعراب وعلم الكلام والأصول والفقه. ويختص الكتاب بموضوع العقيدة الإسلامية وأصول الدين وعلم الكلام، في الفقه المالكي، وقد شرحه كل من: محمد ميارة، الطيب بن كيران، وابن المؤقت المراكشي، هذا الكتاب الذي يعد عبارة عن منظومة في أصول الدين على مذهب الإمام مالك ضمّت 317 بيتاً من بحر الرجز ذاع صيتها وتلقتها الأمة الإسلامية بالقبول حتى اعتبرت درَّة من دُرر الفقه المالكي.

إضافة إلى كتاب متن الأجُرّومِيَّة وهو كتاب في علم النحو ألفه أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي الشهير بإبن أجرّوم، بدأه بالكلام عن الكلام وأنواعه وتسلسل مع المواضيع بأسلوب بابتكره، سهل المنال للطالبين، ويعتبر من أهم متون النحو العربي ولأهميته البالغة فقد تصدي لشرحها جهابذة العلماء والنحاة قديما، وتدرس في جلّ جامعات اللغة والشريعة الإسلامية، وقد اعتمد عند أهل العلم وتداولوه بالحفظ والإقراء والتصنيف، عشرات الشروح والحواشي على هذا الكتاب الصغير، وهو اللبنة الأولى في هذا الفن العظيم الذي هو النحو، ويبين الكتاب أنواع الكلام وإعرابه، وقد عرض كل ذلك بإيجاز دون أن يكون ذلك على حساب الإيضاح، فبين فيه باب الإعراب، باب المعرفة، علامات الإعراب، ثم عقد فصلاّ في المعربات ثم ابتع ذلك بباب الأفعال، حيث بين أنواعها وأحوالها وإعراب كل حالة وانتقل إلى باب مرفوعات الأسماء ومن ثم باب الفاعل وباب المفعول وبعدها تناول باباً آخر في المبتدأ والخبر والعوامل الداخلة عليه، ومن ثم تحدث في أبواب لاحقة عن النعت والعطف والتوكيد والبدل والمتعديات من الأسماء والمفعول به والمصدر وظرف المكان والزمان، والحال والتمييز والاستثناء والمنادى والمفعول لأجله والمفعول معه ثم اختتم المتن بالمحفوظات من الأسماء. 

                                                                                             …. يتبع 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك