العلاقة بين الأب والابنة في الفيلمين القصيرين Hair Love و Father And Daughter

رمزية الأب في سينما التحريك

ليليا عثمان الطيب

يطلق اسم الرسوم المتحركة على نوع من الأفلام التي تعتمد في تنفيذها على الرسوم فتكون أشخاصها، وكل مرئياتها من رسوم يتم تحريكها على الشاشة أي أنها تعتمد على تحريك الرسوم، وهذه النوعية من الأفلام التي تندرج تحت اسم سينما التحريك تعتبر حقلا خصبا للدراسة والبحث حيث تقدم للباحثين مجموعة فريدة من التساؤلات والتحديات لمعالجتها من منظور معرفي .

أشار مخرج ومنظر الرسوم المتحركة نورمان ماكلارين Norman Mclaren أن الرسوم المتحركة ليست فن الرسومات التي تتحرك، لكن فن التحريك أو الحركات التي يتم رسمها فما يحدث بين كل إطار هو أكثر أهمية مما هو موجود في كل إطار .

ترى لورا مورينو Laura Moreno أن الرسوم المتحركة موجودة حولنا في كل مكان، وتلعب دورا هاما فهي كانت ولازالت وستظل جزءا من حياتنا، لقد نشأنا جميعا نشاهد الرسوم المتحركة، فكنا نعاني حين تكون شخصيتنا المفضلة في خطر، ونتفاعل مع ضحكها وحزنها، ونبكي حين تموت، لقد اعتدنا أن نعيش قصصهم مع كل هذا الكم من المشاعر الصادقة، ونسينا أن وراء ذلك فيلم اعتدنا أن نحبه، وأيضا هناك فريق كامل من رسامي الرسوم المتحركة الذين أمضوا أسابيع أو حتى سنوات يعملون بجد، وأن تلك الشخصيات كانت مجرد رسومات فقط .

تطرح سينما التحريك العديد من القيم والمفاهيم والمبادئ وتقدمها في سياق معين ، بل وقد تساهم من خلال القصة أو إعادة قراءة للقصة وتكييفها كفيلم سينمائي في تشكيل مفاهيم جديدة لم نعتدها من قبل أو تقديم تعريف أو رؤية لموضوع ما في قالب جديد، ومن بين المواضيع التي يهتم صناع الأفلام بطرحها في أفلامهم هي علاقة الأب مع أولاده، ومن أهم الأفلام القصيرة التي تطرقت إلى رمزية الأب وعلاقته بابنته تحديدا هو فيلم الرسوم المتحركة الأمريكي القصير Hair Love  (2019) و فيلم الرسوم المتحركة الهولندي القصيرFather And Daughter  (2000).

 

ملصق الفيلم الأمريكي القصير                               ملصق الفيلم الهولندي القصير

Hair Love               Father And Daughter                  

يتناول فيلم Hair Love  الحائز على جائزة الأوسكار سنة 2019 وهو من إخراج ماثيو.أ.شيري Matthew.A.Cherry صدر سنة 2019 ومدته 6 دقائق قصة طفلة أمريكية من أصل إفريقي تحاول تصفيف شعرها لوحدها من خلال إتباع توجيهات فيديو مصور تشرح فيه والدتها كيفية تصفيف الشعر المجعد والكثيف، ولكنها تفشل في ذلك ثم يحاول والدها القيام بمساعدتها في تسريح شعرها لكنه يفشل أيضا لتشعر الفتاة بالحزن، وتشاهد فيديو والدتها وهي حزينة فيحاول الأب إعادة المحاولة مرة أخرى ويقوم بتسريح شعرها بإتباع توجيهات الفيديو لينجح هذه المرة، ثم يذهبان معا لزيارة والدتها في المستشفى التي أصبحت صلعاء حاليا وتغطي شعرها بوشاح بسبب العلاج الكيميائي للسرطان، فيعانق أفراد الأسرة بعضهم البعض ويرجعون معا إلى البيت. 

تدور فكرة الفيلم حول تسريحة الشعر لكنها أعمق من ذلك فهي تتحدث عن الحب والعوامل المساهمة في دوامه واختار الفيلم أن يكون هذا العامل هو الشعر حيث ينتقل الشعر من شيء مادي إلى رمز عاطفي وعائلي، و تظهر مشاهد الفيلم الدور الذي يلعبه الشعر في تقوية رابطة الحب بين العائلة، رغم غياب الأم يحاول الأب تعويض مكانها فيتم تصويره في أحد المشاهد حين يقوم بمحاولة لتسريح شعر ابنته فيظهر أنه أمام صراع وتحدي كبير فشعر ابنته شبيه بغابة كثيفة يقوم في البداية باختيار حل سهل وهو تغطية شعرها بقبعة ولكن ابنته ترفض ذلك، فيتنقل إلى المرحلة الموالية وهي محاولة تصفيف الشعر باستعمال المشط فقط ليظهر وجهه متصببا بالعرق كأنه أمام مهمة شاقة فيتحول المشط إلى سلاح لمنعه من تسريح الشعر، ثم يتحول الشعر ذاته إلى كائن شبيه بالوحش يتصارع معه في حلبة الملاكمة وينجح في هزيمة الأب، فيقرر الأب وضع القبعة على رأسها كحل نهائي ولكن الفتاة تنزعها وتلقي بها في الأرض وتذهب لغرفته باكية، فيتبعها الأب ليخفف عنها لكنها تغلق الباب في وجهه، فتحضر له الابنة فيديو والدتها ليقرر إتباع التوجيهات وتسريح شعر ابنتها بكل رضا ويظهر الأب مصمما على النجاح، وبعد أن يتم المهمة بنجاح تقوم الابنة بمعانقته  .

أما الفيلم الثاني  Father And Daugter صدر سنة 2000 من إخراج المخرج الهولندي مايكل دودوك دي فيت Michael Dudok De Wit مدته 9 دقائق وهو أيضا حائز على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم قصير سنة 2001، يتناول الفيلم رحلة البحث عن السعادة المفقودة التي جسدها المخرج في صورة الأب الذي يودع ابنته الصغيرة ويغادر  بقارب إلى البحر الواسع، لتقرر الفتاة الصغيرة زيارة مكان رحيل والدها كل يوم لتتفقده لعله يعود وتستمر في ذلك حتى تصبح امرأة كبيرة في السن ومع مرور السنين يجف ذلك البحر أو البحيرة فتقرر الابنة العجوز النزول والمشي من خلال الأعشاب لتجد قارب والدها نصفه مدفونا وسط الرمال فتنام عليه حزينة وفجأة فيما يشبه الحلم أو قيام الساعة تستيقظ العجوز وتسرع لعناق والدها ويظهر تحولها في الفيلم إلى فتاة شابة، مع أن الفيلم صامت ولا يحتوي إلا على موسيقى لكن لغته البصرية واضحة جدا فالمخرج اختار الدراجة للتعبير عن عجلة الزمن وأختار ألوانا ترابية باهتة للتعبير عن الفقد والاشتياق، ورغم اشتياق الفتاة الشديد لوالدها إلا أنها لا تجرؤ على الدخول إلى البحيرة إلا بعد جفافها فالبحر أو البحيرة في الفيلم تعبر عن الذكرى التي تظل تسكننا ونرفض مغادرتها أو نسيانها خاصة حين تصبح تلك الذكرى مرتبطة بأحد أحبابنا.

لقد أختار هذان الفيلمان الأب للتعبير عن فكرة معينة قد تظهر لنا في البداية مرتبطة بشخصية الأب، لكن كلا الفيلمين يطرحان قيم عاطفية وثقافية الأولى تتجسد في الحب والثانية في السعادة ورغم أن الطرح في الفيلم الثاني كان مرتبطا دائما بمكان واحد وشخصية واحدة إلا أننا كبشر أغلبنا لا يعرف قيمة الأشياء إلا بعد فقدها، فحضور الأب هو مكمل لحضور الأم بالنسبة للطفل ولا يمكن إقصاء أحدهما على حساب الآخر ، وربما هذا هو سر نجاح الأفلام المتحركة القصيرة فالصورة البصرية والمشاهد القليلة أحيانا يمكن أن تعبر عن الفكرة وترسخ فينا قيمة أكثر من فيلم طويل مدته ساعة أو أكثر ، حيث يكون مشحونا بالمعاني كأن كل لقطة منه هي ورقة من دفتر يوميات ورقي، ويلعب هنا مخرج الفيلم دوره في صناعة اللقطة التي تخدم الفكرة العامة فالسينما أولا وأخيرا هي مخرج فقد تتشابه الفكرة لكن طريقة الطرح تختلف من مخرج لآخر لتبقى توظيف صورة الأب في كلا الفيلمين طريقة ناجحة خاصة أن أدواره في الحياة متعددة فدوره داخل جدران البيت تختلف كليا عن أدوره خارجه .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك