الغائب الأكبر في ليبيا

بقلم: احسن خلاص

يستمر غرق الليبيين في مستنقع التجاذبات الإقليمية ولا يبدو أن المقبل من الأيام ينبئ بمخرج ينهي ما يقرب من عشر سنوات من القهر الذي وجدت فيه “الجماهير الليبية” نفسها بعد أن سقط قائدها على أيدي قوى خارجية استنجدت بها نخب ليبية من الداخل والخارج كان جلها ولا يزال امتدادا لتكتلات مصالح استراتيجية واقتصادية لقوى أقليمية ودولية بما تتمتع به ليبيا من موقع جغرافي هام بين افريقيا وأوروبا وما تكتنز من ثروات باطنية هائلة من غاز وبترول تحت أرض شاسعة.

 

عندما قرر أردوغان مركزة قوات مسلحة في غرب ليبيا أعلن للعالم أنه جاء إلى هذا البلد بدعوة من الشعب الليبي لتخليصه من الانقلابيين على الحكومة الشرعية تيمنا بما فعله العثمانيون الذين تدخلوا لحمايتها عام 1551 وبقوا فيها إلى عام 1771. وكأن التاريخ يعيد نفسه في عين أردوغان الذي كان قد وقع مع السراج على معاهدة تتضمن حماية سلطة حكومة الوفاق الوطني مقابل استغلال الثروات الواقعة في المجال الحيوي الذي تسيطر عليه ومحاولة بسط السيطرة على مناطق أخرى من الوسط والشرق الليبي. وسرعان ما أثار التواجد التركي انزعاج وقلق العديد من الدول بالنظر إلى الصيد الليبي الثمين لاسيما وأن الإمكانات الحربية التي جندها تدل على أن مروره في المنطقة ليس مرورا عابرا وقد أثبتت ذلك انتصاراته الأخيرة التي قلبت موازين القوة وجعلت الزحف من الغرب نحو الشرق بعدما كان الجميع ينتظر سقوط طرابلس على يد حفتر.

 

بالإضافة إلى القلق الفرنسي والروسي حرص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في آخر خرجة له على مخاطبة الشعب الليبي مطمئنا له أنه من أجله لن يتوانى عن التدخل المباشر لحمايته من “مليشيات” السراج ذي الأصول التركية ومن ورائه المحتل المعتدي التركي. وذهب السيسي إلى القول بأن مصر ليس لها من هدف إلا حماية الشعب الليبي من الاحتلال واستغلال ثرواته غير أن سرت خط أحمر كما قال واحتلالها تهديد للأمن القومي لمصر مما يرشح الوضع لمزيد من التصعيد الذي سيرحل الحل السلمي إلى أجل غير مسمى ويعصف بالجهود التي تقوم بها الجزائر من أجل التوصل إلى حل سياسي يضع مصير ليبيا بين أيدي الليبيين. فقد بينت هذه التهديدات المصرية بالتصعيد العسكري بطلان “إعلان القاهرة” وجردت مصر من أي شرعية للعب دور الحكم. وما يزيد الوضع تعقيدا انفراط العقد الدولي وغياب موقف موحد لدى الدول الكبرى حول مستجدات الوضع فضلا عن غياب الأمم المتحدة أمام تأخر تعيين المبعوث الأممي الجديد خلفا لغسان سلامة. وبالنظر إلى أهمية مدينة سرت وثقلها وموقعها الذي يتوسط شرق وغرب ليبيا، فهي المدينة التي استثمر فيها القذافي واعتبرها، لكونها مسقط رأسه، ملاذه وخط دفاعه الأخير فقد جهزها بموانئ لتصدير البترول وتملك في باطنها احتياطيا هاما من الغاز إضافة إلى أنها لا تزال تحتفظ بمواقع عسكرية تجعل منها منطلقا ممتازا لمن يطمح في السيطرة التامة على البلاد.

 

وفي خضم هذا التدافع يلمع متغير هام بغيابه عن المشهد إنه الشعب الليبي الذي لا يعدو في نظر المتصارعين على الأرض الليبية ذلك الكائن الهلامي الذي يستدعى كشعار عند الحاجة  لإقناع الرأي  العام بنبل المساعي وبالمقابل تقوض كل يوم الجهود القليلة التي يمكن أن تفضي يوما لإشراك الشعب الليبي في تقرير مصيره فكلما تحدث المبعوث الأممي عن مسار انتخابي أو استفتاء على الدستور إلا وعاد التصعيد العسكري بما يوحي أن الجميع متفق على تغييب الشعب.

 

بالمقابل لا نجد لهذا الشعب أثرا على الأرض إلا كأداة في يد هذه القوى ووقودا تتغذى به المساومات وادعاء تمثيل الشعب. لا نكاد نعثر في ليبيا على قوى وطنية تنطلق من رحم الشعب فأغلب النخب السياسية تكون في الخارج في فترة حكم معمر القذافي واكتسب ثقافة سياسية لا تمت بصلة لعمق المجتمع الليبي وبعضها تشكل وعيه السياسي ضمن الصراعات الأيديولوجية والإقليمية جعلت الساحة تنقسم إلى اتجاهات إخوانية وليبرالية وأخرى معادية للجميع وارتباطها بمصالح خليجية ومصرية. الكل يدعي وصلا بالشعب الليبي وهذا الأخير ينتظر من يأخذ بيده إلى بر الأمان.

 

ولعل الخاسر الأكبر من 42 سنة من حكم القذافي هو الشعب الليبي ذاته فالكل يرتزق كيفما اتفق من الفترة التي أعقبت القضاء عليه إلا الليبيون شعبا وقبائل. لم يعمل نظام القذافي في اتجاه تشكيل وعي وطني مؤمن بالإرادة الشعبية ولم يكن الشعب في منظور كتابه الأخضر إلا ذلك الشعار البراق الذي أطلق على لجان أحياء وقرى تجتمع في مؤتمر شعبي عام للتهليل بثورة الفاتح. لقد طال انتظار بروز الإرادة الشعبية الليبية كما برزت في الجزائر وبلدان إفريقية ظلت تحلب من الضرع الليبي لسنوات في ظل حكم القذافي. لن تقوم لليبيا قائمة إلا عندما يعتزم شعبها أن يتشكل من جديد في وحدة متناسقة الأهداف بغية طرد الشياطين التي توسوس بين ظهرانيه وتستعدي جزءا منه ضد الجزء الآخر. حينها ستضطر المجموعة الدولية لأن لا تعامله كشعب قاصر وأن لا تنظر إلى أرضه كأرض مستباحة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك