الفضاء الأزرق ومعركة الأنساب

رؤية من الواقع

الحفناوي بن عامر غول 

 

    نشطت في السنوات الأخيرة ظاهرة الافتخار بالأنساب وادعاء الشرف والانتصار للأشراف والتفاخر بين الناس على الانتساب لفلان وعلان ، كما نشطت ظاهرة النشر والكتابة في الموضوع حيث أصدرت العديد من المؤلفات بمختلف الأحجام والأشكال ومنها المزخرف و المرونق عبر مطابع مختلفة دون تمحيص أو تصحيح ، أو رد ذلك لأهل الاختصاص وللمخابر المختصة في علم الاجتماع المنتشرة في ربوع جامعاتنا. وقابلتها من جهة أخرى الطعن في الأنساب و التنابز بالألقاب.وما نراه من تلاعب في الفضاء الأزرق وكل يغني على ليلاه ، ليس ظاهرة صحية بقدر ما هو إيذان بالدخول في دوامة هدم التراث واستغلالها في البحث عن الهوية(المفقودة) كما يريدها أصحاب الأهواء وإثارة نعرات الانتماء و( تخلاط ) الأعراق ليس إلا؟
وقد أرجعتني الذاكرة إلى الوراء قليلا و ما وقع مع بداية القرن التاسع عشر بين الشيخان الديسي و الخنقي وهما من أتباع مذهب واحد وشيوخ لزوايا علمية مشهورة ومن مريدي الطريقة الرحمانية ، ويشهد لهم بالفضل والرّيادة والتبحر في العلوم و في الإلمام بالموضوع وخاصة الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي العالم بالأنساب ، إلا انه وقع بينهما صراع كبيرا في قضية الشرف واختلافا حير أهل الاختصاص و أتباع الطرق الصوفية في كيفية معالجة موضوع واحد بطريقتين مختلفتين وكلاّ يدعي معرفته وينادي بصواب رأيه . ولا ينكر على احد التفاخر بأصله ومنبته وأهله والحديث عن شرف نسبه ورفعة قبيلته . ومردّ ذلك الحفاظ على الأنساب مما لحقها من تشويه وطمس للهوية والتي تدخل كلها في دائرة حماية النسب الشريف المرفوع إلى حضرة المقام الأعلى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة رضوان الله عليهم ، بعيدا عن التلاعب والانتصار للرأي على حساب الحقيقة . وكان الديسي حكيما في معالجة الموضوع حينما هدم منار الشيخ عاشور الخنقي واصدر كتاب ( هدم المنار وكشف العوار) ليترصد عثراته ويؤكد أن الأخلاق تتحكم في الشرف والنسب قبل كل شيء. وقد وجد معارضة شديدة من بعض الأدعياء مما جعله يفر برأيه عائدا إلى مسقط رأسه لأنه انتصر للحق وللأخلاق ولم نأخذ نحن الدروس من الحوادث المماثلة ودخلنا في دوامة التلفيق والكذب وادعاء الشرف لنشهد معارك يخوضها الإمعة في الفيسبوك أنستنا حقيقة الوجود (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ بعيدا عن الجدال والقيل والقال وكثرة السؤال وضياع أوقاتنا في البحث عن القشور ولا نعتبر حينما نقرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) ومنها نصطدم بواقع قد نندم عنه !.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك