القدس.. صراع سينتهي بالتطهير والتحرير

د. محمود العجرمي

شكلت القدس حجر الزاوية للصراع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني مستندًا إلى حلفائه الطبيعيين عربًا ومسلمين وأحرار العالم، في مواجهة الهجمة الكولنيالية الصهيونية العنصرية التي استندت منذ البدء على الظهير الاستعماري الغربي الأوروبي الأمريكي والذي أوجد المشروع وتحول فيما بعد يهوديًّا يتحالف مع ظهيره ويؤدي دورًا وظيفيًّا يمتد حتى اليوم.

لقد اشتد أوزار هذه المعارك الوجودية الدموية مذ أن وطئت أولى موجهات الهجرة اليهودية الإحلالية أرض فلسطين العربية قبل أكثر من قرن ونصف بإسناد غربي واسع منهجي ومتتابع ومنظم.

والقدس أرض وطنية فلسطينية عربية خالصة، وستبقى ترتبط بعقول وقلوب أبناء الشعب الفلسطيني المرابط والصامد وبوجدان المسلمين كما المؤمنين المسيحيين، وهي ذات مكانة دينية عقدية راسخة، ففيها الحرم القدسي الذي يضم المسجد الأقصى الشريف وقبة الصخرة وأولى القبلتين وثالث الحرمين وثاني المسجدين، بوابة السماء وأرض الرباط الذي بارك الله فيها وما حولها.

وبقيت فلسطين هدفًا مركزيًّا للحركة الصهيونية وبتخطيط ودعم الغرب الاستعماري حتى تم احتلالها حين تحرّكت عصابات الحركة المسلحة لتحتل مساحات واسعة منها عام 1948 ما يقدر بـ 78.4% وكان من بينها ما اصطلح على تسميته من ذاك الحين بالقدس الغربية والتي تعادل ما مساحته 86% من القدس ككل أما القسم الشرقي فلا يزيد عن 14%.

وأُشير هنا إلى أن القدس لم تكن جزءا مما أطلقوا عليه بـ “الدولة اليهودية” الوارد في قرار التقسيم الأممي الظالم وغير القانوني أو الشرعي، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 181 عام 1974.

وتابع الكيان الاستيطاني الوليد توسيع المدينة بعد عدوان 5 حزيران عام 1967 حين احتل الضفة الفلسطينية التي أسموها الغربية حين تأسست المملكة الأردنية الهاشمية بعد مؤتمر أريحا عام 1950 وتم ضم هذا الجزء من الوطن لأنه يقع غرب نهر الأردن، ثم قام أعلن العدو ضمها بقرار من الكنيست لكيانه عام 1980 وهو الذي لا قيمة قانونية له ولا يساوي قيمة الحبر الذي دون فيه.

ولم ترعوِ دولة العدو بعد ذلك، بل استمرت سادرة في غي عدوانها السافر، فاستمرت في خرق كل ما يمت بصلة للقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية -ومنذ البدايات الأولى-بتغيير معالم المدينة الجغرافية والديمغرافية لتهويدها سعيًّا منها لإنهاء الوجود الفلسطيني الأصيل في جنباتها الطاهرة.

لقد تابعت بلدية المدينة بتهويد أسماء شوارعها وحاراتها وأزقتها العتيقة وزرع المستوطنين الصهاينة فيها وحفر الأنفاق تحت المسجد الاقصى تمهيدًا لإسقاطه وفق مخططهم لبناء مكانه هيكلهم الثالث المدّعى، وتشييد الطرق والحدائق العامة ومحطات السيارات والمتاحف اليهودية المفتعلة على أنقاض كل ما يتمكنون منه من المعالم التي تعطي للمدينة ملامحها العربية الإسلامية الأصيلة.

لقد وصل هذا اليوم إلى المقبرة اليوسفية التي تقع إلى جوار المسجد الأقصى المبارك حيث ينتفض أهل القدس وحماتها في وجه هذه الهجمة المسعورة حيث تجري عمليات الكر والفر بين المتظاهرين وقوات الاحتلال وشرطته وأجهزته الأمنية المدججة بالسلاح والكراهية التي تستخدم قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص الحي والمطاطي واعتقال المواطنين الفلسطينيين على مدار الساعة.

وتتكرر الآن الدعوات المقدسية للتواجد في المقبرة اليوسفية وعلى نحو خاص مع صلوات المغرب والعشاء لإيقاف عمليات جرافات وآليات الاحتلال لتجريف وتدنيس المقبرة.

وحتى تخفي قوات الاحتلال وشرطتها جرائمها فإنها تقوم وبأساليب وحشية بقمع واعتقال الصحفيين الفلسطينيين والأجانب والنشطاء المتضامنين خشية فضح هذه الأفعال غير الإنسانية التي لا تكتفي بكل انتهاكاتها ضد الأحياء من أبناء شعبنا الفلسطيني بل وتعتدي وتنتهك حرمة الأموات من الشهداء والصحابة والصالحين الذين دخلوا فلسطين فاتحين.

إن الكيان الاستيطاني في فلسطين المحتلة يفتح حرب دينية ستضع المنطقة والإقليم والعالم أمام استحقاق يقتضي التدخل الحازم والحاسم الذي يجب أن يلجم هذا الانحدار الأخلاقي أو أن ارتداداته ستودي بالسلم والاستقرار الدولي إلى الهاوية.

 

لقد عبّرت عديد المؤسسات ورفعت الصوت عاليًا مستنكرة هذا التغول السافر، وفي هذا السياق عبّر المحامي والناشط الحقوقي الفلسطيني: “بدون الموقف الرسمي الذي يسند الموقف الشعبي، سيستمر الاحتلال وأذرعه في إخفاء معالم جريمة نبش القبور وقبل أن تصل إلى أسماع العالم”.

 

لقد عبّرت عديد المؤسسات والشخصيات الوطنية عن ضرورة التحرك والفعل الميداني لوقف تجريف وتحريف معالم المدينة المقدسة وشواهدها الاسلامية والمسيحية مطالبة بحماية هذه الآثار الخالدة للمقبرة اليوسفية التي يرقد فيها من رحلوا من أهل القدس وكبار علماء المسلمين ومعهم مئات الشهداء الفلسطينيين والعرب لطمس معالمها الجليلة والتي لا يدنسها أي أثر يهودي يتلطون خلفه لدعم مزاعمهم المنكرة فيرتكبون هذه المجازر المدانة والتي تعتبر بحق جرائم ضد الإنسانية وتطهيرًا عرقيًّا وثقافيًّا.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك