اللغة اللوبية أصل اللهجات الأمازيغية المعاصرة

قراءة ووقفة

عبد الجليل الوالي  /جامعة الأمين دباغين – سطيف – تخصص : تاريخ المغرب قديم 

 

ساد لدى سكان بلاد المغرب القديم العديد من اللغات، نظرا لموقعها الاستراتيجي ولانفتاح سكانها على ثقافات الشعوب المجاورة لها ، فقد تمركزت الإغريقية في قورينا والفينيقية في قرطاجة ثم اللاتينية في كثير من مناطق البحر المتوسط، أما لغة سكان بلاد المغرب القديم الأصلية فهي اللغة اللوبية التي اندثرت منذ قرون ،بينما لاتزال اللهجات المنحدرة منها حية إلى اليوم ومتداولة في الحياة اليومية عند الملايين المتكلمين بها، وهي ما يعرف حاليا باللهجات الأمازيغية المعاصرة خاصة في كل من :” ليبيا – تونس- الجزائر – المغرب الأقصى .”

فقد كانت اللغة اللوبية اللغة المشتركة للمغاربة القدماء في كامل المنطقة الممتدة من سيوة شرقا إلى جزر الكناري غربا ، ومن ضفاف البحر المتوسط شمالا إلى أطراف الصحراء الكبرى جنوبا ، وقد كانت اللغة اللوبية لغة مكتوبة لها أبجديتها ، لكن الاحتلال الروماني الذي سيطر على البلاد لعدة قرون فرض لغته على سكان المنطقة ، فتحولت اللغة اللوبية الى لغة شفوية بعد أن فقد المغرب القديم سيادته.

أ- اللغة اللوبية :

تدل اللغة على الأصوات المنطوقة التي تكون كلمات وجملا ، وهي أداة تعبير وتواصل بين الأفراد والمجتمعات وهي منظومة صرفية ونحوية، قسمت حسب الباحثين إلى أسر وعائلات حسب اشتقاقها وتفرعاتها، حيث اختلفوا في تصنيف اللغة اللوبية إما سامية أو حامية أو مشتقة من الفينيقية، و بالعودة إلى المصادر الكلاسيكية القديمة نجد هيرودوت في القرن الخامس ق.م، قد تحدث عن قرابة بين الليبية والمصرية الفرعونية، كما ذكر سالوستيوس بأن النوميد يتحدثون لغة مختلفة عن لغة المستوطنين الفينيقيين  

وتشير الباحثة “مها عيساوي’ إلى أن المختصين في مجال اللسانيات السامية قد أطلقوا على اللغة اللوبية تعريف بأنها تلك الأصوات والكلام الذي تداولها المجتمع المغاربي القديم منذ الألف الأولى قبل الميلاد واتضحت معالمها في مرحلة حكم أسرة شيشنق وتكلمت بها القبائل المنتشرة على طول المستوطنات الفنييقية في غربي المتوسط. أما إذا طبقنا المقياس التاريخي على هاته التسمية فينطبق على الفترة المحصورة بين القرن الثامن والقرن الرابع قبل الميلاد ، أما تسميتها باللغة النوميدية فينطبق على فترة الممالك المحلية سواء النوميدية أو المورية، كما تأثرت اللغة اللوبية باللغات الأخرى وأثرت فيها عبر العصور، واقتبست منها كلمات عديدة كشأن جميع اللغات نتيجة للاحتكاك بالأقوام الأخرى سواء بحكم الجوار أو بالتجارة أو الحروب و الاحتلال، ويذكر الباحث الفرنسي  باسي Basset، أن سكان بلاد المغرب القديم اعتمدوا على المشافهة ولم تكن لهم  لغة رسمية على عكس اللغات القوية المعاصرة لها مثل : الفرعونية واللاتينية، اللتين كانتا تتمتعان بالحماية في كنف القوة السياسية، ومع ذلك اندثرتا من الوجود وكأنهما ارتبطتا بالنظام، بينما استمرت اللغة اللوبية التي فقدت السند السياسي منذ زوال المملكة النوميدية التي وجدت سندها في التضاريس الجغرافية ولذلك استمرت في المناطق الجبلية بوجه خاص ولم تتأثر بالغزوات التي حلت ببلاد المغرب عبر التاريخ، فاتساع الرقعة الجغرافية والعزلة سببت ظهور لهجات لكل منها خصوصياتها رغم أنها تنحدر كلها من لغة مشتركة “اللغة اللوبية”، ومن أهم هذه اللهجات المستمرة إلى حد الآن ، والتي وضح تقسيماتها المؤرخ العربي عڨون في سبع  مجموعات وهي : 

  • السيوية : وهي لهجة واحة سيوة قرب الحدود المصرية الليبية ،حيث كانت تلك الواحات بوابة لبلاد لمغرب من الجهة الشرقية،
  • النفوسية : وهي لهجة جبل نفوسة ومدينة زوارة الليبية وجزيرة جربة بتونس 
  • ورغمة : لهجة أمازيغية انتشرت في عدة جهات بتونس وهي في طريق الإنقراض 
  • الزناتية : وتنتمي إليها لهجة الظهرة من تيبازة إلى مستغانم والشاوية في الشرق الجزائري، والمزابية في واحات غرداية وورقلة، والزناتية في الونشريس ،وقلعة السند بتونس وواحات تيميمون وقورارة وكذا لهجة ناحية تلمسان (بني سوس والغزوات)
  • لهجة كتامة : أو القبائل الصغرى تنتشر هذه اللهجة في المنطقة الساحلية مابين مدينتي سكيكدة وجيجل.
  • الصنهاجية : وهي لهجة زواوة في قبائل جرجرة وكذلك لهجة التوارق في الجنوب 
  • المصمودية : تنتشر في المغرب الأقصى ومنها اللهجة الشلحية.

كما تميزت اللغة اللوبية القديمة بمجموعة من الخصائص منها : الابتداء بساكن ، ظاهرة تاءات التأنيث في بداية ونهاية الكلمة، ظاهرة الوتم وهي ظاهرة صوتية تقلب فيها السين تاء ، والتمييز بين الضمائر المتصلة والمنفصلة ، 

وتصدر الفعل للجملة، وكذا قوة مستوى الأصوات وتنوع مخارج الحروف. وتبلغ حروف أبجديتها 30 حرفا.

ب- الكتابة اللوبية : 

تعرف الكتابة اللوبية أيضا بالكتابة النوميدية حيث أطلق عليها هذه التسمية الضابط العسكري الفرنسي -فيدارب- المتخصص في دراسة النقوش ، حيث علل ذلك بكثرة النقوش المتواجدة بنوميديا الشرقية، فهي كتابة صوتية وليست مقطعية، وقد أكد ذلك القس فولجانسيوس الذي عاش في بلاد المغرب خلال القرن الخامس ميلادي، كان أول من أشار إلى أن الكتابة اللوبية أبجدية و ليست رموزا، فحروفها عبارة عن خطوط مستقيمة أفقية تارة وعمودية تارة أخرى ،  وهناك الدوائر وأنصاف الدوائر وتعد رموزها أقرب إلى الأشكال الهندسية منها إلى الخط المكتوب، وحسب ما توصل إليه الباحثون فإن أدق فرضية تقول أن أصل الأبجدية اللوبية هو الأصل السامي ويستدل على ذلك من النصوص المزدوجة والأسطر الأفقية، وعدد حروفها 30 حرفا وانها ساكنة غير متحركة، لقد توصل الباحثون إلى تقسيم الكتابة اللوبية وتصنيفها بناءا على مناطق تواجد النقوش التي احتوت النصوص اللوبية واتجاه الأسطر أفقية كانت أم عمودية.

الكتابة اللوبية الشرقية : تعرف بالأبجدية الشرقية، كتبت في النصب بشكل أفقي تقرأ من اليمين إلى اليسار، انتشرت في نوميديا الشرقية وعرفت بكتابة قبائل الماصيل، وردت نصوصها مزدوجة الكتابة في النقوش منها : البونية – اللوبية ، البونية الجديدة – اللوبية ، اللاتينية – اللوبية، و اعتمادا على المنهج المقارن تمكن الباحثون من فك رموز الكتابة اللوبية. وأشهرها نقش دوڨة بتونس المزدوج الكتابة لوبي-بوني الذي اكتشفه القنصل الإنجليزي توماس داركوس سنة 1631م.

– الكتابة اللوبية الغربية : 

تعرف بالأبجدية الغربية، وكانت تكتب بطريقة عمودية وتقرأ من الأسفل إلى الأعلى، انتشرت في كامل نوميديا الغربية أي بلاد الماصيصيل، ولكن هذا لم يمنع من انتشارها في بعض مناطق الماصيل ذلك أن رسم بعض الأحرف في الكتابة الغربية يشبه في رسمه بعض الأحرف في الكتابة الشرقية، تضمنت النقوش اللوبية المكتشفة في نوميديا الغربية عددا محدودا من النصوص الكتابية، وقد وصل عددها إلى 38 حرفا،  ولا تزال القيم الصوتية للحرف الكتابي في الأبجدية الغربية غير معروفة ،  لأن معظم النصوص لم تكن مزدوجة بكتابة رسمية تسمح بالمقارنة والتحليل اللغوي كما كان الحال في نقوش دوقة، و إنما كانت وحيدة الكتابة.

  •  تطور النقوش والكتابة اللوبية خلال فترة الرومانية : 

عرفت النقوش التي عثر عليها الباحثون في بلاد المغرب القديم منذ عهد الإمبراطور أغسطس بثلاث أنواع من الخطوط هي : اللوبية، البونية واللاتينية ، 

وقد قدر الباحث الفرنسي  شابو عدد النقوش اللوبية التي عثر عليها في العهد الروماني بحوالي 1100 نقشا، ثلثيها نقوش لوبية صرفة و بالرغم من انتشار اللغة و الكتابة اللاتينية في المغرب القديم كلغة للمعاملات الرسمية فإن هذا لم يمنع انتشار اللغة والكتابة اللوبية في المناطق الداخلية، وقد قسم الباحثون الكتابة اللوبية في الفترة الرومانية إلى أربعة أنواع وهي : 

  •  الكتابة الماصيلية : انتشرت هذه الكتابة في المنطقة التي تمتد ما بين توبور بوسيكوبور “تبرسق” والجم بتونس 

وإيومنوم ‘تيقزيرت’ بتيزي وزو.

  • الكتابة الماصيصيلية الشرقية : 

وقد وجدت نقوشها في المنطقة الممتدة ما بين تيقزيرت و كارتيناي “تنس” بالشلف.

– الكتابة الماصيصيلية الغربية : كانت تنتشر في المنطقة الممتدة مابين طنجاي وفولوبيليس “وليلي” بالمغرب الأقصى،  

الكتابة الجيتولية : وجدت في المنطقة الممتدة ما بين جنوب فولوبيليس إلى جنوب تاكاب – قابس حاليا – أي التخوم الصحراوية، حيث كان الجيتول يتنقلون ، وهي المعروفة في المصادر بالكتابة التيفيناغية – كتابة التوارق – والتي تعني إكتشافنا تتكون من 22 حرفا  

– أنواع النقوش اللوبية : 

يمكن تحديدها في مجالين :

– النقوش المزدوجة لوبية – لاتينية :  يعتبر هذا النوع من النقوش الأكثر انتشارا في المغرب القديم ، حيث استخدمت على جانب اللاتينية في المعاملات الرسمية وهذا يعني أن الكتابة اللوبية استمرت في تأدية دورها الحضاري طيلة فترة الاحتلال الروماني.

النقوش الصرفة في إقليم نوميديا : يعرف هذا النوع بالنقوش وحيدة الكتابة، وهي غالبا عبارة عن نصوص لوبية صرفة يتضمنها النقش ، وقد إنتشرت بتركيز في إقليم نوميديا الشرقية ثم الموحدة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك