المسؤولية الجنائية عن الخطأ المهني للطبيب

تقدير موقف

بقلم الدكتورة:لوني فريدة /جامعة البويرة

 

لقد أنقذ الطب الحديث البشر من الأمراض والأوبئة التي حصدت أرواح الملايين في الماضي، لكن العمل الطبي لا يخلو من الأخطاء التي يتسبب فيها الطبيب، هذه الأخطاء لم يكن ليحاسب عليها في الماضي، غير أن ازدياد وعي الناس بأن  بعضها ليس قدرا محتوما بل هو نتيجة عدم  تبصر أو إهمال أو رعونة، وكان بإمكان الطبيب تفاديها لو أنه احتاط وأولى عناية الرجل العادي من حيث التكوين والانتباه.

بما أن الطبيب يعتبر بمثابة طوق النجاة لكل مريض يلجأ إليه، فيجب عليه أن يبذل العناية الكاملة مستخدما أقصى مهاراته الفنية و معارفه لرعاية المريض مقابل أتعاب يتقاضاها من طرف المريض، ولا تسقط مسؤولية الطبيب إلا باختيار المريض لطبيب آخر، وعلى الطبيب أن يرشد المريض إلى من يفوقه خبرة إذا لم يستطع أن يشخص المرض .

الجدير بالذكر أن الطب مهنة أخلاقية و نبيلة و هو من أسمى و أرقى الرسالات وأكثرها تطورا و الذي يفترض مباشرته من طرف طبيب يقض وواع و متبصر و ملم بالقواعد الطبية، كما يكون من شخص جند نفسه من أجل القيام بعمل إنساني يتصل بإنقاذ حياة المريض و تحقيق سلامته الجسدية بقصد الشفاء، وهذا ما أدى في وقتنا الراهن إلى تغيير النظرة إلى الحقوق و الواجبات بالنسبة للأفراد، و بالتالي إلى وجوب تغيير معايير المسؤولية الجنائية.

لذا فإن الأطباء على اختلاف تخصصاتهم قد يرتكبون أخطاءً جزائية أثناء ممارستهم لعملهم، فقد  تكون المسؤولية عن فعل عمدي أو غير عمدي، وسنركز على الفعل غير العمدي ( الخطأ) كالجرح والقتل بسبب الإهمال، الرعونة، عدم الاحتياط، عدم الانتباه أو عدم مراعاة الأنظمة والقوانين، أما الجرائم العمدية فهي كالإجهاض والتزوير في التقارير والقتل الرحيم …الخ

تتطلب ممارسة الأعمال الطبية والجراحية المساس بسلامة جسم الإنسان، ولما كان المشرع يجرم هذا المساس  فإن الأعمال الطبية لا تتطابق مع ذلك، رغم هذا لا يعاقب الطبيب إذا اضطر وهو يزاول مهنته إلى التعرض لأجسام المرضي بالإيذاء، فلا يقبل من الجاني أن يدفع بأنه ارتكب الفعل تلبية لطلب المصاب، ولكن السند في ذلك هو إباحة الأعمال الطبية التي يباشرها الطبيب على جسم المريض حسب المادة 39 من قانون العقوبات الجزائري، فهي ليست من قبيل الاعتداء على  جسم المريض كما اعتبرها الاجتهاد القضائي مبررة بحالة الضرورة.

يفرض القانون التزامات على الشخص حتى لا يضر بغيره، ومن هذه الالتزامات أن يحتاط في تصرفاته ولو بحسن نية من المساس بجسم الإنسان أو روحه، فلا يجوز له أن يتصرف كما شاء برعونة أو إهمال ثم يدفع عند وقوع الضرر بأنه لم يقصد ذلك، وأكثر المجالات التي تقع فيه هذه الأخطاء هي مجال الطب ومخالفات المرور.

 قد يقع الخطأ الطبي في التشخيص أو في وصف العلاج أو تنفيذه، حيث نصت المادة (13) من المرسوم التنفيذي رقم 92-276  المتضمن مدونة أخلاقية الطب على أن”الطبيب أو جراح الأسنان مسؤول عن كل عمل مهني يقوم به”، كما تنص المادة (17) من نفس المرسوم على أنه “يجب على الطبيب أو جراح الأسنان أن يمتنع عن تعريض المريض لخطر لا مبرر له خلال فحوصه”.

    يتمثل خطأ الطبيب في الإخلال بالتزام قانوني ببذل عناية اليقظة والتبصر والحذر حتى لا يضر بالغير وليس تحقيق نتيجة، فإذا انحرف عن ذلك ونتج عنه ضرر وجب مساءلته جزائيا، إن معيار خطأ الطبيب هو معيار موضوعي يقيس الفعل على أساس سلوك معين يختلف من حالة إلى أخرى وهو سلوك الشخص العادي، أي أن القاضي يقيس سلوكه بسلوك الطبيب في نفس الظروف ونفس التأهيل، وهناك عدة أنواع للخطأ الطبي نذكر من أهمها:

1-الخطأ في التشخيص : التشخيص مرحلة تسبق مراحل لعلاج وهي أدق وأهم من المراحل الأخرى، ففيها يحاول الطبيب معرفة ماهية المرض ودرجة خطورته وتطوره وبناء على ذلك يقرر ما يجب القيام به، ويتم ذلك بناء على إجراءات من شأنها إبعاد الخطأ كالتحاليل وتصوير الأشعة والاستعانة بالأطباء الآخرين ذوي الاختصاص، فإذا ثبت أنه تسرع في وصف المرض وفحص المريض بصورة سطحية كان مسؤولا عما يحدث بعد ذلك من عواقب وخيمة، ولا يعفى من المسؤولية إلا إذا كانت الأعراض متداخلة ومعقدة.

2-الخطأ في العلاج : بعد الفحص تأتي مرحلة العلاج وكيفيته، فالطبيب في هذه المرحلة غير مجبر على تحقيق النتيجة لكنه ملزم ببذل عناية الطبيب اليقظ الذي يحرص على مصلحة المريض، فيبعد عنه ما يضره قدر الإمكان وفقا للأصول العلمية الثابتة وما توصل إليه العلم فيختار ما يراه مناسبا ، فإذا وصف دواء غير مناسب للمريض أو أخطأ في تقدير الجرعة وترتبت عن ذلك أضرار كان مسؤولا عنها، وله أن يوازن بين أخطار العلاج وأخطار المرض.ويمنع عليه العلاج بقصد التجارب العلمية فلا تجوز له المغامرة بجسم المريض ، كما أن رضا المريض غير مبرر بإجرائها باعتبار أن ذلك يمس بالنظام العام، حيث منعت المادة(18) من مدونة أخلاقيات الطب استعمال العلاج الجديد للمريض إلا بعد دراسة بيولوجية ملائمة تحت رقابة صارمة كما نصت على ذلك المواد(193 مكرر-265 مكرر 2 ومكرر 3) من قانون الصحة.

3-الخطأ في التخدير : حتى يكون العلاج جراحيا لابد من استعمال التخدير كوسيلة للتقليل من آلام المريض، وهي عملية لا تخلو من الخطورة مما يوجب معه عناية فائقة من حيث قدرة المريض على تحملها، وقد أصبح هذا النوع من الطب تخصصا قائما بذاته، وعلى الطبيب القائم به أن يراعي أصول الفن في ذلك تحت طائلة مساءلته جزائيا إن وقع تقصير من طرفه أثناء وبعد العملية.

ومن الملفات القضائية في هذا الموضوع أن طبيبا خدر مريضة ثم انصرف وتركها تحت رعاية شخص آخر ليس أهلا لذلك، وبعد عودته وجد أنبوب الأكسجين ملتويا فماتت بسبب هذا وتمت إدانته مع براءة الجراح .

4-الخطأ الجراحي: تنطوي الجراحة على جانب كبير من الأهمية والخطورة، وهي تتطلب حذرا وحيطة تتجاوز غيرها من التخصصات لأنها غير مضمونة النتائج، ويسأل الجراح عن نسيان أشياء في جسم المريض ويسأل عن التأخير في إجراء العملية وعدم المتابعة بعد ذلك، وهو مسؤول عن المستخدمين معه والذين يعملون تحت إشرافه، وهو مقيد بالتزام عام حول اليقظة والانتباه والمساس بأعضاء أخرى غير تلك المبرمجة لجراحتها.

*مالا يشكل خطأ طبيا :الأعمال التي لا تشكل خطأ هي حالتين هما:

الحالة الأولى -الفشل الطبي: هو أن إجراء  طبيا معينا لم يتحقق الهدف الذي كان مرجوا منه إذا لم تتحسن حالة المريض بل زادت خطورة، فالفشل في حد ذاته لا يشكل خطأ لأن الطبيب ملزم ببذل عناية لا تحقيق نتيجة ما لم يكن هناك تقصير من طرفه أدى إلى هذا الفشل.

الحالة الثانية-حالة الخطر الطبي:  يقصد به خطر محتمل وقوعه من وجهة النظر الطبية وهو حادث غير مرغوب فيه ومعروف إحصائيا ومن شأنه أن يشكل ضررا، أي أن نسبة الخطر مبنية على إحصائيات مسبقة، فكل عمل طبي جراحي فيه خطورة وعلى المريض أن يقبل أو لا يقبل ذلك الخطر، ولو أن هذا لا يعفي الطبيب من أخذ الحيطة في تجنبه.

*صور الخطأ الطبي : لكي تعتبر أفعال الأطباء مجرمة يجب أن يتوفر عنصر واحد على الأقل من العناصر التالية المذكورة في المادة 288 من قانون العقوبات وهي:

أولا/الإهمال: هو موقف سلبي من الجاني الذي لم يقم بواجب كان يتعين عليه القيام به  لمنع الخطر وكثيرا ما يتداخل هذا العنصر مع عدم الاحتياط، مثال ذلك ترك ضمادة في جسم المريض أثناء الجراحة وعدم متابعته بعد العملية، والتأخر في إسعاف المريض وإبعاد الخطر عليه.

ومن قرارات المحكمة العليا في هذا الصدد أن طبيبا كان يعمل بعيادته بينما كان مكلفا بالمناوبة في المستشفى وبعد إحضار مصاب في حادث  مرور، فتوفي المريض نتيجة تأخر الطبيب في الوصول إلى المستشفى، من جهة أخرى فان الإهمال يكون من قبل المساعدين الطبيين مثال ذلك أن ممرضة لم تقم بربط الحبل السري لمولود مما نتج عنه نزيف أدى إلى وفاته.

ثانيا/الرعونة: حالات الرعونة تقع عادة في الجراحة و التوليد، وهي تعني  قيام الطبيب أو القابلة بأفعال تتسم بالخشونة في التعامل مع جسم المريضة الخاصة في عملية التوليد، فهناك إعاقات تصيب المولود بسبب الرعونة، ومثال ذلك أن امرأة عرضت نفسها على طبيب قصد توليدها قبل التاريخ المحدد فتبين أن وضعية الجنين غير عادية، وبتاريخ الولادة لم يأمر بتحويلها إلى المستشفى بل قام بنفسه بتوليدها، وطلب من أمها مساعدته في جذب الولد من رجليه لكن رأسه انفصل عن جسده وقبل وصولها إلى المستشفى توفيت.

    حاول الطبيب إلقاء اللوم على أم المتوفاة بأنها هي التي جذبت الجنين لكن ذلك لم يبرأه لأنه هو من طلب منها ذلك، وكان عليه طلب المساعدة من أخصائي أو إرسال المريضة إلى المستشفى قبل استفحال وضعيتها.

ثالثا /عدم الاحتياط : هو عدم الانتباه لخطر كان متوقعا و معروفا ولكن الطبيب لم يعمل على تجنبه إما جهلا أو نسيانا فأحدث بذلك ضررا للمريض، وحالات عدم الاحتياط عديدة لا يمكن حصرها ومنها على سبيل المثال ملف قضائي نص فيه على متابعة طبيب كان يتابع حالة امرأة حامل لم يقم بالاحتياط اللازم لصحة الجنين فأصيب بمرض نتج عنه فقدان بصره وولد كفيفا. *مسؤولية الفريق الطبي و المستشفي (شخصية المسؤولية):

1-مسؤولية الفريق الطبي: قانون العقوبات لا يأخذ بالمسؤولية الجماعية ،فالمسؤولية الجزائية خطأ شخصي لا يحاسب عليه إلا المعني به، وقد كان الاجتهاد القضائي في البداية يحمل المسؤولية للجراح وحده لكنه تراجع وصار يبحث عنها بالنسبة لكل عضو في المجموعة خصوصا بعدما أصبح التخدير تخصصا قائما بذاته.

 ويقع عبء الإثبات على المريض أو النيابة العامة وعلى أن الطبيب أن يثبت عكس ذلك ويبقى تقدير الخطأ للقاضي مراعيا سلوك الطبيب ومقارنته بأمثاله من الأطباء في نفس المستوى وفي نفس الظروف، وقد يلجأ إلى خبرة محايدة توضح وجود أو عدم وجود الخطأ.

حيث يختص الطبيب بالعمل الطبي الفني أما أعمال المعالجة والتمريض فهي منطوقة بالممرضين الذين يساعدونه لكنهم يعملون تحت إشرافه، فهم لا يقومون بأية مبادرة شخصية بل يتقيدون بتعليماته،  فإذا ما خالفها سقطت مسؤوليته, لكن تنفيذ تعليماته المبنية على خطأ يجعله مسؤولا عنها.

كما أن الطبيب الملازم (المقيم) لا يتمتع بحرية ممارسة العمل الطبي وإنما تحت إشراف الطبيب المسؤول الذي يعطيه التعليمات ومخالفتها تجعله مسؤولا وحده عن تصرفاته (م 222 و 222 من قانون الصحة).

2-مسؤولية المستشفى : المستشفى كشخص معنوي قابل للمساءلة الجزائرية وفقا للتشريع الجزائي ما لم يكن عموميا أي عندما يكون المستشفى خاص، فالطبيب يمارس عمله في معالجة المريض أو تدخله الجراحي وهو غير خاضع لأحد، وبالتالي يتحمل مسؤولية أخطائه الجزائية و إن مارس مهنته كموظف لدى هيئة استشفائية، إلا أنه ليس لها سلطة إصدار الأوامر والتعليمات أو التدخل الجراحي.

وهناك من يخالف هذا الرأي ويحمل المستشفى عن كامل الخطأ في العلاج و التشخيص وعلى أي حال فإن هذا يتعلق بالمسؤولية المدنية (تعويضات)، أما المسؤولية الجنائية فلا تقوم تجاه المستشفى إلا إذا كان هناك إهمال من طرفه، كما في حالة انتقال العدوى بسبب عدم فصل المرضى عن بعضهم حسب نوعية مرضهم، أو انقطاع التيار الكهربائي وتوقف الأجهزة بقاعة الإنعاش دون أن يكون هناك بديل لذلك، أي أن الخطأ ناتج عن سوء التسيير ذاته.

*رضا المريض: يتعين على الطبيب عند القيام بإجراء يشكل خطورة على حياة المريض أن يطلب الموافقة على ذلك من المريض أو الأشخاص المسؤولين عليه إذا كان غير قادر على الإدلاء بموافقته، فإذا رفض العلاج تعين عليه أن يقدم تصريحا كتابيا في هذا الشأن.

ومثال ذلك لكم إدخال مريض إلى المستشفى مصابا بمغص حاد مصحوبا بأعراض الزائدة الدودية، وعندما فتح الطبيب بطنه وجد كليته ملتهبة وتالفة وفي غير موضعها الطبيعي فقام باستئصالها حرصا عل حياة المريض، ولم يكف المجال لأخذ موافقته لكنه اتهم طبيب بعد شفائه بسرقة كليته، إذا ادعى المريض أنه لم يوافق على التدخل الجراحي وعلى الطبيب إثبات العكس.

وقد أشارت المادة 51 من مدونة الأخلاقيات الطبية أنه يجوز إخفاء مرض خطير عن المريض (حتى لا يؤثر ذلك على نفسيته)، ولأسباب مشروعة يقدرها الطبيب بكل صدق و إخلاص ويجب إخبار الأسرة بذلك.

أركان المسؤولية الجزائية لأخطاء الطبيب: لاعتبار الخطأ الطبي فعلا مجرما لا بد من توافر الأركان الثلاثة وهي الركن الشرعي والركن المادي والركن المعنوي معا:

أولا/ الركن الشرعي: في ظل غياب نصوص قانونية خاصة تنظم المسؤولية الجزائية للطبيب عن أخطائه المهنية، فإننا نرجع للقواعد العامة الموجودة في قانون العقوبات وهي المواد(288-289-442 من قانون العقوبات) وذلك كما يلي:

المادة 288:”كل من قتل خطأ أو تسبب في ذلك برعونته أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته الأنظمة يعاقب بالحبس من ستة(06) أشهر إلى ثلاث(03) سنوات وبغرامة من 20.000إلى 100.000 دينار”.

المادة 289 :”إذا نتج عن الرعونة أو عدم الاحتياط إصابة أو جرح أو مرض أدى إلى العجز الكلى عن العمل تجاوز ثلاثة أشهر(03)فيعاقب الجاني بالحبس من شهرين(02)إلى سنتين(02)وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين.

المادة 442/2 (معدلة) :”يعاقب بالحبس من عشرة(10)أيام على الأقل إلى شهرين(02)على الأكثر وبغرامة من 8.000 دج إلى 16.000 دج:

-كل من تسبب بغير قصد في إحداث جروح أو إصابة أو مرض لا يترتب عليه عجز كلى عن العمل لمدة تتجاوز ثلاثة(03)أشهر وكان ذلك ناشئا عن رعونة أو عدم احتياط أو عدم انتباه أو إهمال أو عدم مراعاة النظم”

من خلال هذه النصوص يتبين لنا أن المشرع الجزائري جرم بعض الأفعال المضرة بالسلامة الجسدية للإنسان أو بروحه ولو لم تكن لدى الفاعل نية إحداث النتيجة، لكن بسبب عدم تبصره أو احتياطه وانتباهه حدث ما لم يكن متوقعا، وأن هذه القاعدة و إن كانت عامة فإنها تطبق أيضا على الأطباء في ممارستهم لمهنتهم.

ثانيا/ الركن المادي: يتكون من ثلاثة عناصر:

أ-الخطأ: ويتمثل في سلوك إيجابي أو سلبي (سلبي امتناع عن تأدية واجب قانوني مثل عدم إيقاف الطبيب لنزيف بسبب وفاة المريض) ويتم إثبات خطأ الطبيب بإثبات إهماله وعدم يقظته أو جهله لأصول الطب، ويشترط توفر إحدى صور الخطأ الجنائي السالف ذكرها.

ب-الضرر: يشترط فيه أن يكون محققا و مباشرا وغير احتمالي.

ج-الرابطة السببية بين الخطأ و الضرر:أي أن الضرر الذي لحق بالمريض نجم عن خطأ الطبيب، ويستطيع الطبيب دفع المسؤولية الجنائية بنفي العلاقة السببية بإثبات خطأ المريض كإهمال تعليمات الطبيب أو وقوع الخطأ من قبل الغير أو إثبات حصول الضرر بسبب أجنبي.

وللإشارة فإن خطأ المضرور يساهم في تخفيف العقوبة و التعويضات المفروضة في حق الطبيب المهمل، ويعود تقدير ذلك لمحكمة الموضوع التي تستعين بخبرة طبية، وفي حالة عدم توافر العلاقة السببية ينجم عن ذلك عدم مسؤولية الطبيب.

ثانيا/ الركن المعنوي: يتطلب توافر الأهلية الجزائية والإرادة لحظة ارتكاب الفعل الإجرامي من قبل الطبيب، وهنا نميز بين القصد والخطأ، ففي القصد تتجه الإرادة بارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة مع العلم بالعناصر الأساسية المكونة للجريمة, أما في الخطأ فيكون عالما بالعناصر الأساسية المكونة للجريمة، لكنه لا يريد تحقيق النتيجة لأنه لم يتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب حدوث النتيجة.

ما تجدر الإشارة إليه في الأخير هو أنه في ظل غياب نصوص خاصة تنظم العقوبات المتعلقة بأخطاء الطبيب المهنية، وبسبب النقص في التشريع فإننا نرجع إلى للقواعد العامة في قانون العقوبات الجزائري وفقا للمواد 288 و 289 و442/2 من قانون العقوبات الجزائري والتي سبق التطرق إليها بالتفصيل فيما سبق.

-لذلك يجب تعديل النصوص القانونية المتعلقة بالعقوبات المترتبة عن الأخطاء المهنية للطبيب، لأنه بالرجوع إلى هذه النصوص نلاحظ أنه رغم فرضها عقوبة الحبس وأقصاها ثلاث سنوات مع غرامة مالية أقصاها 20.000 دج، فإن هذه العقوبة تبقى غير متكافئة مع ما يحدثه خطأ الطبيب من أضرار وخيمة قد تصل في كثير من الأحيان إلى حد الوفاة، خصوصا مع كثرة شكاوى المرضى بسبب سوء العلاج والأخطاء المرتكبة من طرف هؤلاء.

 -كما يجب على المشرع الجزائري تدارك الوضع ومسايرة باقي التشريعات عن طريق النص على عقوبات خاصة تتناسب مع طبيعة خطأ الطبيب، خاصة كذلك بعد أن أقر المشرع الجزائري حماية خاصة لكل من يتعرض للطاقم الطبي عن طريق النص على عقوبات خاصة بذلك في ظل جائحة كوفيد19، وتصل هذه العقوبات حد الحبس  إلى عشرين سنة والغرامة الى2.000.000 دج(المادة 149 مكرر1 من قانون العقوبات).

وقد نص المشرع الجزائري على هذه العقوبات في القسم الأول مكرر من قانون العقوبات تحت عنوان: الإهانة والتعدي على المؤسسات الصحية ومستخدميها، وذلك في المواد من 149 إلى غاية المادة 149 مكرر 14 من قانون العقوبات الجزائري في الأمر 20-01 المؤرخ في 9 ذي الحجة عام 1441 الموافق ل 30 يوليو سنة 2020 الذي يتمم الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 18 صفر عام 1336 الموافق ل 8 يونيو سنة 1966 والمتضمن قانون العقوبات، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 44 الصادر في 30 يوليو 2020، السنة السابعة والخمسون.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك