“اليسار النمساوي والثورة الجزائرية

قراءة في كتاب تضامن الأممية 1958- 1963" لفريتز كيلر

بقلم الأستاذ : عادل فرحاني 

باحث في تاريخ الثورة الجزائرية 1954- 1962م 

 

الجزء الثاني

 

  • النمسا والحرب الباردة 

استهل المؤلف “فيرتز كلير” دراسته بالحديث عن واقع النمسا في ظل الحرب الباردة والتي كانت  منذ 1950 بمثابة واجهة مغرية ضد الشرق من خلال دعمها بالأموال التي وضعت في سبيل مخطط الإصلاح الأوروبي الذي دام عشرات السنين الى غاية تحقيق أهدافه التي أدت إلى إزالة الستار الحديدي بطرق سلمية غير أن النمسا التي تم تمويلها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بالاشتراك  مع المراكز الأولى الأوروبية الغربية الأخرى ساهمت منذ الخمسينات بصفة معتبرة في عدم استقرار دول الكتلة الشرقية خاصة أثناء انتفاضه العمال في برلين الشرقية يوم 17جوان 1953م التي كانت متبوعة  بإضرابات ضد التعويضات المالية الموجهة لروسيا في المناجم البولونية خلال شهر  جويلية  1953 الى جانب انتفاضة عمال  المدينة الصناعية البولوني بوزن في جوان 1956م  وصولا الى ثورة الشعب المجري ضد القيادة الموالية للسوفيات في 21اكتوبر 1956م

 في المقابل كانت الهدنة تخيم وراء الواجهة الاستهلاكية النمساوية فكان الحزب الوطني النمساوي “ÖVP” والحزب الاشتراكي النمساوي “SPÖ”  يحاكمان باستمرار كتكتل حزبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ولم تقم هذه الأحزاب الكبرى فقط بتطوير نظام متكلف من أجل المراقبات المتبادلة في جهاز الدولة بل أقامت كذلك بتقسيم قطاعات واسعة للحياة الثقافية والاجتماعية على دوائر تأثير في اليمين واليسار  فكان المذهب ينتمي إلى التوافق الأساسي للائتلافات الكبرى ،وفقا للمعاهدة الدولية لسنة1955م حيث تم فرض الحياد المقنن حسب النموذج السويسري على ممثلي الدولة في القضايا السياسية الخارجية وليس على المواطنين النمساويين وممثلي السياسة  الداخلية، وبمناسبة المصادقة على قانون الحياد في 26اكتوبر 1955م صرح المستشار الفيدرالي “يوليوس راب” أمام المجلس الوطني قائلا :”عن طريق الحياد المستمر لأي دولة تكون الحرية الفكرية والسياسية للأفراد  وخاصة حرية الصحافة وإبداء الرأي السليم ولهذا لم يتم تحديد اي إلتزام نحو الحياد الإيديولوجي “

وبذلك أصبح المعنى من هذا  المذهب  بالنسبة للحزب الشيوعي “KPÖ” التواجد ضمن مجموعة هامشية موسعة حيث تحصل من خلال أصوات موافقة قدرت با42.5%  على اكبر مستوى تاريخي سنة 1945 والذي كان مصاحبا لبداية النفي عن طريق الدعوة في الهيئة المركزية للحزب الاشتراكي النمساوي “SPÖ” على صفحات جريدة العامل وفي نفس الوقت تحفظت الحكومة النمساوية عن اتباع نموذج ألمانيا الاتحادية وكذلك منع الحزب الشيوعي النمساوي وأنصاره الأقوياء المعادون للاشتراكية بنفسهم كوزير الداخلية التابع للحزب الاشتراكي النمساوي “أوسكار هيلمر” الذي سمح بتحمل قاعدة حوار على حساب السياسية الخارجية مع قيادة الحزب الشيوعي النمساوي ، باستثناء الشباب النمساوي الشيوعي الحر ،أدمج المراهقون كمجموعات اجتماعيه في اتفاقيات التكتلات الحزبية الكبرى في أكثر من واحدة من حلقات الشباب النمساوي “FÖJ”المؤسسة عام 1953 ،كانت الوظيفة الأساسية لهذه الغرفة الشبابية تقسيم الإعانات بين المنظمات الحاملة للواء الدولة اضافة لتدريب أجيال من الموظفين الشباب في نماذج فكر وعمل مهنية من أجل مسارات سياسية مهنية .

وبمناسبة انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي النمساوي  سنة 1945 صرح مندوب موظفي حزب الشباب الاشتراكي النمساوي الناشئ “بيتر شتراسر” قائلا :”نجد صنفين من الشباب طورتهما الاشتراكية الوطنية فهناك الشباب التابعين  لهتلر  والذي رافق تطور المنظمات الشبابية الاشتراكية الممقوتة والمخالفة لقوانين المجتمع والموصوفة بعدم المبالاة السياسية وذلك بسبب تشجيع المثالية  الارتيابية للمراهقين.

وبالتالي عملت اللجنة المركزية النسوية للحزب الاشتراكي النمساوي في جوان 1951 على البحث لإيجاد حلول للمشاكل العالقة ،وخلال المناقشة ظهر نوعين من الاتجاهات أحدهما قادها ممثل شباب النقابة “فريتز كونير” الذي دعى الى ضرورة اشتغال الشباب مشجعا على تشكيل المجموعات  المصلحة والنوادي غير السياسية في المقابل شجع “بيتر شتراسر” رئيس الحزب الاشتراكي النمساوي مراكز المنظمات الشبابية المعارضة الموجودة في نفس الوقت  وكان حازما اتجاه قرار اتخاذ مبدأ لفائدة  شباب هبتلر غير أن أفكاره لم تجد تعاطفا خاصة مع “أنطوان تيزاراك” موظف أصدقاء الأطفال الذى كان يرى ان تنصيب حركة شبابية اشتراكية مستقلة التي أكدت أسبقية حادة لقانونيتها الخاصة ستكون دلالة على تطور حزب اشتراكي يجب ان  تعتبر كاحتجاج ضد الجيل الراشد كما أظهرته قبل 50 سنة في الحركة الشبابية المدنية الألمانية ، ونظرا للنقاش قرر الحزب الاشتراكي النمساوي “SPÖ”  بعد مؤتمر 1951 في محاولة ثالثة استخلص منها النقاشات الخاصة  أمام المقاعد الشاغرة  حيث اعتمد سنة 1952كسنة لشباب وتمت المصادقة  على برنامج من عشر نقاط من بينها إيجاد مأوى للأسر والأفراد  والقضاء على البطالة الشبابية والحفاظ الإجباري على التكوين المهني ،بهذا فاز الناخبون الأعضاء المتعهدون للمنظمات الشبابية، غير أن حادثة سقوط العديد من الشباب بصفتهم جنود في الحرب العالمية الثانية سابقا أعاقت توظيف الشباب فأدت الى انشقاق هذه الأجيال المتسلسلة الى نشوء هوة عميقة في أشكال الفكر والحياة بين المسنين والشباب في الحزب الاشتراكي النمساوي حيث كانت الكلمة للمسنين في جميع النواحي فأدت بالكثير من الشباب في الحزب الاشتراكي النمساوي في رابطة التلاميذ الوسطاء الاشتراكيين وفي الشباب النمساوي لنقابات العمال بتبني موقف “بيتر شتراسر “غير أن جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية  التزم  برأي الموظفين المسنين وامتثلوا لموقفهم بصفتهم ينتمون إلى جيل ما بين الحربين .

وبمبادرة من طرف مسؤول الشبيبة النمساوية السيد “بيتر شتراسر” تم إعادة إنشاء الاتحاد الدولي للشبيبة الاشتراكية بعد الحرب وقد كانت تعتبر نفسها جزء من المنظمة العالمية حيث إنحاز للحزب الشيوعي النمساوي لتعلن  الشبيبة الاشتراكية النمساوية منذ بداية مسيرتها عن تحديد يوم الشعوب المستقلة وتدعيم كافة حركات التحرر الى غاية استرجاع شعوبها لسيادتها وقد اولت الشبيبة الاشتراكية النمساوية اهتماما واسعا لتدريس الطلبة وتلاميذ المدارس المتوسطة واخطارهم بأهم كتابات “اوتو بوار” التي نشرت سنة 1956 حيث القى صاحب هذه المؤلفات محاضرات بالمدرسة العليا للعمال متطرقا الى دراسة المسائل المعقدة للإمبريالية وعالجها استنادا الى ضرورية التاريخ والطابع المناهض والمضاد للثورات القائمة  الى جانب التطرق الى الثورة المضادة  للاستعمار وحتمية نجاحها  وانه على جميع الحركات الاشتراكية الديمقراطية تدعيمها على مستوى العالم كله 

 وفي المقابل اولى مدير أكاديمية الشبيبة الاشتراكية “جوزيف هيندال” بشرح تلك المحاضرات خصوصا في ما يتعلق بالغموض في المصطلحات التي ظهرت ونشأت في إطار الحرب الباردة لاسيما مصطلح الإمبريالية الى جانب التفوق العسكري الناجم عن الاستعمال المفرط للعنف وتلاحمه مع عمليات الاستغلال للمستعمرات السابقة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك