“اليسار النمساوي والثورة الجزائرية”

قراءة في كتاب تضامن الأممية " لفريتز كيلر "

بقلم الأستاذ : عادل فرحاني 

باحث في تاريخ الثورة الجزائرية 1954- 1962م 

 

الجزء السابع

 

  • حاملي وحاملات الحقائب :

لم يكن مصدر الخزينة المالية لجبهة التحرير الوطني بفرنسا دائما الطبقة العمالية الجزائرية المقيمين بفرنسا على أساس اشتراكات مالية تطوعية ،وقد كانت المبالغ المالية الضخمة تضخ في الصندوق الداعم للحرب بغية نقل هذه المبالغ المتمثلة في الملايين من الفرنكات الفرنسية اضافة الى نقل الأسلحة والخرائط والعقود وعتاد الدعاية السياسية الى الخارج المتكونة من مجموعة من المثقفين بمختلف الاتجاهات الشيوعيون المتمردون الجنود الفارين ،والرهبان ،والفانون بكل اطيافهم وخلال محاكمة مناصري ومناصرات القضية الجزائرية تم الاطلاع على رسالة لجان بول سارتر صرح فيها قائلا:” سوف لن يتردد في اية لحظة لنقل الحقائب والتكفل بالمناضلين الجزائريين كل مرة تتاح له فيها الفرصة القيام بذلك “

وفي سنة 1958 عمل حاملو الحقائب الناشطين في ألمانيا الاتحادية في دوائر متواطئة تمثلت الشخصية المحورية التي تلتقي عندها جميع اطياف المنظمة في رجل ينتمي الى جبهة التحرير الوطني ذو خلفية ارستقراطية والمسمى عبد القادر الذي عاش مع زوجته البولونية لعدة سنوات في ألمانيا فمكنه ذلك من الاطلاع على المعطيات السياسية هناك وقد زادت أهمية الشبكة التي نسجها السيد عبد القادر مع ارتفاع القمع في فرنسا انتهت باعتقال 465شخص اثناء قيام الجمهورية الفرنسية الخامسة وحسب كارل بليشا فقد زار السيد كريم بلقاسم  عضو لجنة التنسيق والتنفيذ   مدينة فينا ،رفقة كل من  السيد  عبد الحفيظ كرمان  ممثل مكتب جبهة التحرير الوطني في برلين  اضافة الى السيد وينفريد ميلر وشخص رابع غير معروف في اوساط النمساويين اذ  صرح واحد من هؤلاء المبعوثين قائلا “هل عندكم من يمكنه التكفل سريعا بإحدى العمليات بشرط ان يتحلى بهيئة جدية ملائمة وبتصرف مدني جيد  وله رخصة ليحصل من طرفنا على سيارة ذات ترقيم ألماني ،فأجابه بليشا مقترحا شخصا من حركة الشباب الاشتراكي يعمل في مرآب للسيارات  على كريم بلقاسم وعن طريقة قيادته  تعرف الوفد الجزائري  على الطرق السريعة في فينا وبعد ذلك الاختيار حصل هذا الشاب على مبلغ معتبر لشراء ملابس انيقة ومن ثم ارسل لبراغ للاستلام السيارة من طراز مرسيديس SL من طرف مراسل مجهول لنقلها الى فرنسا ونظرا لتراجع صديقة النمساوي على الانضمام لهذه المنظمة قام كريم بلقاسم بتغير الخطة حيت لا يتم تسليم السيارة في مدينة براغ بل في مدينة انس بروك معتمدا على نفسه وسافر الشاب الاشتراكي الى فرنسا وركن سيارة المرسيدس في مكانها المحدد في رون تالدن وفقا للتعليمات التي قدمت له في فينا وترك مفتاح الاشعال مشدودا بحجر مغناطيسي تحت عداد السيارة ثم توجه سريعا الى ألمانيا عن طريق النقل العمومي بعد بضعة ايام من اتمام هذا الاتفاق فجرت جبهة التحرير الوطني العديد من مستودعات الوقود ومحطات الكهرباء وخطوط الضغط المرتفع ومعدات عسكرية وصناعية أخرى في فرنسا 

 

  • الموقف الفرنسي من النشاط التضامني الأوربي مع الجزائر 

 

حاولت الحكومة الفرنسية التقليل من قيمة الثورة الجزائرية التي اندلعت  في أول نوفمبر سنة 1954 عن طريق عمليات عسكرية مسلحة في التراب الجزائري حيث اعتبرتها عمليات موجهة من الخارج وبمثابة أعمال تخريبية غير أن طول هذه الثورة أكد على عكس ذلك وجعلت من الحجج الفرنسية عديمة المصداقية عند المجندين فرفض الكثير منهم القيام بالخدمة العسكرية ليتطور ذلك الى عمل منظم خاصة أولئك الذين منعهم ضميرهم من المشاركة في الأعمال المخزية ضد الشعب الجزائري المكافح من أجل استعادة حريته ونتيجة لذلك جعل جون جاك سرفان شراير ناشر مجلة ليكسبريس من نفسه ناطقا باسمهم نتج عنه فرض رقابة على المجلة وحجز الأعداد الأسبوعية واتهامه بإفساد الآداب كم حكم على صانع الأفلام بيار كليمان بعشر سنوات سجن في محكمة عسكرية جراء محاولته تصوير شريط وثائقي حول جبهة التحرير الوطني في الحدود الجزائرية التونسية ومع ذلك لم تستطع ألية العدالة إسكات المعارضين لقد ساعدت منظمة المقاومين الشباب نصف الشباب الفرنسي على الاختباء ورفض الاستدعاء للذهاب الى الجزائر  بلغ عددهم 2000 شاب في منتصف سنة 1959 ،كما أن الحزب الاشتراكي الموحد صرح رسميا “ان اختيار الاشتراكيين رفض القيام بالخدمة والهرب إلى الخارج شكل من أشكال الكفاح هو راي لا يوافق عليه الحزب وأن الحرب تتم داخل الجيش وليس خارجه 

وإلى جانب هذا الاتجاه الفردي للثورة ضد حرب الاستعمار ،وجدت مجموعة من الشباب الفرنسيين نفسها تخاطر من أجل تقديم المساعدة للفرق المحاربة الخاصة بجبهة التحرير الوطني في فرنسا حيث كانوا يخفون عن انظار الشرطة الناشطين والمطاردين وكانوا يقولون الأموال والوثائق ايضا  كان أغلب هؤلاء الشباب من المعلمات والفنانات والطالبات المنتميات إلى شبكة الدعم 

ونظرا للاضطهادات الفرنسية بحث الكثير من اللاجئين العسكريين والسياسيين عن ملاجئ في الخارج خاصة في المانيا الاتحادية غير ان المنظمات المشرفة على عمليات الفرار والمتمركزة في كولون وفرانكفورت صنفت ألمانيا الاتحادية على انها مركز غير آمن لذلك قاموا بنقل الأشخاص المعنيين الى النمسا الحيادية او الدنمارك فوصل حوالي 10 إلى 15 شخص إلى النمسا ولتجنب مشكل تصنيف السلطات الفرنسية هؤلاء الهاربين ضمن المجرمين الجنائيين فيجبرون على تسليم انفسهم ولذلك قام كل من ريمر هولز نغر و ردوولف كيرشليغر عن طريق اليات قانونية كيفية اثبات تجاهل مطالب تسليم مماثلة بالخصوص عندما تكون الجريمة المزعومة متعلقة بدوافع سياسية ونتيجة لذلك اجبرت الشابات الاشتراكيات اللاجئات الى النمسا على انكار كل الجرائم او الإلحاح على خلفياتهن السياسية اثناء الاستجواب، قدم معظم اللاجئين العسكريين والسياسيين دون علم بوجود متضامنات ناشطات في البلد وكثيرا ما تعتقل الشرطة الوطنية او الخاصة بالأجانب اللاجئين فيقعون في ايدي الشرطة تسفيتل المعين من طرف كارل رايدنغز الذي يتصل بدوره هاتفيا مع ريمر هولز نغز فينتقل المسؤول السري المكلف بالتضامن مع الجزائر سريعا من مقر عمله المتواجد بقصر كوبورغ الى مصلحة الشرطة الوطنية الموجودة في طرف الشارع لمعاينة حالة الشخص الموجود رهن الاعتقال وعند نهاية استجوابات هولز ينغز يحصل اللاجئ على عقد من عند شرطة الأجانب تحت شعار منع الإقامة مع تنفيذ مؤخر مما يجعل بقاءه قانونيا بصفة مؤقتة ومن تلك اللحظة اهتم كارل بليشا الذي كان يعمل في  وكالة العمل باللاجئين حيث كان يبحث لهم على وظيفة مناسبة وإيوائهم وقد كان هولزينغز يقوم بحمايتهم طيلة فترة تواجدهم هناك ازدادت خطورة الأزمة السياسية في 02اكتوبر 1960  بفرنسا وتمت مباشرة مطارات بوليسية ضد مثقفين مشهورين وقعوا على بيان 121  تعاطفا مع  حاملي الحقائب الداعمين للثورة الجزائرية التي صدرت في  حقهم أحكام قضائية تمثلت في 14حكم  تراوحت بين 10 سنوات سجن وعقوبات فأثر ذلك البيان سخط  وغضب اليمينيين وحرس الشرطة  والقضاء التي باشرت في اعتقال العديد من هؤلاء الذين أمضوا على البيان  والذين كان من بينهم جيروم ليندن مدير دار النشر  Minuit  وفلورنس مالرو  ألان ريني  ألان روب غريي  فرنسوا ساغان ناتالي ساروت  جون بول سارتر  اندري شفارترز بارت  فرنسوا تروفو  سيمون سينيوري  بول تيبود  واديت توماس  وقد تمت مصادرة مجلة الازمنة الحديثة  “ان حرب الجزائر هذه التي ليست حربا غزو ولا حرب دفاع وطني ولا حربا أهلية قد أصبحت شيئا فشيئا شغلا خاصا بالجيش  وبطائفة معينة ترفض التراجع امام هذه الانتفاضة التي أضحت وأضحت المعاني والمقاصد في أعين السلطة المدنية التي باتت هي من جانبها تدرك الأن ما مدى الانهيار الكبير الذي  تشهده الإمبراطوريات الاستعمارية  أنها إرادة الجيش التي نراها اليوم تقود هذه المعركة الإجرامية والعبثية هذا الجيش الذي يفرض عليه العديد من ممثليه لعب دور سياسي  ليس دوره ويتصرف احيانا بعنف جهر خارج الشرعية ويخون المهام التي كلفته بها المجموعة الوطنية أننا نراه اليوم يشوه مبادئ الأمة بل ويعرضها للخطر بإجبار المواطنين ويأمرهم بالتواطئي في عمل ذي طبيعة تآمريه مهنية ومذلة وهل يجدر بنا التذكير بأنه بعد خمس عشرة سنة من تدمير النظام الهتلري ها هي العسكرية الفرنسية تتوصل في خضم مقتضيات  هذه الحرب الى إعادة بعث نظام التعذيب  وتجعل منه من جديد مؤسسة خالصة في أوربا 

أصبحت الثورة الجزائرية تدريجيا قضية تخص الجزائر والطبقة الشعبية ترفض الاستسلام أمام نهضة الشعب والاعتراف بروحها  وفي هذه الظروف تمكن الكثير من الفرنسيين من طرح معنى القيمة والوجبات المذاعة للنقاش ماهي فضيلة المواطنة عندما تصبح في ظل ظروف معينة ورضوخ مشين هل هناك حالات يعتبر فيها رفض الخدمة واجبا مقدسا والخيانة احترام شجاع أمام عن الحقيقة نحن نحترم رفض حمل السلاح ضد الشعب الجزائري ونعتبره عملا صائبا “

وفي ألمانيا قام كل من اينغ آيشر شول ،غونتر اندرس ،هاينريش بول ؛هاينز فون كرامر ،غونتر ايش  ،هانس ماغنوس انزس  بارغر ،اريش فريد ،روبر يونغ ،اريش كاستنر ،جار ترود فراين فون لوفور ،هانس فارنر ريشتر ،مارتن فالزر  بالتوقيع في نفس الوقت على تصريح التضامن  وقدم كتاب فرنسيون مثالا عن حرية التعبير عن الرأي  وعلى الصعيد الدولي اعلن مشهورين  جون اوسبون البريطاني وسون اوكاسي الإيرلندي تعاطفهم وعلى العكس من ذلك في النمسا اقتصر التعاطف مع الموقعين على بيان 121 على موقف الترحيب وتمثلت اسباب ذلك من جهة في الموقف غير السياسي لأغلب النشاطات الثقافية في البلد  والتي كانت فيها التقاليد أجنبية تماما صادرة عن المثقفين الفرنسيين

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك