انتخابات برلمانية أم مسابقة توظيف؟

مفارقات

بقلم احسن خلاص

لا يبدو أن نداءات المقاطعة لسادس موعد للانتخابات النيابية ستثني فئات عريضة من الشباب عن الاندفاع وراء الظفر بمقاعد في التركيبة البرلمانية. ولابد أن الكثير منهم سمع النداء وفهم رسالة السلطة القائمة ورغبتها وطموحها لإنتاج خارطة سياسية جديدة تكون بمثابة ثوب يغطي العهد الجديد. ويعد المجلس الشعبي الوطني المقبل رهانا سياسيا هاما جدا بالنسبة للسلطة من منطلق أنه سيكون بمثابة واجهة الجزائر الجديدة. 

لم تظهر نوايا السلطة من خلال تصريحات الرئيس تبون وجلساته الإعلامية فقط بل أظهر قانون الانتخابات الجديد توجه السلطة الواضح للدفع نحو إنتاج “قسري” لبرلمان جديد على أكثر من صعيد بالرغم من الصعوبات التي قد تعترضها في الطريق أمام إرادة القوى السياسية المحافظة الاستمرار. لجأت السلطة لقوة القانون للتصدي لعدد كبير من النواب الذين أقاموا في قبة البرلمان عشر سنوات متتالية أو منفصلة وأغلبهم من حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي لكونهما الحزبين اللذين استحوذا على الأغلبية البرلمانية لأكثر من عشرين سنة. 

تبين من خلال التشريعات الجديدة الضابطة لصرف المال في الانتخابات وإلغاء نظام القائمة المغلقة الذي كان يغري أصحاب المال والأعمال لشراء المقاعد البرلمانية وقد كانت المبالغ التي تدفع للظفر برأس قائمة حزب جبهة التحرير الوطني تصل إلى الملايير لتنتج في النهاية برلمان أعمال بدل برلمان تشريع، برلمان الشكارة كما يقال بدل أن يكون منبرا لمناقشة الأوضاع السياسية وتوجيه سياسات الحكومة بينت التوجهات الجديدة أن المشرع يريد أن يضع حدا لاحتكار عصابات فاسدة للمؤسسات السياسية للوقوف في وجه التفكير والممارسة السياسية والحد من وظيفة الرقابة والضبط التي تناط بالبرلمان. 

يراد للانتخابات التشريعية المقبلة أن تشكل قطيعة مع برلمان وصف بأسوأ الأوصاف التي تلتقي كلها في ملتقى الانتهازية السياسية التي تجعل من المقعد بالمجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة بطاقة زيارة في يد البرلماني لمزيد من النفوذ السياسي أمام الإدارة المحلية والمركزية للظفر بالامتيازات والمكاسب من فرص الاستثمار والعقارات والأسواق. لم يكن راتب النائب البرلماني الذي يقال أنه مبالغ فيه يغري أغلب المترشحين في الانتخابات التشريعية السابقة. لقد استفحلت هذه الظاهرة وألقت بجذورها في عمق الممارسة الانتخابية وافسدت الوظيفية البرلمانية في أعين العامة وأساءت أيما إساءة إلى البرلمان ومؤسسات الدولة بشكل عام ضمن نظام فاسد من رأسه إلى أخمص قدميه. 

لقد أدركت السلطة هذه المرة أن قيادات الأحزاب السياسية بمثابة القناة المفضلة للمال الفاسد الذي غزا الانتخابات السابقة وأن التزوير الذي كانت تشرف عليه الإدارة المنظمة للانتخابات في السابق لم يكن يتم إلا بتواطؤ ودفع من قادة الأحزاب “الكبيرة” التي تشترك مع الإدارة في توجيه أصوات الناخبين نحو جماعات المال والنفوذ. وهذا ما يفسر التوجه الجديد الذي ظهر في قانون الانتخابات الذي أعطى الأفضلية للقوائم الحرة على حساب القوائم الحزبية بحيث اشترط عددا من التوقيعات للقوائم الحزبية يفوق ب150 بالمائة عدد توقيعات القوائم الحرة كما استبدل نظام القائمة المغلقة بنظام القائمة المفتوحة التي تلغي مبدأ الترتيب داخل القائمة الذي كان مفتاحا للمال الفاسد. 

غير أن النظام الانتخابي الجديد بقدر ما حرص على محاربة الممارسات الفاسدة السابقة فهو لم يغلق الباب أمام ظهور ممارسات أخطر فهو يدفع الشباب نحو اكتساب ممارسات انتهازية من نوع جديد. فقد وعدت السلطة الشباب الذين لم يتجاوز سنهم 35 سنة بأن تتكفل بنسبة من تكاليف حملاتهم الانتخابية. لقد فتحت التدابير الجديدة نوافذ أمام الكثير من الشباب لمحاولة دخول البرلمان دون المرور على المؤسسات الحزبية ودون أن يتزودوا بتنشئة سياسية ولا بتأطير حزبي في عهد شيطنة الأحزاب والنزعة إلى اعتبار المقعد البرلماني وظيفة بدل اعتباره مهمة سياسية تمثيلية توفر للنواب منبرا للتعبير السياسي وفضاء تفرز من خلاله خارطة سياسية انطلاق من الاستقلالية التي يتمتع بها النائب ودفاعه عن قناعاته السياسية بدل قناعات الجهات التي مولت حملته الانتخابية وإن كانت من المال العام.

لقد جعلت هذه التدابير البرلمان يشبه جهازا لتشغيل الشباب لا يختلف كثيرا عن جهاز انساج وكان الحملة الانتخابية لا يختلف عن بناء مشروع لخلق منصب شغل يجعل الشباب عادة يتلهفون إلى الوظيفة البرلمانية كما يتلهفون لنيل منصب في مؤسسة إدارية عمومية أو لإنشاء مؤسسة خدمات خاصة.

قد لا يحق لنا استباق الاحداث ولا استعجال الحكم غير أن هناك مخاوف من هذا التحول من أن ننتقل من مرشحين يأتون إلى البرلمان بالمال إلى مرشحين يأتون من أجل المال لتستمر الانتهازية بشكل آخر، ويصبح البرلمان الجديد مشتلة لجيل آخر من الانتهازيين والموظفين الجدد. 

قد يكون المجلس الشعبي الوطني الجديد محطة ضرورية في انتظار برلمان يمثل قوى سياسية واجتماعية حقيقية ممثلة ومعبرة بعيدة عن الشعبوية والفئوية الاجتماعية.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك