بؤس الواقع في رواية “ما تساقط” لـ عفاف خلف

كتب / رائد محمد الحواري

 

عندما نقرأ عملا روائيا ممتلئا بالأحداث، ومتشعب الأمكنة، ومتعدد الشخوص، وعابر للزمان، نشعر أننا أمام عمل روائي حقيقي، وليس أمام صورة مستنسخة عن رواية، هذا ما نجده في رواية “ما تساقط، فالرواية تلم بأحداث عديدة، وتتناول أزمنة ممتدة، واللافت أن عملية السرد لم تقتصر على راو محدد، فهناك: “عدي، نجلاء، فادي، غادة، مختار، راضي، رقية، ويسار المحامي” وإذا ما استثنينا “يسار المحامي” الذي روى الفصل الأخير من الرواية، عشرة صفحات فقط، من رواية عدد صفحاتها 369 صفحة، نكون أمام سرد متوازن بين الشخصيات النسائية والرجال، وهذا التوازن لم يقتصر على الرواة فحسب، بل طال أيضا الشخصيات الصهيونية التي تناولتها الرواية، “إسحاق وسالومي”، وهذا يشير إلى البنية الاجتماعية في الرواية، التي تأخذ العناصر يتشكل منها المجتمع.

رغم كثرة الرواة، إلا أن هناك جامع بينها، فكلها تشارك في الأحداث وفي المكان، وتقوم بعلاقات فيما بينها، من هنا يمكن لكل من شارك في سرد الرواية أن يضيف شيئا للأحداث، للشخصيات، لما جرى في المكان، ومن ثم اضافة شيء إلى الرواية، وهنا ما جعلها رواية متصلة، موحدة الفكرة، وموحدة الشخصيات، والمكان، والأحداث.

السارد/ة الرئيسي لا يتدخل في أحداث الرواية ولا في شخصياتها، فيقتصر دوره/ا على مقدمة جاءت بسبع صقحات ونصف، وفي آخر فقرة جاءت في آخر الرواية: “قالت دعنا نحلم، استيقظ … لنحلم.

فكان الكتاب” ص396، وما دونها كانت الشخصيات هي التي تروي ودون تدخل من أحد، من هنا يمكننا القول أننا امام رواية حرة السرد، وهذا يعد ميزة للرواية ويحسب لها.

“غادة”

يفتتح سرد الرواية من خلال “غادة العمار” التي تقول: “هنا في غرناطة تعانقنا، عقدنا رباطا مقدسا وثقته أجسادنا، وكلما اختنفت بنا وفاض بي ما صرته أطير إليها، أستعيدك من براثين زمن راكم خلافاتنا حد اختناقي بك، وامتلائي بنا لأعود إليك مرة أخرى وقد طهرتني الذكريات” 18، الفاتحة التي تحمل سلعة، أنا التي لإدراكه كتاجر يقيم صاحبه…أنا بعدت جسديا أسبوعا بينما هو كان يبيع نفسه ليلا ونهارا ولأي زبون ليصل” ص334و334، الهوة بين الفاتحة والخاتمة هي فكرة الرواية وهي تختزل أحداثها، فالشخصيات التي بدأت عادية/نظيفة أمست ملوثه وغارقة في الخيانة، في العهر، في الشر، وهذا ما جعل الرواية سوداء بالمطلق، فإذا ما استثنينا “يسار المحامي” نكون أمام رواية تنساق شخصياتها وراء غرائزها/مصالحها، ما يعرض لها من فتات، لتنزلق إلى قاع الواقع، فتصل إلى الحضيض.

اللافت في الرواية أن هذا الحديث تحاول أن تبرر لنفسا ما وصلت إليه من نذالة وخيانة، تحدثنا “غادة” عن هذا الفساد بأكثر من موضع وأكثر من مرحلة، وأكثر من زمن، وعن أكثر من شخصية: “…إن الفتى حديث العهد في التنظيم، وإنه من أشبالنا في المخيم، في الخامسة عشرة أو يزيد قليلا، وقد التحق بمعسكرات التدريب واستلم بندقية، وكعهد الأشبال ضن أن البندقية تصريح ماف ليفعل ما يشاء، أخذه ابن مسؤول التدريب في غارة ليلية على بار في الحمراء، وتعاركا مع مجموعة من السكارى، وكان أن أطلق ابن المسؤول النار وقتل أحدهم ولبسها الفتى الذي لم يستطع الدفاع عن نفسه أمام كذب ابن المسؤول سألته ما أدراك أن ابن المسؤول يكذب؟ قال إن أم الفتى خافت من تهوره وأفرغت الخزان (المخزن) من الرصاص كاملا”، ص30هذه بداية الفساد، ووأين في لبنان، وفي بيروت تحديدا، مدينة الثورة والثوار.

إذن مشكلة الثورة في قيادتها، فيمن هم متنفذون فيها، تؤكد عمة “غادة” على هذا الفساد بقولها: “…فالفدائي فينا مولود بسبعة أرواح، أما لقيادات فينا فأرواحها مرهونة بنهب أراوحنا، وعدي كما تراه وسمعت هنه نهاب للأرواح وليس روحا عادية” ص199، هذا على مستوى القيادة والقادة، لكن الفساد لم يتوقف عند فقط، بل طال أهلي الثوار أيضا: “…وكل شهيد لدينا صار حسابا بنكيا ورصيدا، ودواليب الدم ما زالت تدور” ص314، بدايات الفساد تتطور واكبر وتتسع لتصل إلى الناس العاديين، إلى من يفترض أن يحموا الثورة ويحافظوا على دماء شهدائهم.

وهذه الصورة توضح ما وصلت إليه الثورة والثوار: ” …أجبر المغتصب على الزواج من الفتاة وكيف انتهى الخلاف بين التنظيمات على مضض، أخبرني عن مؤن الإغاثة كيف كانت تتسلل إلى جيوب عبد الوهاب، وكيف صار بعض الشباب الفدائي حراسا للممتلكات لقاء أجر أو خاوة، وكيف كانت تلفق القضايا وكيف تصمم ليظل الشباب قابضين منعمين تحت ظل التنظيم العظيم” ص322، هذه الصورة تمثل نهاية الثورة، كنهج وكممارسة وكثوار، فمن خلال بناءها الداخلي يتأكد اللمتلقي أنها هشة/ضعيفة/متآكلة، تبدو من الخارج قوية وصلبة، لكنها من الداخل مجرد كرتون/ورق، يمكن لأي ريح أن تسحبها وتأخذها إينما تريد، وهذا ما كان على أرض الواقع، فكل الشخصيات أنساقت وراء “إساحق وسالومي” وخانت شعبها، ووطنها، وقضيتها، وكانت مجرد ورقة تلعب بها مخابرات الاحتلال كيفيما تريد وأينما تريد، حتى أن بعضها مارس القتل، انصياعا لطلب “إسحاق/سالومي” وللوصول إلى رضا الأسياد المحتلين، هذا ما آلت إيه الثورة والثوار.

“عدي”

“عدي” شخصية مركزية في الرواية، وقد لعبت دورا بارزا في أحداث الرواية، لهذا نجدها حاضرة عند كل الشخصيات، تحدثنا “غادة” عن “عدي”: “…بينما هو كان يبيع نفسه ليلا ونهارا ولأي زبون ليصل” ص334،” سلبية “عدي” يمكن إسقاطها على كل شخصيات الرواية، لكل بنسب، قكلها كانت صورة أخرى عنه، لكن بأشكال وصورة متباينة، بمعنى أنها كانت تنتقد “عدي” وتمارس دوره بما يتاح لها، فالشخصيات الصغيرة قامت بدور صغير، والكبيرة بدور كبير، وبما أنه تلميذ “سليمان بك”، فقد تعلم منه كل أشكال الانتهازية للوصول إلى الهدف والبقاء في الواجهة، حيث يمكنه التحكم في دفة القيادة، من هنا نجده يتعامل مع إسحاق وسالومي بكل أريحية ودون تأنيب ضمير.

 

الحكم

وردت اكثر من حكمة على لسان “غادة” أو على لسان الشخصيات اتي تعاملت معها، من هذه الحكم: “إنه لا يمكن الجمع ما بين الثورة والثروة إلا بالخطيئة، والخطيئة كي تستمر تحتاج إلى قوة وحرس!.

…لن تتقاطع الثروة والثورة يوما إلا من أجل تكديس الانحرافات وإتمام الصفقات” ص122و123، طبعا هذه حكمة لا تصدر إلا عند شخص منتمي/مبدئي، لهذا جاءت على لسان “فادي”.

والحكمة الثانية جاءت على لسان “غادة” التي نقلته عند جدها: “… إن الطغاة لا يجيدون غسل أرواحهم إلا بنقيع الكذب والرياء والشعارات، لذلك اخترعوا الأبواق صدى لأكاذيبهم” ص276.

 

“مختار عيسى”

“مختار” يتحدث بثقافية دينية لافتة جامعة بين المسيحية والإسلام تميزه عن الآخرين: “… يتعالي العويل والصراخ مختلطا بتراتيل وصلوات محمومة: “قدوس، مبارك الحمل الذي ذبح لأجلنا”، ولنا به الفداء والخلاص، امنح يا رب، نفوس راقدين راحة، في فردوس النعيم، ونحن الغرباء في هذا العالم، احفظنا في الإيمان بك.

…هكذا علمتنا مارتا، لم تكن الكنسية حظيرته، كان وادي النار الحظيرة، يسوقوننا ويطفقون مسحا بالسوق والأعناق” ص41، فهنا تم الجمع بين اللغة الدينية المسيحية واللغة الدينية المسلمة، وهذا يعطي اشارة إلى أن ثقافة وتكون الشخصيات متباينة، لكن رغم اختلاف الثقافة إلا أن سلوكها واحد، من هنا نجدها تتعامل مع “إسحاق” بأريحية وعادية جدا.

“إسحاق”

سالمومي/إسحاق

هاتين الشخصيتان لم تساهم في السرد بصورة مباشرة، لكنهما كانتا فاعلة ومؤثرة في الأحداث، وقد تناولتهما الرواية في أكثر من موضع في الرواية، اعتقد أن عدم اعطائهما دورا في السرد المباشر، أرادت به الساردة الرئيسة الاشار إلى عدم انسجامها معهما، فجعلتهما خارج بينية سرد الرواية، وأيضا أن المحتل لا يكون فاعلا إلا إذا كانت الشخصيات التي يتعامل معها ضعيفة وهشة، تسمح له بالتواجد/بالحضور/بالفاعل ليكون مسيطرا ومتحكما.

يحدثنا عن “إسحاق” بقوله: “…ومضينا نحو تل أبيب…والأهم أنني تعرفت على إسحاق، وكان ثمة دورة في معهد بيرس للسلام حول آفاق التعاون الاقتصادي الإسرائيلي الفلسطيني،… كان إسحاق ضابطا سابقا في الموساد وكان حاضرا في لقاءات التنسيق دائما” ص216، هذه كانت بداية اللقاء بينهما، لكن بعد أن تتطور العلاقة تأخذ منحى آخر: “…وأكاد لا أغادر مكتب عدي، وإسحاق لا يتوقف عن التهديد والوعيد والضغط عليه حتى وصل الأمر به إلى تهديده وكشف علاقته وارتباطه معهم: “سنفضح كل شيء، وكل شيء بظرف ثمانية وأربيعين ساعة ستكون خبرا عاجلا على المحطات والفضائيات والإنتر نت بالصوت والصورة، بكل أراقام حساباتكم السرية لدينا ولدي البنوك الأخرى وماهيتها” قالها إسحاق بتشف حقود، على أثرها طلب مني عدي شد الخيوط وإطباق الفخ على صلاح وطلبنا من إسحاق مزيدا من الوقت لإحكام القبضة على صلاح وحلاياه العسكرية” ص251، هنا يتم كشف حقيقة “إسحاق” والطريقة التي يتعامل بها مع الآخرين، العملاء، فهم ليسوا أكثر من مجرد منفذين/أجراء عنده، وكل من يخالف أو يعترض أو يتلكأ يشهر في وجهة سلاح التشهير.

ورغم هذا نجد “مختار” يستمر في العلاقته مع “إسحاق” رغم معرفته وعلمه بسلوكه المشين واستخدامه لأسلوب التهديد والوعيد لكن من لا ينفذ أوامره، وهنا نستنج أن “مختار” العارف بكل ما يدور هو شريك فاعل في الفساد والخيانة والجريمة: “… وأنت عليك أن تكون أكثر حزما وأكثر تعاونا في تطويق المجموعات المسلحة وإنهائها، عدي لم يكن حازما كما يجب، يكفيكم لعبا، حزمك سيقرر من سيكون رجل المرحلة القادم” ص255، هكذا يُعامل العميل، وهكذا يخاطب المحتل (القادة) الذين يشاركون المحتل في قتل ابناء شعبهم، يشاركون بقتل من يفترض أن يضحوا بأنفسهم في سبيلهم وسبيل قضيتهم، لكن للاسف نجد “مختار” يساهم في تصفية “صلاح” وكأن من يقتل ليس أحد قادة الثورة/الإنتفاضة أو أحد أفراد الشعب الفلسطيني: “…قبل ان يأمرني بالدخول والمكوث خلف الستار الخشية أمام الباب، وأشار علي بالتزام الصمت وإقفال فمي تماما، دافعا بهية باتجاه الصالون. … أخرج مسدسا كاتما للصوت وبخفة فهد صار أعلى الدرج وغيبه الممر، لم تصدر من الأعلى ضجة ولا صوت عراك كما توقعت، فقط صوت مكتوم لرصاصة بدت كعطسة كانت كافية لإشفاء غليلي تلتها صرخة قصيرة من بهية، صعدت على أثرها الدرج هرولة لأرى إسحاق خارجا من غرفة بهية يلجم اندفاعي:

ـ دعها تستر نفسها،

…وددت لو تركني أركل صلاح حتى أشوه وجهه الجميل، لو أبصق على بهية الخائنة حتى تغتسل وتطهر بما أفيض به” ص257و259، بهذا يكون “مختار” شريك في الجريمة القتل، وشريك في الخيانة، وشريك في تفشي الفساد والمفسدين في الوطن وبين الناس، هذا حال (قادة) أوسلو وأتباعهم، الذين أكملوا واستمروا على نهج المتنفذين وقادة الثورة في لبنان.

“عدي”

الشخصية الأهم في الرواية ومحورها الأساسي، يتناولها مختار متحدث عنه بقوله: “..بعدها طلب عدي من إسحاق ترتيب مداهمة منزله والنشر في الإعلام عن خلايا نائمة يقوم بتمويلها ولا بأس إن رافقت المداهمة بضعة اعتقالات لعدد من الناشطين يتبعها اعترافات بتمويل عدي لخلايا، رتب مسرحية كاملة مع إسحاق وقمت بتضخيمها وتغطيتها خير قيام” ص210، نلاحظ أن الأعمال التي يشاهدها ويتباعها ويقوم بها “مختار” كلها متعلقة بأعمال الخيانة والتجسس والقتل، قتل كل ما هو وطني/مبدئي، إن كان فعلا أو فكرا أو أشخاص.

تاريخ عدي غارق في الخيانة والانتهازية والتجارة بكل شيء، حتى بدماء الناس يتاجر، يقوم بقتل أحد الأشبال لأنه رفض أن يسلمه “جو” الأسرى لدى المقاومة امثالا لأوامر القائد، “…حين تعرف عدي على جو أمر الشبلين بتسليم الأسير له، ورفضا ولم تجد محاولة إغرائهما…كان قد أردى الشبل برصاصة بين عينيه، وأنه نصب كمينا لقائده وأورده نهر الغياب، …اعترف أنه قتل الإثنين بتدبير وتخطيط دون أن يرف له جفن، وأنه سيفعلها ثانية وثالثة وألف” ص213و214، هكذا كان سلوك (المتنفذين) في لبنان، أيام ما كانت الثورة (ثورة) فكيف سيكون حالها بعد أن تنعم بسلطة لها واحدها، خالصة من دون الناس؟.

فساد السلطة

كل ما فعله وشاهده ووثقه “مختار” عن عدي وبهية وإسحاق، لا يكفي، فهناك جريمة/خيانة متعلقة ببنية المجتمع الفلسطيني كاملة، فكان “صالون بهية” هو المركز والمقر لكل العملاء والخونة ومن يراد تصفيتهم أو إسقاتهم، يحدثنا “مختار” عن هذا المكان بقوله: “كان يضعها طعم صنارة لمن يرغب في إصطياده من الجانبين على حد سواء من ذوي الرتب والنفوذ، ويساعدها لإتمام صفقات بعمولة أحيانا، وأحايين كثيرة بلا عمولة، …شجعها عدي على إطلاق صالون ادبي، إذ لا يكفي أن تجمع االمال والجمال، بل لا بد من لفيف المصفقين المثقفين لضمان مكانة اجتماعية سياسية لاحقا، …بمعونته أطلقت صالونا على موائده كان يجتمع السياسي والعسكري، والكاتب والشاعر والصحفي والمقامر أيضا، بؤرة للمعلومات وقياس ريختر للأوضاع” ص253، دور الخيانة وكشف حالة/وضع المجتمع أمام العدو دون معاناة، هذا هو دور المتنفذين في السلطة.

راضي أمين

هناك من يتحدث عن الفساد بهدف النقد وتصحيح المسار، وهناك من يتحدث عن الفساد ليبرر لنفسه ما يقوم به، “راضي أمين” من الصنف الثاني، يتحدث عن فساد الثورة والثوار بقوله: ” …وحين أهتدينا إلى وسيط يكون حلقة وصل بيننا، أرسلت له الرسائل والمناشدات، أذيلها بكلمة (أخوك) علها تشغل في رأسه وميضا ما، لكنها لم تفعل، لاحقا، وحين التقيته، علمت كيف غاب اسمي، وكيف صار الوسيط بطلا ومسؤلا ومقربا من القيادة وفوقها وصيا علينا… ـ لا يوجد رجال حقيقيون، يوجد متسلقون ودرجات، وسيطك جعل منكم سلما ليصل” ص82 و83، هذا حال الثورة والثوار في لبنان، فالانتهازية التي بدأت محدودة وبطيئة النمو، ازدهرت وعظم شأنها بعد عام 1982،، بحيث لا يمكن السيطرة عليها أو على فاعليها.

يخبرنا عن حال الفصائل/الثورة وما جرى في حرب المخيمات، بعد اجتياح بيروت واحتلالها، بقوله: “الإعدادات لانقلاب على الزعيم الأوحد تجري على قدم وساق وكانوا الرؤوس المدبرة، … كان في بداية الثمانينيات، بعد الحرب الأهلية التي مزقتنا قبل أن تمزق اللبنانيين، في الحركة التي قسموها إلى أربعة أعمدة، وأجهزة وأقسام، وعلى رأس كل قسم واحد من الأبواب العشرة البررة، وكل جهاز تتفرع منه أجهزة وأقسام وميليشيات، كل أب يحسب أن الثورة ملك يمينه، ورثها عن أبيه وسيرثها أبناؤه من بعده بالوصية أو الوراثة أو الاغتصاب، كل من ناوأ سلطة القائد العالم قتلوه بدءا من عرابي وليس انتهاء برفاقه، قتلوهم جميعا، بعد اجتماع عقده القائد في عقر الرجعية أغدقوا عليه ثمن موتهم فقتل الجميع ثم قالوا الموساد، قتلوا الرأس الشيوعي وتطاير بعدها ما تبقى من رؤوس ناوأت أو اعترضت، قتلوهم جميعا، ومن لم يقتل سجن أو طرد أو تم إغواؤه بالمال ليعود إلى صراطهم المستقيم، بعد صبرا وشاتيلا اغتالوا المارشال وضاعت آثار أثنين أيضا في قبرص كانا عائدين إلى لبنان للملمة جراحنا وقتلا، كل من نهض أو ينهض ليكتب تاريخا أو شيئا مغايرا عما هو مقرر يقتل” ص192، يبدو ـ لوهلة الأولى ـ لمن يقرأ/يسمع ما قاله “راضي” أنه حريص على مصلحة الثورة والثوار، لهذا يتحدث بإسهاب وبتقاصيل عما جرى في حرب المخيمات، لكن هناك مفاجأة ودهشة لمن يتابع مسيرته بعد قدوم السلطة، وما فعله وقام به من خيانات على أكثر من صعيد.

“إسحاق، سالومي، يشاي”

يحدثنا عن معلمه واستاذه في الخيانة بقوله: ” إسحاق، اسم آخر يسطع في فضائي، “حين تصير كل الظروف مهيأة لسطوع نجمك، انتهزها، لا تخشى الأضواء أو الألسنة، فمن يشهر بك اليوم، سيأتي ليعلق حذائك غدا”، كلهم سيأتون غدا للعق حذائي وسأقرر من سيبقى ومن سيأفل نجمه.

إسحاق من شجعني على تشكيل قوتي، وعلمني كيف تصنع المليشيات والولاءات، وكيف ترتكز على قاعدة تصنعها أنت وتكون محورها ومديرها في نفس الوقت. … هذا ما تعلمته من عدي وحمودة، كيف تصنع الولاءات وتذبح المواقف والمبادئ، وحتى الرجال، لا من أجل مبدأ أو لا قضية، من أجل حفنة مال، كل الانحرافات عبر التاريخ صنعها المال، ولا شيء غير المال” ص176و177، ليس هناك أكثر خطورة ممن يدعون التشدد والحرص على القضايا العامة/الوطنية/الدينية، فهم يتسترون بها وخلفها، لكي لا ينفضح أمرهم، أو يردون من ورائها أن يشركون المجتمع مشاكله، ثم ليبرروا لأنفسم أنهم (قد شاركوا الناس همومهم) ولم يجدوا حلا سوى اللجوء إلى النقيض، هكذا هم من يغالون في التمسك بالقضايا/الهموم العامة.

“راضي” كان مغاليا في غيه، حتى أنه أراد أن يتفوق على معليمه “إسحاق وعدي”: “…علمني إسحاق كيف أصنعهم وعلمني عدي كيف أغذي أحقادعم على بعضهم خفيه حتى أظل على أطلاع بما يدور بينهم وبما ينقولنه، إلي من أخبار، وكبف افضل بعضهم على بعض درجة ليجتهدوا… اعمل على إضعاف الجميع دون استشناء لتحكم قبضتك عليهم وكي لا يشعروا يوما بقوتهم، أربك حساباتهم، وحدك المؤتمن وغيرك يخون، لا تضع ثقتك إلا بنفسك، هكذا فهمتها، ذلك تدريب إسحاق وعدي أيضا” ص178و179، من خلال هذا القول نرى أن هناك اجتهاد غير عادي يبدله “راضي” فهو يتعلم من معلمين، إسحاق وعدي” وليس من معلم واحد، وهذا ما يشير إلى غيه وحجم الشر المسيطر عليه ومقدار الخيانة المقدم عليها، فنجد الأنا المطلقة/ الأنا الكاملة التي تكون على حساب الناس والوطن والمجتمع، هذه العقلية هي الخراب بعينه، هي الموت بذاته، هكذا تم تكوين “راضي” ليكون في الصفوف الأولى للقيادة.

هذا هو البناء الفكري الذي اعتمده “راضي” أما عن سلوكه، فيحدثنا قائلا: ” كان أول شيء فعلته هدم بيتنا في المخيم، تفاهمت مع إسحاق وسوينا المنزل بالأرض، هدمت تاريخي كاملا هناك وبنيت آخر في حي الماصون” ص263، طبعا التنسيق مع “إسحاق” يهدف إلى أعطاء “راضي” صفة الوطنية، فمن يهدم بيته الاحتلال هو بالتأكيد مقاوم.

وبعد مقتل “عدي” نجده يحاول ان يحل مكانه، لكن سالمومي لكن الأسياد يرفضون ذلك ويقررون ان يكون “مختار” هو البديل: “… نحن مقتنعون بالكارزما خاصتك، وبأن لديك قدرات فذه على القيادة، وأننا سنتواصل معا إلى تفاهمات، ترضي جميع الأطراف، وأن وجودك في السلطة وعلى رأس الهرم سيخلق لنا جوا مريحا للمناورة والوصول إلى ما نريد معا

ـ لكن! ، نريد مختار على رأس الهرم، …مختار خدمنا جديدا وقد آن الآوان لمكافأته…سيأتي دورك لاحقا، ونحتاجك في مكان آخر، ستكون ذراع مختار اليمنى، وستصبح أكثر قوة.” ص266، وهنا يثار “راضي” لكن يتم تحجيمه من خلال هذه العبارة: ” مختار لم يتورط في عمل عسكري ضدنا يوما، …يوظف كل طاقته من أجل الوصول إلى تهاهمات مشتركة نستطيع من خلالها إنهاء الصراع” ص267، بمعنى أن المرضي عنه من قبل المحتل، هو من يصل، ومن يصل هو من لم يقتل/يجرح/يقاوم المحتل، هذه المعايير التي يضعها الاحتلال (لعناصر لقيادة الصالحة)، فكل من قتل/جرح/قاوم الاحتلال لا يصلح ان يكون في القمة، لأنه يخالف التعاليم والمعايير التي وضعت.

ولم يقتصر دور “راضي” على ما سبق، بل نجده يعمل على توسيع دائرة عمله، ليكشف مخابئ المطاردين، وطريق تموليهم وتموينهم، وإزاحة من يشكل خطرا على المحتل ليحل مكانه، بهذا الجانب يقول: “نشطت في الانتفاضة الأولى، وساعدني اسم عدي في الوصول بعيدا في الخلايا التنظيمة، كان يكفي ذكر اسمه حتى تفتح الأبواب المغلقة، وتطأطئ القامات رؤوسها سمعا، وبضربات محسوبة أصبحت واحدامن القادة الميدانيين المشار لهم بالبنان، كان يشاي يحرص على أن يأتي مع القوة التي ستعتقلني ويحيل الموضوع إلى عداء شخصي، يعبئ الحي صراخا وصخبا ونتبادل السباب والإهانات، أذكر مرة وبتشجيع منه، لكمته على وجهه فأطق علي النيران مفسحا ثغرة لي للهرب وأصبت في ساقي، طوردت لعدة أشهر قبل اعتقالي، كانت كافية لأعرف المخابئ والاحتياجات الأمنية للمطاردين، وأضحيت بطلا تفتح له الأبواب والرتب والارتقاء السريع، تكررت الاعتقالات حتى تحولت الحصيلة إلى سنوات فصلت بينهما فترات متقاربة من الحرية وإزاحة بعض الرؤوس بترتيب مع يشاي ليخلو لي مكانها، بمرور الوقت صرت رأسا من الرؤوس التي يحسب لها حساب تنظيميا، يكفي أن أشير بإصبعي حتى تنقلب الضفة وغزة معا، ومن ثم تقرر إبعادي لأبدأ رحلة أخرى، رحلة طرق أبواب قيادة أعلى، ودوائر أوسع، ولقائي بسالومي…” ص88و89، اللافت في هذا المقطع أن العميل “راضي” يقوم بأعمال المقاوم/الثائر، يضرب ضابط الاحتلال ويُصاب برصاصة، يُطارد، يُعتقل، يُنفى إلى خارج فلسطين، كل هذا ليتم صقله، ومن ثم ليكون (قائد)، صاحب مكانه ونفوذ في المستقبل، بمعنى أن العملاء يأخذ تكوينهم وقت طويل جدا، فهم يحملون تاريخا (نظيفا)، لكن في حقيقتهم هم خلايا وجنود للمحتل، يقومون بدورهم في المكان والوقت الذي يحدده الضابط المسؤول، وهذا ما صرح به جهار وبوضوح: “المرحلة تغبرت، تحتاج الآن إلى صف من القيادات التي تمتلك رؤيا للسلام، قيادات قادرة على إقناع الجماهير بصوابية ما نذهب إليه، وقريبة منها في ذات الوقت” ص97، من هنا لم نتفاجأ بما أنتهت إليه الشخصيات وأحداث الرواية، فكل ما تناولته كان أسود وقاتم، ومساهمة “بهية، مختار، عدي، راضي” في عمليات التصفية التي قام بها “إسحاق” وجنوده، أو سكوتهم على تلك التصفيات رغم علمهم بها، يؤكد أن تلك (القيادات) تعمل لصالح العدو كموظفين/كعملاء، عليهم أن يقوموا بما يؤمروا به وينفذونه ودون تأخير.

الحكم

ينقل لنا “راضي” خلاصة التعاليم التي قدمها له “يشاي”: ” حين تريد فلن يكون هذا الأمل حلما من الأحلام، أن المستحيل إذا قسم على جرعات أضحى ممكنا” ص88، هذا على صعيد بث الأمل والمعنويات، أما فيما يتعلق بالنهج والعمل، يقول: “كي تكون قائدا عليك إزاحة الجميع من طريقك وتكسر عظامهم إن لزم الأمر” ص99، من هنا وجدنا “رضي” شخصية غارقة في العمالية والخياة والقتل والشر.

رقية

“رقية” عاشت أحداث أيلول وعرفت معنى الحرب وقسوتها، تحدثنا عن معاناتها بقولها: ” حين حاصر جنود البادية المخيم، … رغم القصف وأزيز الرصاص الذي لم يتوقف للحظة والحقد الذي طفا على السطح دما ليغرقنا… كان مساء السادس عشر من أيلول قد حل، وحلت معه الآليات والدبابات والحشود العسكرية، سمعت أطلاق كثيف فعدت أدراجي لأجل طفلي وقلبي موقد نيران يشتعل قلقا على عدي، وغضبا من عبد الوهاب ومن القوات الأردنية، التي انتشرت في المخيم. بدأوا تفتيش المنازل، فتشوها كلها، حتى الزواريب لم تسلم من النهش وتقليب الأحشاء بحثا عن السلاح والفدائيين، …صارت شوارع المخيم فقرا لا يؤمها سوى القطط والكلاب وقوات البادية التي تطوقه من كل مكان وحين قطعوا التيار الكهربائي والماء أحسست وكأننا غرقنا في صحراء ولا يحيطنا سوى الرمل والسراب، …ما إن دخلت المنزل حتى دخلت قوات البادية ورائي، وقفت اعترض طريقهم فأبعدني أحدهم:

ـ لم نسمح لكم بالدخول، ماذا تريدون؟

ـ أخرسي يا ش…

دفعني وسحبوا مختارا من ذراعه، كان بعد ما زال صغيرا، في العاشرة ربما، وأبي كان مريضا وهزيلا فتركوه، امرونا بالخروج من البيت فأسندت أبي على كتفي وأمرت نجلاء أن تسنده من الجهة الأخرى…أنزلت أبي على فراش نفشوه وركضت لأحمل فلذة كبدي الذي انفجر بالبكاء، استمروا في التفتيش والعبث بمحتويات المنزل، ورموا بحصص الإعاشة على الأرض حتى صارت سبخا من لزوجة وسخام فأمسكت بذراع أحدهم أستحلفه أن يتوقفوا، دفعني والطفل بعيدا باصقا بذاءات تعشعش في زوايا الأزقة كقمل الرأس وجرب الجسد، وتلقاني الحائط، حصرت عدي الطفل بين ذراعي أحميه، وجن جنونهم

ـ تربين فدائيين! ألا يكفي أخاك الش..

أقترب مني أحدهم وانتزع من بين ذراعي ورماه أرضا، واختلط صراخ الجزار ببكاء نجلاء، وببكاء عدي، وبدمه المندفق ورودا حمراء، وبكل مراجل الغيظ التي تقذف حممها هجمت عليه، تكالبوا علي ولم أدر كيف أصد ضرباتهم، نهر الصفعات والركلات والبساطير التي داست جسدي افقدتني الوعي، حين أفقت كان ابني في قماط أحمر ينز دما، أخرجونا من البيت/ وضعت أبي على ظهري، وامرت نجلاء بمساندتي وحمل الطفل الميت ولم أعرف من أين أتتني القوة، أو ربما هي لوثة الموت” ص109-113، بالتأكيد المشهد دامي، ولا يمكن أن يحتمل، خاصة أنه جاء على لسان امرأة شاهدت موت طفلها أمام عينيها، ولم تقدر على إنقاذه، فعلت ما بوسعها وبذلت كل ما تملكه من طاقة وقوة ولم تنجح، وهنا تكمن مأساة الفلسطيني في أيلول، الفقدان، المعاملة المتوحشة من قبل أخوة، وانتهاء الأمل بانتصار الثورة والعودة للوطن، فالمأساة كانت على الصعيد الشخصي، وعلى الصعيد الوطني/التحرر، لهذا كان أيلول بمثابة نكبة/نكسة أخرى حلت بالفلسطيني.

اللافت في هذا التناول أنه جاء على لسان “رقية”، المرأة التي فقدت أهلها في الحروب الفلسطينية العربية: “في الأردن فقدت أبني، وفي بيروت أبي، وأختا أضحت بالنسبة إلي نسيا منسيا، وها أنا أقدم كبشي الأكبر!

ـ عدي يا حر كبدي على عدي، على موت…

أآآآآآآه” ص297، وكأن الساردة ارادت به استعطاف المتلقي وجعله ينحاز لرقية ولشعبها الذي يقتل، وإذا أخذنا اللغة الدينية التي تميزت بها عن غيرها: “كان الناس قريبين جدا ولم يكن رابطنا الدم، كان الفقر ما يجمعنا ورابط التشرد ليس كما الآن، “تراهم جميعا وقلوبهم شتى” ص113، نتأكد بساطتها وإيمانها وشعبيتها، بمعنى أنها امرأة لم تتلوث بالسياسة ولا بالسياسيين، ودفعت ثمنا باهظا نظير كونها فلسطينية ليس أكثر.

من هنا نستنتج أن اعطاء السرد لرقية للتحدث عن أيلول وما تعرض له الفلسطيني على يد (الأخوة) العرب، كان موفقا ويحسب للرواية، التي نجحت في استقطاب المتلقي إلى جانب الضحية، وأكدت ـ بطريقة غير مباشرة ـ على أن النظام الرسمي العربي لم يكن إلا شريك للاحتلال في تقصيته للفلسطيني.

وهنا يكمن الابداع في السرد، توزيع المهام/الأدوار على مجموعة من الشخصيات لتقوم بدورها في تقديم الأحداث، فطبيعة الشخصية تتناسب والدور الذي تقوم به، بحيث تكون مقنعة للمتلقي، وهذا ما يميز رواية “ما تساقط”.

 

عدي

بدايات عدي كانت نقية، فقد تعرض للحصار في قلعة الشقيف، وكلف من قبل قائده بإخراج أحد رفاقه المصابين إلى صيدا، لكن علاقتة مع “سليمان بيك” جعلت منه رجل آخر، رجل يبحث عن مصالحه على حساب الثورة والثوار، إذن البدايات كانت نظيفة: “أتيت مع سليمان بيك قبل عدة أشهر في مهمة لتفقد الأوضاع في النبطية ومرجعيون، وكان أن بقيت في أرنون، في القلعة تحديدا، قال البيك إنه يفكر في الذهاب إلى إسبانيا لزيارة غادة… وكنت أتحين الفرصة للإبتعاد عنه، وأشعر بحاجتي إلى هواء نظيف لا تلوثه سطوته، فكان أن بقيت” ص52، تحول “عدي” لم يأتي مرة واحدة، ب على مراحل، وكأن ما قاله “يشاي” ل”راضي” حول التقسيم المسيحيل إلى مراحل يطبقة/يمارسه “سليمان بيك” على “عدي”.

أول خطوة في سقوط “عدي” كانت قبوله الزواج من نجوى التي فرضت عليه من قبل “سليمان بيك”: ” …”أولاد الحرام بذرتهم قوية ويعرفون طريقهم في الحياة” كان هذا ما قالته رقية حين أخبرتها برغبة البيك في تزويجي من نجوى لأجل الطفل، ولطمت خدها وشقت ثوبها على شبابي المضاع هدرا.

..فوارق الزواج كانت تصريح خروجي من جحيم ملاحقة المخابرات الأردنية، بالإضافة إلى تأمين خروجنا جميعا من الأردن، وحين سمعت تفاصيل صفقتي مع البيك صمتت على مضض، ولم ترتح إلا حين أخبرتها أن الزواج سيكون شكليا ولأجل أهل الفتاة” ص229، هذه الخطوة كانت بمثابه مقدمة لمجموعة انزلاقات لاحقا، حتى أنها وصلت إلى التعامل والتعاون والتخابر والتنسيق مع المحتل، وهذا ما يؤكد أن الإنتقادات للثورة وتبيان السلبيات والأخطاء الجسيمة التي وقتها/أقدمت عليها لم يكن من باب الحرص عليها، بل من باب تهيئة النفس للإقدام خطوة وخطوراتها نحو الهاوية، فكل من انتقد الثورة من شخصيات الرواية نجده يقوم بألخيانة العظمة، خيانة الثورة/فلسطين/الشعب، وحتى رفاقه/أصحابه/أهله.

 

فساد الثورة والثوار

“عدي” يفكر في أوضاع الثورة وما آلت إليه أحوالها، فهو لم يكن مجرد منفذ/آلة، بل إنسان، من ضمن ما وصل إليه هذه الحالة: “…وفي كل معركة دخلناها كنت أحس بأن فلسطين تبتعد، أننا نخسر قوانا خيرة شبابنا دون أن نحرز تقدما ما، وتصر القيادات على انتصارنا واقترابنا من البلاد، ولا أشعر سوى بابتعادنا أكثر وأكثر” ص53، الهوة بين العناصر والقيادة كبيرة، فالعناصر تعي ما يحصل على الأرض، والقيادة في عالم آخر، لا تراجع حساباتها، ولا تقيم نتائج معاركها، فهي تتعامل مع أفراد الثورة كأحجار، من يسقط يأتي بديلا عنه.

ينقل لنا قول “أبو أياد” قبل الخروج من بيروت: “أن المقاومة المسلحة قد انتهت، أن نضالنا أصبح سياسيا” ص343، وهذا أسهم أيضا في تسارع سقوط “عدي”.

كما أن حواراته مع عناصر وقيادات الثورة كانت تصب في تصفية المقاومة المسلحة، والإلتجاء إلى الحلول، وهذه الاستنتاجات لم تقدم دفعة واحدة، بل على مراحل، فالمراحل/الجرع/الحقن هي من تجعل الأشخاص ينحرفون/يدمنون/يعتادون على العهر والخيانة:

البدايات المتعثرة، والسلوك الخاطئ لم يكن وليد الساعة، بل هو نهج مارسه رئيس المنظمة، وكان يعمل على إضعاف الآخرين ليبقى هو المسيطر، هذا الأمر لم يقتصر على حركة فتح فحسب، بل طال التنظيمات الأخرى: “.. ـ من كان يمول الانقسامات بنظرك!

ـ من؟

ـ مهندسا الأو..

ـ … متى تفهم! كان يمول الانقسامات ليظل المهيمن” ص65، هذا نقد واضح وصريح لياسر عرفات ولنهجه في قيادة المنظمة.

ومن الحوارات التي أسهمت في سقوط “عدي” هذا الحوار: “ـ أنت أحمق، وتتبجح فدائيون! لا ترى أنكم مليشيات، وكل ميليشيا هي تنظيم داخل التنظيم، وما يشد لحمهم جميعا الماتل، لا تظن ولو لحظة أن ما يشدهم هو الوطن أو المبادئ، أو ثورتكم حتى نصر،…علينا إرضاء الجميع، إرضاء الرؤوس جميعها، فكل رأس له ميليشياته وأتباعه، …علينا أن نفكر فيما بعد البندقية الآن، كومة الخردة التي تحملونها وتظنون أنها ستأتيكم بدولة، لا الميليشيات ولا تبعيتك ولا الثورة، فالموضوع أكبر منكم جميعا” ص346، خطورة هذا الكلام الصادر عن أحد القيادات أنه كان قبل الخروج من بيروت والبنان، بمعنى أن هناك توجه سابق عند القيادة للانحراف، والتخلي عن الكفاح المسلح، من هنا ما آلت إليه منظمة التحرير بعد أوسلو، لم يكن مفاجئا، بل هو مسار (طبيعي) لتوجهة القيادة ونهجها.

خطورة ما قامت به قيادة الثورة لم يقتصر أثره السلبي على الشعب الفلسطيني فحسب، بل طال الأحزاب والتنظيمات العربية المعارضة للأنظمة الرسمية، وطال أيضا حركات التحرر العالمية، فالثورة الفلسطينية كانت حاضنة لكل الثوار في العالم، حتى أننا يمكن ان نسميها ثورة لكل أحرار العالم، عن هذا الأمر يحدثنا “عدي” بقوله: “…فعجت القلعة بالطلبة المقاتلين، فلسطينيين، ولبنانيين، وأتراك، ومصريين، وحتى ثورا من حزب العمال الكردستاني، جميعهم كانوا يأتون من الجامعة الأمريكية في بيروت ليتعلموا في مدرسة الثورة الفلسطينية” ص55، من هنا تكمن خطورة التراجع الذي أقدمت عليه قيادة الثورة، وخطورة سكوتها على الأخطاء والسلوك الانتهازي الذي مورس من قبل بعض أعضاء قيادتها. فهي لم تقتل النضال التحرري الفلسطيني فحسب، بل طال أيضا حركات التحرر العربية والعالمية كذلك، لأن: “الثورة الفلسطينية ضالة كل مؤمن بالحرية والعدالة” ص232،.

نجلاء الحلاق

المرأة التي تزوجها “عدي” بأمر من “سليمان بيك” فهي كانت عشيقته، وأراد أن يخفي علاقته معها من خلال تزويجها، اللافت في طريقة السرد التي استخدمتها “نجلاء” لغة الأنثى، فعندما تتحدث يشعر القا رئ ا نه امام أنثى حقيقية، وليست أنثى حقيقية، من لحم ودم: “…ذابت الكلمات في فمي فحلاوة حضوره طغت على كل شيء، التفتُ ارتميت على صدره، بين ذراعيه بحثا عن وطني الضائع، وضمني للحظات قبل أن يبعدني عن جنيبه قليلا ليهمس:

ـ اشتقتلك. تستطيعين طلب إذن والمغادرة.

أومأت برأسي، وتحسست شفتيه بعيني وسحبته خارجا” ص240و241، هذا أثر “فادي” على نجلاء، فصوت الأنثى كان حقيقيا وصادقا ومقنعا للقارئ، وهذا يحسب للساردة، التي اختارت بدقة وعناية شخصياتها ، واعطتها حرية التحدث دون تدخل منها، فكان حديثها بهذه مقنعا وممتعا للمتلقي.

وبما أن “نجلاء” تعرضت لحالة من الظلم على يد “سليمان بيك” وعلى يد أجيره “عدي” فقد وجدت الحب الحقيقي في وعند “فادي” لهذا كان صوت الأنثى عندها متميز: “أختاره سليمان بيك ليكون جسرا لسريري ولآخرين، لا اذكر منهم أحدا، عابرين على جسد لا يمكث فيه سوى فادي، يأتون ويرحلون، وتتبدل وجوههم وألقابهم ورتبهم وتظل روحه منيعة في” ص246، رغم ألألم، إى أنها بقيت محتفظة “بفادي” كحالة خاصة بها، لما تميز به عن الأخرين/الدخلاء.

هذا ما كان في بيروت ولبنان، أما عن دورها بعد إنشاء السلطة، فكان: “أنشأت وبهية شبكتنا الخاصة من الفتيات كي نحكم إمساك الخيوط كما يشاء عدي” ص247، بهذا تكون غالبية شخصيات الرواية مارست النقد للثورة ولقياداتها، لتبرر لنفسها ما ستقدم عليه، وكأنها تقول: ما دام الكبار يسقطون/يخطئون/يجرمون/ينعمون بالخيرات بالحلال وبالحرام، لماذا أبقى انا نظيف/قابض على الجمر، محروم من النعيم!.

الرواية من منشورات الفينيق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الاولى 2021. عرض أقل

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك