بعض القوانين الحالية تعرقل الاستثمار الفلاحي

الخبير الدولي في الفلاحة والهندسة الزراعية، الدكتور لاتيڨي أحمد لـ"الوسط":

  • المنتجات العضوية مفتاح الأمن الغذائي

 

كشف الخبير الدولي في الفلاحة والهندسة الزراعية، الدكتور لاتيڨي أحمد، في حوار خص به جريدة “الوسط”، أن الجزائر بتنوعها المناخي الحيوي ومساحاتها الخصبة بإمكانها أن تكون بلد زراعي بامتياز ينافس بمنتجاته أعرق المزارع وأجود السلع الزراعية وحتى الحيوانية بدون انقطاع على مدار العام، مشيرا بالمناسبة أنه قد لمس وجود إرادة سياسية حقيقية لتحقيق هذا، وما علينا إلا تذليل العقبات أمام المزارعين والمستثمرين على حد سواء وتحيين وتقويم سياستنا الزراعية مع الاعتماد على الهندسة الزراعية من خلال تطبيق المعارف والمهارات الهندسية لحل كل المشاكل المتعلقة بالإنتاج الزراعي للحد من فاتورة الاستيراد والدفع عاليا بمستوى صادراتنا خارج المحروقات، مبرزا في هذا الخصوص، أنه قد حان الوقت جديا لتحقيق السيادة الغذائية المنشودة التي تحمينا وتحمي أبنائنا مستقبلا من الوقوع ضحية أزمات الأمن الغذائي، خاصة أن كل الظروف والإمكانيات مواتية لنتحول من شعب مستهلك لشعب منتج بإمكانه تحقيق اكتفائه الغذائي، الذي سيقوي دون أدنى شك اقتصادنا الوطني.

 

        بداية من هو  لاتيڨي أحمد ؟

أنا من مواليد 10 فيفري 1954 بتلمسان، مهندس دولة في الهندسة الزراعية متخرج من المدرسة الوطنية العليا للزراعة بالحراش، ومتحصل على دكتوراه دولة في العلوم الطبيعية المطبقة على الهندسة الزراعية بجامعة تيارت، ودكتوراه فخرية بجامعة باي تشاي دايجون في كوريا الجنوبية، إلى جانب دبلوم الدراسات المتقدمة (DEA) للنظم الإيكولوجية القارية للبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى دكتوراه في فسيولوجيا النبات والبيئة بجامعة العلوم والتقنيات سانت جيروم إيكس مرسيليا 3 بفرنسا، شغلت منصب نائب مدير الجامعة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي والتعليم العالي بعد التخرج بجامعة تيارت، ثم  مدير جامعة تيسمسيلت، ومهام إدارية رفيعة المستوى في إطار اتفاقيات التعاون العلمي مع العديد من الجامعات الأجنبية، قمت بدراسات أخرى بعد الدكتوراه بعدة من معاهد أجنبية الراقية كمعهد دارمشتات الألماني لبحوث المكافحة البيولوجية، ومعهد الهندسة الزراعية كراكوف بولندا، وجامعة العلوم والتكنولوجيا لانغدوك مونبلييه بفرنسا، كما شاركت في العديد من المؤتمرات والأنشطة الدولية بالعديد من البلدان الأوروبية والأسيوية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وأملك العديد من المؤلفات والمطبوعات في مجال تخصصي بعدة لغات أجنبية، والتي بإمكانها إعطاء قيمة مضافة حقيقية للدراسات الاستشرافية التي تركز حول مستقبل التنمية الفلاحية والهندسة الزراعية في البلاد.

 

 

*        عند تمحيصكم لواقع الفلاحة في الجزائر، ماهي النقائص والعوائق التي حالت دون النهوض بهذا القطاع الذي يعد بديلا استراتيجيا للمحروقات؟

 

أولا يجب أن نعرف أن الفلاحة في الجزائر قد حققت تقدما ملحوظا في السنوات الأخيرة لكن مع ذلك لازال أدائها غير كافٍ مقارنة بالقدرات والإمكانيات التي تزخر بها بلادنا، والتي في حال استغلالها أحسن استغلال ستتمكن من منافسة اكبر الدول المنتجة للسلع الزراعية في العالم واحتلال مكانة قارة في السوق الدولية، وفي رأيي تعاني الفلاحة في بلادنا من عدة مشاكل وعوائق على رأسها عدم استعانتنا بالهندسة الزراعية في السياسة الفلاحية المسطرة من قبل الدولة، ما جعل العديد من المستثمرين الجادين يتخوفون من المشاكل التي من الممكن أن تعترض مشاريعهم الزراعية، بالإضافة إلى الاحتكار الممنهج في القطاع طوال العقدين السابقين، الذي أدى لتقديم العديد من الامتيازات الغير مستحقة لغير أصحابها وما ترتب عنها من هروب المستثمرين الأجنبيين وحتى المحليين نتيجة سياسة التهديد والابتزاز التي كانوا يمارسونها دون من تسول له نفسه الاستثمار في المناطق الفلاحية، وهذا دون أن ننسى غياب الترسانة القانونية التي تنظم الاستثمار الفلاحي، خاصة مع وجود قوانين غير مفهومة وغير المبررة أعاقت جميع المبادرات، كما أعاقت إقامة العديد من شراكات على مبدأ رابح-رابح، كما أن المزارعين والفلاحين يشتكون ضعف المرافقة و دعم و إرشاد من قبل الغرف الفلاحية في أغلب الولايات، مع قدم التقنيات المستخدمة في الزراعية باعتبار  الزراعة الحديثة أصبحت تتطلب التحديث المستمر لتقنيات الإنتاج والزراعة والمعالجة الغير مطابقة للمعايير الدولية المعمول بها، خاصة مع ارتفاع تكلفة منتجات البستنة والأسمدة الكيماوية والبذور المحسنة، ما يترتب عنه ارتفاع تكلفة إنتاج بعض المنتجات الزراعية، مما يضر كثيرا بجيب الفلاحين من منطلق أن الأرباح لا تغطي التكلفة الفعلية لمزروعاتهم، مما يستدعي مزيدا من الدعم الحكومي في هذا الخصوص، خصوصا أن بلادنا حاليا تعول على رفع الصادرات خارج المحروقات، ومنه يجب أن تسطر برامج تسويق لمنتجاتنا الزراعية مثيرة للاهتمام ،بالتنسيق مع مستشارينا الاقتصاديين الموزعين عبر العالم، في إطار تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية لكي نتمكن من التموقع الجيد في أسواق السلع الزراعية في إفريقيا خصوصا والعالم عموما.

 

        هل بإمكاننا في حال تم اتخاذ ما يلزم تقليص حجم الفجوة الغذائية التي نعاني منها وتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يضمن مستقبل الأجيال القادمة؟

 

يمكن لبلدنا من خلال ما تزخر به من تنوع بيئي والحيوي ومناخي تقليص الفجوة الغذائية التي يعاني منها في وقت قياسي، خاصة أننا وعلى غرار دول العالم يمكننا إنتاج جميع المنتجات الزراعية على اختلافها على مدار العام، فعلى سبيل المثال، يتمتع جنوبنا بالتربة والمياه والقدرات المناخية التي تعطي لك إمكانية المجازفة بإنتاج أي محصول زراعي في غير موسمه، والنجاح بسهولة في تحقيق محصول وفير ذو جودة عالية، وهي خاصية يحسدنا عليها الكثيرون.

 

 

        بناء على ما ذكرت، أي الشعب الفلاحية والمحاصيل الزراعية التي يجب التركيز عليها لجلب العملة الصعبة؟

 

في هذه المسألة يجب أن نعتمد على المحاصيل التقليدية أو المنتجات الزراعية الأصلية المتوطنة في الجزائر، مثل التمور التي يضاهي  ذوقها المتميز وجودتها باقي الأنواع في العالم، بالإضافة إلى هذا فقد حان الوقت لنا أن نغير وجهتنا ونعتمد على ما يعرف بالزراعة العضوية ومنتجات “البيو” بدون مبيدات التي تحافظ علي التنوع الحيوي، كما يعتبر من أساليب لزراعة الحديثة التي أصبحت تلاقي إقبال كبير من سكان المعمورة، بسبب أن المنتج الزراعي العضوي يحتوي على فيتامينات ومغذيات ومضادات أكسدة أكثر مما يحتويه الغذاء غير العضوي، المليء بالأسمدة الكيماوية التي أصبحت منفرة للمستثمرين الأجانب الذين أصبحوا يفضلون منتجات زراعية عضوية أقل جودة، على حساب منتجات زراعية غير عضوية أكثر جودة، الأمر الذي بإمكانه أن يغير مستقبلنا الفلاحي والاقتصادي ككل، إذا علمنا أن هناك مساحات “خصبة” شاسعة من بلادنا لم يتم استغلالها قط، أما فيما تعلق بالمنتجات التي يجب التركيز على زراعتها هناك الزيتون بحيث بإمكان هذه الشجرة التي تزدهر في المناخ المتوسطي أن تكون خيار واعد لأن الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين مهتمة كثيرة في الاستثمار في زيتها، الى جانب الحمضيات التي تفوق جودة محاصيلنا مثيلاتها في جميع البلدان الأخرى، وصراحة جبت عديد دول العالم وجميع منتجاتنا الزراعية ذات جودة عالية، ناهيك عن لحوم الحمراء وغيرها، والدليل أنها مطلوب في جميع أنحاء العالم، ويتم تصديرها بشكل احتيالي بعلامات تجارية أجنبية أخرى، في حين أنها تنتج في بلادنا، مما يؤكد أننا بإمكاننا إنتاج محاصيل تضاهي وتنافس في جودتها أعرق المزارع في العالم.

 

        متى تحتل الصناعة التحويلية “الشبه غائبة” مكانتها الحقيقية في الاقتصاد الوطني؟

 

أولا يجب أن ندرك أن الصناعة التحويلية تعني تحويل منتوج فلاحي الى منتوج صناعي غذائي، وهي في العموم تعود بفائدتين، فائدة اقتصادية من خلال استغلال المنتجات الثانوية الزراعية في صناعات غذائية للتقليص من فاتورة الاستيراد وبالتالي تقليل استنزاف العملة الصعبة، بالإضافة إلى تحقيق الفائدة الايكولوجية البيئية في إطار ما يعرف بالرسكلة، ما يدفعني هنا لمطالبة الجهات المختصة بتثمين هذه الصناعة وإعطائها مزيدا من الاهتمام لتعميمها لأنها رغم قلتها صناعة واعدة بإمكانها تقديم تحريك عجلة الاقتصاد الوطني وخلق ثروة مضافة وفرص عمل للشباب دون تلويث المحيط، وهنا أذكر  ألياف النخل المنتجة بكميات كبيرة كل عام بفعل تقليم النخيل في واحات بسكرة وورقلة وبقية جنوب الجزائر، والتي يمكننا استخدامها كركيزة بستانية وكبديل للأسمدة الكيماوية.  

 

 

        الزراعة الصحراوية والفلاحة الواحاتية أيهما يمكنه تحويل صحرائنا إلى قبلة للاستثمار الفلاحي؟

 

أولا يجب على السلطات العليا في البلاد دعم وتمويل الفلاحة الواحاتية من خلال المشاريع المحلية المسطرة في هذا الخصوص، للحفاظ على التنوع البيئي والحيوي من جهة و تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لسكان المنطقة من جهة أخرى، تلبية لاحتياجات سكانها من المنتجات الزراعية الطازجة، ما يستدعي ضرورة تطوير زراعة الواحات وتمويل المشاريع المصغرة للمرأة الريفية و المزارعين في مختلف المجالات كتربية النحل وتربية الدواجن وغيرها، أما فيما يخص الزراعة الصحراوية صحرائنا تمتاز بمساحتها الشاسعة، كما أن معظم أنواع تربتها خصبة وغنية جدًا بالمعادن الضرورية لنمو أينوع نباتي، بالإضافة إلى وجود مياه بعمق بضعة أمتار ما يمكننا من المراهنة على زراعة  مختلف المحاصيل الزراعية الغريبة والاستوائية مثل مثال المانجو والأناناس في برج باجي مختار، وأكبر دليل على هذا قصص نجاح مختلف الأصناف الهجينة في صحرائنا، دون نسيان إمكانية توليد الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية التي تزخر بها بلادنا، وبالتالي في اعتقاد أن على الجزائر الاستعانة بكل من الفلاحة الواحاتية والرزاعة الصحراوية لتحويل صحرائنا الغنية بالثروات الطبيعية والإمكانيات البشرية لقبلة حقيقية للاستثمار الفلاحي في حال تم تذليل لعقبات التي ذكرتها آنفا.

 

        هل من إضافة ؟

في الأخير لا يسعني القول إلا أن الجزائر بتنوعها المناخي الحيوي ومساحاتها الخصبة بإمكانها أن تكون بلد زراعي بامتياز ينافس بمنتجاته أعرق المزارع وأجود السلع الزراعية وحتى الحيوانية بدون انقطاع على مدار العام، وقد لمست وجود إرادة سياسية حقيقية لتحقيق هذا، وبالتالي ما ينقصنا هو تذليل العقبات أمام المزارعين والمستثمرين على حد سواء وتغيير سياستنا الزراعية والاعتماد على الهندسة الزراعية من خلال تطبيق المعارف والمهارات الهندسية لحل كل المشاكل المتعلقة بالإنتاج الزراعي للحد من فاتورة الاستيراد والدفع عاليا بمستوى صادراتنا خارج المحروقات، بغية تحقيق السيادة الغذائية التي تحمينا وتحمي أبنائنا مستقبلا تفاديا للوقوع ضحية أزمات الأمن الغذائي، بحيث حان الأوان لنتحول من شعب مستهلك لشعب منتج بإمكانه تحقيق اكتفائه الغذائي وتقليص حجم البطالة في نفس الوقت.

 

حاورته: مريم خميسة

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك