بعيدا عن التمييع.. “الإعلام” تكوين ورؤية

من شؤون الميديا

بقلم د.محمد مرواني /أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

أضعف “إعلام الصورة ” الذي تتمظهر أشكاله في كثافة “الصور ” و”الفيديوهات ” ونقص “النصوص الصحفية ” في منابر الإعلام أضعف هذا النوع من الاعلام “رصيد الإعلامي ” وألغى كيانه مهنيا إذ يحيل هذا الضعف الذي قد نراه في تراجع مستويات الأداء الإعلامي ،والرصيد المعرفي ،وسطحية المعالجة الاعلامية لقضايا الراهن والمواضيع التي تخاطب الرأي العام إذ تفتقر العديد من  قنوات تلفزيونية ،وفي منابر إعلامية عديدة لخاصية هامة ،وهي رصيد “الخطاب الإعلامي المنتهج ” ثم السند العلمي والمعرفي الذي يرتكز عليه مسار الإعلامي في ممارسة مهن الإعلام ،والصحافة على اختلاف أشكالها وقد يؤدي الاهتمام بالوسيلة الاعلامية أكثر من الاهتمام بماهية الإعلامي إلى تراجع مفهوم الإعلامي المثقف الذي يخاطب الناس عن مسار ورصيد وأدبيات وخبرات مهنية تكتسب بتدرج لا تختزله الوسيلة.

 

التكوين ضروري …

 

مهما قلل العديد من الممارسين اليوم لمهن الإعلام خاصة عبر منابره السمعية البصرية من أهمية التكوين الأكاديمي للصحفيين والممارسين للمهنة فإن التكوين الأكاديمي يبقى ضروريا ،وهاما للغاية إذ لا يمكن أن يمتلك الإعلامي ،وهو يمارس وظيفة إعلامية شاملة بالمفهوم أدبيات الإعلام ومرجعيات الأداء التي تؤطر إلا من خلال التكوين النظري والأكاديمي الهام الذي يجب أن يكون لسنوات يتلقى فيه طالب تخصص إعلام واتصال كل معارف الإرث النظري للإعلام ومذاهبه المعروفة في المعالجة والتأطير والتعاطي مع المجتمع في سياقه وهو تكوين علمي يؤطره أساتذة جامعيون ،وخبراء في المجال الأكاديمي ،وهذه المقاربة أرافع عنها منذ سنوات عن ضرروة أن يكون التكوين الأكاديمي مصاحبا للتكوين المهني للصحفيين مثلا فلا يمكن أن يتوقف الصحفي عند سقف معين في معالجة “الأخبار ” أو إجراء “التغطيات الصحفية ” فهذه الأنواع الصحفية تحتاج فعلا لرؤية مثقف ومهني قبل كل شيء ومن هنا تأتي أهمية التكوين الأكاديمي في مسار أي صحفي أو إعلامي يمارس المهنة وفق كيانها وعنوانها ومرجعا الأساسي الذي له اخلاقيات وأدبيات وقواعد ممارسة معروفة .

 

الخبرة تكتسب بالتدرج ..

 

هناك معطى هام في مسار الإعلامي مهنيا إذ لا يمكن لأي ممارس لمهن الإعلام أن يختزل الوقت والجهد ويدعي أنه متكون إعلاميا دون أن يتدرج في المسار الإعلامي فيتدرب مثلا على أعداد الأعمال الاعلامية التي يمكن القيام بها في دفتر الأعباء الأول وفي سلم الالتزامات المهنية الأول الذي يمكن أن يكون في مسار أي اعلامي ممارس كما لايمكن للإعلامي أن يدعي أنه متخصصا في مجال من مجالات الشأن العام إلا بعد أن يحوز خبرة مهنية زمنيا محترمة ومعقولة ،وهذه مسالة هامة يجب أن يستوعبها أي ممارس خاصة من الشباب الذي نلحظ له حماسا هاما في الولوج إلى عالم الصحافة منبهرا بإعلام الصورة على حساب إعلام الكيان والرصيد الذي يحيل إلى مسارات قابلة للقياس واعتقد أن التدرج في المسار المهني ،والاشتغال المهني المتدرج يتيح للصحفي مثلا التعلم والتدرب ،والتمكن في الأخير بعد سنوات من الممارسة من معالجة عميقة لما هو موجود في الساحة وفي مجالات الشأن العام من حركة للشخوص والأحداث إذ يجب على الصحفي أن يستغل الوقت الكافي لصقل موهبته ثم تأطير ممارسته والارتكاز على ممارسة مهنية محترفة .

 

اعلام “الصورة” يضعف الانتقاء

 

ان الاهتمام المكثف بالتلفزيون قد يلغي تماما كيان “الإعلامي ” ويجعله يسقط في فخ “نجومية ظرفية ” ترتبط ب”الوسيلة ” فقط وهذه مسالة هامة يجب ان ينتبه اليها المهنيون والاعلاميون الذين يهرول بعضهم وراء “الصورة ” على حساب الاهتمام بتنمية وتعزيز قدراتهم المعرفية والعلمية والمهنية وقد انتج لنا المشهد الاعلامي في جزء هام من مظاهره هذا النوع من الممارسين للاعلام المهرولين وراء العمل في “القنوات ” دون التكوين وارتكاز على الممارسة المهنية المحترفة التي يؤصلها العلم والمعرفة كما ان التلفزيون عملاق قد يلغي اي رصيد وكان للمهني الممارس ويضعف الانتقاء لدى الجمهور الذي يعتاد على مشاهدة سطحية لحركة الشخوص والاحداث دون انه يتامل في مضامينها ويحيل سلوكه الاتصالي إلى البحث عن يقنع مهنيا في الممارسة الاعلامية لذا يجب التنبيه ان الإعلامي “كيان ” و”رصيد ” و “رؤية ” و”ممارسة تماسس على مرجيعات وقواعد ممارسة ” كما ان الإعلامي لا يمكن ان يختزل في وسيلة تصنع بريقه بل هو الذي يزيد من ثقل الوسيلة الاعلامية وقيمتها الاعلامية لذا وجب الاهتمام بالاعلامي الذي يخاطب الناس عن رصيد ومسار له قدرات مهنية مقنعة تزيد في صالة الممارسة وتجعلها اكثرا تاثيرا في المجتمع بعيدا اي تسطيح للمارسة والذي للاسف يحاصر اعلامنا الوطني اليوم رغم كثرة المنابر والعناوين الا ان القيادات الاعلامية القادر على الاقناع يبقى وجودها مغيبا في سوق من الوسائل تبعث الضجيج الإعلامي اكثر من معالجة العمق اعلاميا .

 

الإعلامي .. رصيد ومسار ورؤية

 

ومع الانتشار الواسع للوسائل وللتكنولوجيات الحديثة التي توظف اليوم في مهن ملحقة بالاعلام يبقى كيان الإعلامي مغيبا إلى حد كبير بسبب الاهتمام بالحامل التقني ثم الوسيلة على حساب اي تكوين ورصيد يؤطر ويؤصل الممارسة الاعلامية التي لايمكن ان تمارس من فراغ فالاعلامي هو مثقف بالطبع متخصص بحكم التكوين فاعل بحكم الدور المنشود ولا يمكن ان يكون غير هذا فلا الوسائل يمكنها ان تقوم بتجميل المسمى وشرعنة ادائه وكيانه بل ان التكوين والمسار العلمي والمهني النوعي هو من يصنع الاسم والمسمى ويجعل الإعلامي اعلاميا شكلا ومضمونا بعيدا عن اي تسطيح وتمييع لهذا المسمى الذي اضحى لقبا يريد الكثير حمله وكانه لعبة..

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك