بن سلمان يطلق رصاصة الرحمة على الوهابية

مفاهيم وإشكالات

بقلم احسن خلاص 

كان مروره على برنامج بث على القناة التلفزية الحكومية فرصة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليثبت بشكل لا يدع مجالا للريبة النهج الديني الذي صارت عليه المملكة السعودية منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. كان منطلق الأمير السعودي سياسيا بامتياز ضمن رؤية شاملة مبنية على الإدارة بالأهداف القائمة على تحفيز كل ما يدفع إلى تحقيق الأهداف المسطرة من إمكانات وقيم وقدرات وتثبيط كل ما من شأنه أن يكبح سير الخطة المرسومة. والمتتبع للعرض الذي قدمه بن سلمان يكتشف انطلاق الرجل من منهج علمي مبني على أهداف رقمية وقيادة عقلانية وطموحة لشؤون بلده على أفق عام 2030 للانتقال بالعربية السعودية من دولة نفطية إلى دولة غنية مبنية على قدراتها البشرية.

ما أثار الانتباه من حديث بن سلمان هو كلامه الواضح عن التطرف والاعتدال وقد عمد الناقلون لهذا الحديث على فصله عن شموليته وانسجامه وفق الخطة الشاملة المعروضة التي أظهر بعض ثمراتها بعد إطلاقها عام 2016 حيث استغرق وضع الأجهزة المركزية لتنفيذها أكثر من ثلاث سنوات لتنطلق فعليا عام 2019. خطة شاملة لا تحتل فيها الرؤية الدينية الجديدة لبن سلمان إلا حيزا ضئيلا بالرغم من أنها هي الأكثر إثارة للجدل واستنهاضا للمخاوف والتوجسات بالنظر إلى ثقل الموروث الديني الوهابي السائد في المملكة منذ قرون والفائض منه الذي جعل المملكة تبذل من المال والجهد الكثير إلى تصديره إلى بلدان أخرى منها الجزائر التي عرفت موجة سلفية وهابية قوية لا يزال تأثيرها على المجتمع قائما إلى اليوم. 

يكون محمد بن سلمان بمقاربته “العلمانية” الجديدة قد قلب خطاب المملكة الرسمي رأسا على عقب فبعدما كان الخطاب الديني يحتل مكانة مركزية ومنطلقا لجميع السياسات صار التدين وتحكيم الشريعة والمرجعية الدينية أحد الاهتمامات فقط والتي لا تعلو أهمية ولا شأنا عن رهان جلب السياح وتنمية الاستثمارات الأجنبية وتطوير التبادلات وعصرنة المدن والذهاب إلى أفضل التصنيفات للجامعات السعودية ضمن جامعات العالم إلى غيرها من المشروعات الضخمة والطموح للمملكة. لقد أصبح النظر إلى عقيدة الدولة الدينية ضمن خانة الدوافع أوالمعيقات للرؤية المرسومة التي تقع أهدافها هناك بعيدا عن هذه العقيدة لاسيما إذا اتضح أنها مثبطة مثلما صار ينظر إلى منظومة الأحاديث المروية التي يرى ولي العهد السعودي أنه لا يلزم منها الدولة إلا المتواتر منها بينما لا يؤخذ بأحاديث الآحاد والخبر إلا ما لا يتعارض مع المصلحة العامة بما يعني أنه لا يؤخذ بها كنصوص دينية مقدسة. وحتى ما هو منصوص عنه صراحة من عقوبات  في القرآن الكريم فإن تطبيقه غير ملزم للمملكة إلا إذا جاءت في الحديث المتواتر الطريقة التي طبقه بها النبي صلى الله عليه وسلم. 

لم تأت هذا المراجعات نتيجة جهد فكري مستقل انكب عليه “كبار العلماء” ولا ثمرة تطور للتفكير والاجتهاد داخل المؤسسة الدينية بل هو بمثابة قرار هو جزء من حزمة القرارات التي تدخل ضمن الرؤية السلمانية الجديدة الشاملة للاقتصاد والصحة والتعليم والسياسة الخارجية. ويدرج بن سلمان هذا الشطر الديني المثير للجدل ضمن عنوان جامع ومرشد هو الاعتدال الذي يهدف منه بالدرجة الأولى انفتاح العربية السعودية على الاستثمارات الدولية فلا مناص من اتباع كل أشكال القمع ضد المتطرفين المغالين في الدين بما فيها زجهم في السجون وقتلهم. ولعل ما يثير الدهشة ويناقض ما ظل لسنوات ضمن الأطروحات السائدة التي لا تقبل الجدل قوله إن المملكة العربية السعودية كانت أكبر ضحايا الفكر المتطرف الذي جاء من خارج المملكة ولم يكن وليدا عنها. في نظر بن سلمان، شجع ظهور التيار العروبي والاشتراكي والشيوعي في بعض البلدان العربية في الفترة ما بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي نمو حركات دينية متطرفة مضادة انتشرت في العالم الإسلامي إلا أن السعودية كانت هدفها المركزي والمتميز بالنظر إلى أن انتشار التطرف من مهد الرسالة المحمدية وقبلة المسلمين ومحجتهم سييسر انتشاره على باقي أنحاء العالم. لذا من واجب المملكة في نظر ولي العهد السعودي أن تطهر نفسها من الفكر المتطرف الدخيل الذي عشش لسنوات طوال في داخل المملكة وتسلل إلى دواليب الدولة فيها. ويرى أنه لا المصلحة الدينية تجيز الإبقاء عليه ولا المصلحة الدنيوية إذ لا يمكن الطموح لرفع حجم الاستثمارات الأجنبية من 7 مليار ريال إلى 17 مليار ريال ولا يمكن تنمية المناطق السياحية إذا ما أبقت على التطرف الديني في المجتمع السعودي. لذا ينبغي في نظره إعادة النظر في المنظومة القضائية لتتلاءم مع القوانين الدولية المعمول بها. بدا محمد بن سلمان في اطلالته الرمضانية وكأنه يخير السعوديين بين الإبقاء على التخلف ضمن المنظومة الدينية والهوياتية التقليدية أو القيام بمراجعات وإصلاحات هي ضمن برنامج الرؤية الشاملة للقيادة الجديدة.

قد تذهب حماسة المصلحين والتنويريين إلى اعتبار بن سلمان أحد مجددي العصر الذي أعلن طلاقه مع الموروث الفقهي والمدرسة الوهابية بالخصوص ونهى عن تقديس العلماء بينما لا تعدو خطوته أن تكون ضمن مسعى براغماتي يهدف إلى هدم جميع الارتدوكسيات وتجاوز كل الجنبليات في سبيل تحقيق مشروعه لعام 2030 الذي صار بمثابة دينه الجديد.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك