بين فقه السياسة الشرعية وأحكام الدساتير العربية

شروط تولي الحكم والقسم الدستوري:

هناك اختلاف جذري بين الشروط التي سنها “فقه السياسة الشرعية” لتولي الخلافة وما شابهها في الحكم الإسلامي، والشروط التي نصّت عليها أغلبية الدساتير العربية لتولي الحكم في ظل الدولة الوطنية سواء كان رئيسا، أو ملكا، أو أمير، أو سلطانا.

  • فيما يتعلق بشروط تولي الحكم

لخّص الإمام أ بو الحسن علي بن محمدبن حبيب البصري، المعروف بالماوردي في كتابه المشهور “الأحكام السلطانية والولايات الدينية”، الشروط التي ينبغي توافرها في الخليفة، والمتمثلة في العدالة والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس والأعضاء والرأي الحكيم والشجاعة والنسب. ويعني بهذا الشرط الأخير أن يكون الخليفة من قريش استنادا إلى الحديث النبوي “الأئمة من قريش”(رواه أحمد في مسنده). يضاف إلى هذه الشروط، شرط الإسلام والذكورة والتكليف والحرية، وهو ما ذهبت إليه أيضا، الأدبيات السياسية الإسلامية المعاصرة.

أخذت الدساتير العربية من “فقه السياسة الشرعية” شرط الديانة الإسلامية قصد الترشح لتولي أمر المواطنين وشؤون البلاد؛ وفي نفس الوقت أقرّت شروط أخرى حداثية لها علاقة بنشأة الدولة الوطنية، كالجنسية الأصلية وعدم الزواج من أجنبية ولو كانت مسلمة، والإقامة بالوطن والسن وهو مرتبط أكثر بالأنظمة الرئاسية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية. من بين 22 دستورا عربيا، نصت عشرة منها على شرط الديانة الإسلامية، سبعة تحمل نظاما جمهوريا وهي الجزائر وليبيا وموريتانيا والصومال وسوريا وتونس واليمن؛ ثلاثة أنظمة وراثية نصت كذلك على ذات الشرط وهي الأردن، والكويت، وعمان، فيما اشترط دستور قطر الديانة الإسلامية لولي العهد. لم تر دساتير البحرين والمغرب والسعودية والإمارات أي فائدة في تحديد هذا الشرط، خاصة وأن الحكم وراثي، وأول شيء يرثه الابن قبل الحكم، هو الدين الإسلامي.

تجنبت دساتير مصر والعراق ولبنان وفلسطين والسودان هذا الشَّرط الخاص بالديانة الإسلامية لمرشح الرئاسة حتى تتقي ردود أفعال الطائفة المسيحية، حتى ولو كانت أقلية. علما أنه بخلاف لبنان الذي يحكمه رئيس مسيحي ماروني بحكم اتفاق تاريخي طائفي، ولا دولة عربية حكمها رئيس مسيحي منذ استقلالها. كذلك فعلت الدولتان العربيتان الإفريقيتان جزر القمر وجيبوتي، حيث تجنب دستورهما النص على شرط الديانة الإسلامية للترشح لرئاسة البلاد. يمكن تفسير ذلك أيضا بوجود أقليات مسيحية، خاصة بجزيرة مايوت التي لازالت تطالبها الدولة القمرية رغم الاستفتاء القاضي ببقائها فرنسية.

  • فيما يتعلق بالقسم الدستوري

نصّت معظم الدساتير العربية على القسم الدستوري للمسؤول الأول في البلاد وباقي المسؤولين في الدولة كرئيس الوزراء وأعضاء الحكومة ونواب البرلمان وأعضاء المحكمة الدستورية، وذلك قبل مباشرة مهامهم. ثلاثة دساتير فقط، تجنبت النص على القسم الدستوري وهي دساتير جيبوتي والمغرب والسعودية. والسؤال المطروح في هذا السياق هو: هل للقسم الدستوري خلفية فقهية في الشريعة الإسلامية والتراث الإسلامي بصفة عامة، أم هو مجرد تقليد حداثي للدساتير الغربية؟ علما أنّ أغلب هذه الأخيرة تنص على قسم المسؤول الأول للبلاد، كما هو عليه الدستور الأمريكي.

من نافلة القول أن معظم نصوص القسم الدستوري في الدساتير العربية تحمل في طياتها أبعادا وطنية تتعلق باحترام الدستور ونظام الدولة واستقلال الوطن وسلامة أراضيه. غير أن بعض هذه النصوص استعملت أحكاما دينية، كما هو عليه القسم الدستوري الجزائري الذي استعمل عبارة “أحترم الدين الإسلامي وأمجده”، والقسم الدستوري القطري الذي استعمل عبارة “أحترم الشريعة الإسلامية”، والقسم الدستوري اليمني الذي استعمل “أن أكون متمسكا بكتاب الله وسنة رسول الله”. من جهة أخرى، غالبا ما يتم القسم وفق طقوس تشريفية، حيث يضع المسؤول الأول يده اليمنى فوق مصحف القرآن الكريم، ويبدأ بالبسملة وينتهي بعبارة “والله على ما أقول شهيد”، وذلك أمام جمع غفير من مسؤولي الدولة وإطاراتها.

لكن هذه الطقوس والنصوص الدستورية الخاصة بالقسم والمتضمنة أحكاما دينية لا تبرر -فيما نعتقد- من الناحية الفقهية اللجوء إلى القسم الدستوري، خاصة وأن النظام الأساسي السعودي تجنب هذا القسم للملك وولي العهد -بخلاف القسم الذي تؤديه هيئة البيعة- وهو المبني على أسس الشريعة الإسلامية، كما رأينا ذلك مرارا في مقالات سابقة. صحيح أن الفقه الإسلامي اهتم بموضوع حلف اليمين وفسّره لغويا واصطلاحا، غير أن القسم الدستوري كما جاء في الدساتير العربية ليس له سند فقهي في السياسة الشرعية، ويبقى يحمل بعد حداثي له علاقة بتكوين الدول الوطنية العربية وتقليد الدساتير الغربية.

  • ملاحظة: المقال مقتبس من مشروع كتاب حول “الظاهرة الدينية في الدساتير العربية” قد يصدر في نهاية السنة. 

محمد سعيد بوسعدية: باحث حر

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك