بين فيصل قاسم وفرحات مهني

الجزائر والكيان الغاصب

احسن خلاص

لن يكون مؤتمر القمة العربي الذي تعتزم الجزائر استضافته في ربيع العام القادم حدثا عاديا كباقي المؤتمرات التي كانت تجتر البيانات الختامية ذاتها في كل مرة في تقليد وروتيني درجت عليه دول الجامعة العربية إلى درجة أن استضافة القمة كان يسير وفق الترتيب الأبجدي للبلدان العربية ولا يحدث الاستثناء إلى إذا أعلنت أي دولة عن عدم قدرتها على استضافتها لسبب أو لآخر. وللوقوف في وجه تلك الرتابة وفضح الهزال العربي عمد الراحل معمر القذافي إلى قراءة البيان الختامي للقمة على الهواء والتعليق الساخر عليه قبل انعقادها. 

وفي الواقع لم تعد القمم العربية التي كتب لها أن تنعقد بعد دخول المنطقة في موجة القلاقل والفتن تحت عنوان ثورات الربيع العربي على نمط واحد فقد صارت تخضع للتقلبات الجيوسياسية التي تعيشها المنطقة والباب المفتوح على مصراعيه جهارا نهارا لتدخل الكيانات الإقليمية والدولية وعلى رأسها الكيان الصهيوني في تسيير الاجتماعات وإعداد مقترحاتها وصياغة قراراتها بعد أن كان الأامر يتم ضمن محاولات اختراق جانبية ما تلبث أن تلقى مقاومة من قبل قوى التصدي داخل البيت العربي ولا ينبغي أن يفوتنا التذكير بمقترح المملكة الأردنية خلال انعقاد القمة في الجزائر عام 2005، الذي دعا الدول العربية جمعاء إلى إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل إذا ما قبلت بتسوية شاملة وعادلة على أساس القرارات الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، ذلك المقترح الذي رحب به وزير الكيان الصهيوني شمعون بيريز آنذاك مسبقا ودعا القادة العرب إلى تأييده على الأرض الجزائرية وجد أمامه الجزائر سدا منيعا رفقة بلدان صارت في ذلك الوقت تعد على الأصابع وهي فلسطين وسوريا ولبنان التي رأت فيه تنازلا مجانيا للاحتلال الصهيوني. وقبلها جرت محاولات لنصب الكمائن أمام الجزائر لإقحامها في مستنقع التطبيع مع الكيان الصهيوني منها ذلك “الحاجز المزيف”الذي نصب للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة خلال مراسيم جنازة العاهل المغربي الحسن الثاني بالرباط فكان فرصة لتجدد الجزائر موقفها الثابت الملتزم بانسحاب الكيان المحتل من الأراضي المحتلة في 1967 لإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس قبل أن تساهم في بلورة موقف عربي موحد في قمة بيروت عام 2002. أمثلة كثيرة عن المحاولات اليائسة لجر الجزائر إلى هذا المحيط الآسن، وهي البلد الوحيد الذي بقي حيا صامدا من بين بلدان جبهة الصمود والتصدي التي نشأت بعد اتفاقيات كامب ديفد.

لقد أيقن الكيان الصهيوني الغاصب اليوم أن الجزائر لن تكون أرضا للتطبيع بل لن تكون القمة التي ستجري على أرضها فرصة لتكريس خطاب الخنوع والخيانة، ستكون القمة ساحة معركة حقيقية للفصل في مصير العمل العربي المشترك والموقف الصارم الذي لا تفاوض عليه بشأن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ولا غرابة من أن تبدأ التحركات تجاه إفشال القمة من الآن، هذه القمة التي أرادتها الجزائر جامعة لا يقصى منها بلد عربي حيث ستكون فرصة لإعادة ضبط عقارب الساعة ضمن ما ذكره وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة الذي لم يرفع سقف الطموح عاليا واكتفى بالقول إن الجزائر ستسعى من خلال هذه القمة إلى جمع العرب حول قواسم مشتركة نتفق عليها مما يعني إعادة ترتيب الأوراق العربية وفق التطورات التي نجمت عن إقدام دول مثل الإمارات العربية والسودان والمغرب والبحرين على التطبيع الكامل ضمن ما يسمى الخطة الإبراهيمية واستعداد أخرى لدخول نادي الخيانة. وينتظر أن لا يبتعد موقف الجزائر عن المبادئ التي تضبط سياستها الخارجية القائمة على عدم التدخل في القرارات السيادية لكل دولة واحترام مواقف الدول التي اختارت الهرولة قبل تحقيق الشروط التي نص عليها اتفاق قمة بيروت ضمن واقعية فرضتها ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى مما تبقى من التضامن العربي كمبدأ مقدس دنسته تصريحات وزير الخارجية الصهيوني من مدينة الدار البيضاء المغربية التي هددت ضمنيا الجزائر بادعاء تشكيلها لحلف مع إيران ضد مصالح إسرائيل والمغرب.

ومع بدء العد التنازلي لقمة الجزائر بدأت تظهر بوادر مقاومة توجهاتها نحو المصالحة العربية من خلال إيجاد أرضية مشتركة وخطوط حمراء لا يتجاوزها أحد دون أن تترتب عن ذلك مواقف عربية مشتركة مثل ما هو حال الاتفاقيات الدفاعية التي أبرمها المغرب مع الكيان الصهيوني مؤخرا والتي لم نجد إلى اليوم بلدا عربيا اتخذ موقفا واضحا تجاهها من منطلق أنها تشكل تهديدا ضمنيا لأمن بلد عربي مجاور. 

ستكون قمة الجزائر فرصة لاختبار الضمير العربي الرسمي في الوقت الذي بدأت الأصوات المناهضة للتطبيع تتعالى في المغرب والاحتجاجات على زيارة وزير دفاع الاحتلال تتواصل في انتظار أن استنهاض الشارع العربي في سبيل رفض هوان الأنظمة وخنوعها وخيانتها لحق الشعب الفلسطيني. وهو ما تفطنت له الدوائر الصهيونية التي حرضت شخصيات إعلامية شهيرة مثل فيصل قاسم ليعيب على الجزائر رغبتها في لم الشمل العربي دفاعا عن الفلسطينيين وهو الذي أتاحت له وقاحته بأن يبرئ ساحة قوات الاحتلال من الجرائم التي ارتكبتها في حق العرب مقابل ما أسماه ضحايا النظام الجزائري. وقد لا يختلف مثل هذا الموقف مع موقف زعيم الماك فرحات مهني مبررا زيارته للكيان الصهيوني بأن هذا الكيان لم يقتل جزائريا واحدا.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك