تاريخية قانون الانتخابات في الجزائر

مسارات ومحطات

من الأمر رقم 6210 المؤرخ في 16 جويلية 1962 المحدد لإجراءات انتخاب أعضاء المجلس الوطني الصادر عن الهيئة التنفيذية برئاسة عبد الرحمن فارس إلى الأمر رقم 2101 المؤرخ في 10 مارس 2021 يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات الصادر عن حكومة جراد برئاسة عبد المجيد تبون.

 

المقدمة

 

على غرار أغلبية التشريع الجزائري، عرفت قوانين الانتخاب منذ الاستقلال إلى يومنا هذا عدم الاستقرار في أحكامها، مما جعلها عرضة إلى التغيير والتعديل مع -تقريبا- كل مناسبة انتخابية عرفتها البلاد. لقد أصدرت الهيئات التشريعية والحكومات المتعاقبة ثماني قوانين انتخابية، تعرّضت إلى إحدى عشر تعديلا. وقد شاءت الصدف أن يكون إصدار أول وثامن قانون انتخابي بمقتضى أمر تشريعي صادر، بالنسبة للأول عن الهيئة التنفيذية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن فارس، والثامن عن حكومة عبد العزيز جراد برئاسة عبد المجيد تبون. فيما تراوح إصدار باقي القوانين بين الأمر التشريعي والقانون العادي والقانون العضوي، كما نراه بالتفصيل فيما يلي:

1– صدور أول قانون انتخابي في ظل “الحرب الأهلية”

نصّت اتفاقيات إيفيان المبرمة بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والسلطة الاستعمارية الفرنسية على إحداث مجلس وطني تأسيسي منتخب من قبل الشعب الجزائري تكون مهمته الأساسية الإعداد والمصادقة على الدستور، إلى جانب تعيين الحكومة والتشريع بمقتضى القوانين. وكان من الطبيعي أن تقوم الهيئة التنفيذية المؤقتة تحت رئاسة عبد الرحمن فارس -التي خرجت هي الأخرى من رحم اتفاقيات إيفيان- بإعداد أول قانون انتخابي للجزائر المستقلة، والمتمثل في الأمر رقم 62-10 المؤرخ في 16 يوليو 1962 والمُحدّد لإجراءات انتخاب أعضاء المجلس الوطني. وكان قد رافق هذا النص الأمر رقم 62-11 الخاص بعرض مشروع قانون يتعلق باختصاصات ومدة سلطات المجلس الوطني، للاستفتاء الشعبي. تعرّض أول قانون انتخابي إلى تعديلين بسبب “الحرب الأهلية” التي شهدتها الجزائر في صيف الشقاق بتعبير علي هارون. كان على الهيئة التنفيذية المؤقتة أن تؤجل موعد الانتخابات إلى 2 سبتمبر 1962 وذلك بمقتضى الأمر رقم 62-15 المؤرخ في 4 أوت 1962. لكن الأوضاع السياسية لم تسمح بإجراء الانتخابات في هذا الموعد الجديد، فقامت الهيئة التنفيذية المؤقتة بإصدار تعديل آخر لتأجيل الانتخابات إلى 20 سبتمبر 1962، والمتمثل في الأمر رقم 6232 المؤرخ في أول سبتمبر 1962. كل ذلك حدث تحت وصاية جيش الحدود.

2– ثاني قانون انتخابي: لم يصمد للانقلاب العسكري

نصّ دستور 1963 على مجلس وطني منتخب من قبل الشعب الجزائري، تكون مهمته التشريع والرقابة الحكومية. وكان الدستور قد نصّ في أحكامه الانتقالية على تمديد أجل النيابة التشريعية لأعضاء المجلس الوطني التأسيسي المنتخب بتاريخ 20 سبتمبر 1962، حتى تاريخ 20 سبتمبر 1964، وتجرى قبل هذا التاريخ انتخابات المجلس الوطني طبقا للدستور، ولمدة أربع سنوات. وكان من الطبيعي أن يلجأ المشرّع الجزائري إلى إصدار ثاني قانون انتخابي والمتمثل في القانون رقم 64-254 المؤرخ في 25 أوت 1964، يتعلق بانتخابات المجلس الوطني. وتضمن هذا القانون أحكاما تتعلق بطريقة انتخاب النواب، وتشكيل المجلس الوطني، وشروط أهلية الانتخاب، والحالات المنافية للنيابة. لم يصمد هذا القانون ومعه المجلس الوطني المنتخب أكثر من تسعة أشهر، حيث تمّ حل المجلس النيابي مباشرة بعد الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع الوطني هواري بومدين على رئيسه أحمد بن بلة.

3– غاب قانون الانتخاب (فترة 6576) وحضر مجلس الثورة

أخّر انقلاب 19 جوان 1965 الانتخابات التشريعية والرئاسية، ومنها التشريع الخاص بالانتخابات. تم تنصيب مجلس الثورة الذي اختصرت مهامه في إصدار الأوامر المجلسية وبعض اللوائح السياسية، فيما كُلفت الحكومة بالتشريع بمقتضى الأوامر. وكان على الشعب الجزائري أن ينتظر مدة إحدى عشر سنة، أي إلى غاية صدور دستور 1976 الذي نصّ على هيئة تشريعية منتخبة، ليقوم بانتخاب أعضاء المجلس الوطني الشعبي طبقا للأمر رقم 76-113 المؤرخ في 20 ديسمبر 1976، والمحدد لطرق انتخاب النواب وخاصة عددهم وشروط قابليتهم للانتخاب وحالات التنافي مع شروط العضوية في المجلس. إنّه ثالث قانون انتخابي تعرفه الجزائر المستقلة. استمرّ العمل بهذا الأمر إلى غاية صدور دستور 1989، ولم يتعرّض إلا لتعديل واحد قبل إجراء الانتخابات في فبراير 1977، والمتمثل في الأمر رقم 7702 المؤرخ في 30 يناير 1977. وقد تمّ تدعيم هذا الأمر بقانون رقم 79-01 المؤرخ في 9 يناير 1979، المتضمن القانون الأساسي للنائب، وكذا قانون رقم 80-03 المؤرخ في 23 فبراير 1980، المتضمن تحديد القواعد التي تحكم التعويضات التي تدفع إلى أعضاء المجلس الشعبي الوطني.

4– التعددية السياسية، إضراب “الفيس” وعدم استقرار قانون الانتخاب

دفعت التعددية السياسية التي أرساها دستور 1989 بالمشرّع الجزائري إلى إصدار رابع قانون انتخابي والمتمثل في القانون رقم 89-13 المؤرخ في 7 أوت 1989، يتضمن قانون الانتخابات. وكان هذا النص التشريعي قد تعرّض إلى خمسة تعديلات وهو رقم قياسي: التعديل الأول كان بمقتضى القانون رقم 90-06 المؤرخ في 27 مارس 1990، وذلك عشية الانتخابات المحلية المجراة في 12 جوان 1990، والتي فازت بأغلبية مقاعدها جبهة الإنقاذ، والثاني وفق القانون رقم 91-06 المؤرخ في 2 أبريل 1991، وذلك عشية الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في جوان 1991، والتي تمّ تأجيلها بسبب إضراب الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإعلان حالة الطوارئ، والثالث بمقتضى القانون رقم 91-17 المؤرخ في 15 أكتوبر 1991، أي عشية تنظيم الانتخابات التشريعية المجراة في دورها الأول في ديسمبر 1991، والتي حصدت أغلبية مقاعدها جبهة الإنقاذ، الأمر الذي دفع بالسلطة إلى إلغاء الدور الثاني المُقرر تنظيمه في يناير 1992، والرابع بمقتضى الأمر رقم 9521 المؤرخ في 19 جويلية 1995، أي عشية الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس ليامين زروال، والخامس بمقتضى الأمر رقم 9626 المؤرخ في 30 أكتوبر 1996، أي عشية الاستفتاء على دستور 1996، وكل هذه التعديلات كانت بسبب الحالة الأمنية التي عرفتها البلاد بعد إيقاف المسار الانتخابي في دوره الثاني. وتتمة لهذا القانون، تمّ إصدار القانون رقم 89-14 المؤرخ في 8 أوت 1989، المتضمن القانون الأساسي للنائب، المعدل بمقتضى القانون رقم 91-22 المؤرخ في 4 ديسمبر 1991، والقانون رقم 89-16 المؤرخ في 11 ديسمبر 1989، يتضمن تنظيم المجلس الشعبي الوطني وسيره، والقانون رقم 91-18 المؤرخ في 15 أكتوبر 1991، يحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها لتجديد المجلس الشعبي الوطني.

 

5– مجلس غير منتخب يُشرع لانتخاب هيئات منتخبة

  

دفع دستور 1996 الذي أسس للبرلمان ذي الغرفتين، وللقانون العضوي المنظم للمسائل الحساسة في الحياة السياسية، من بينها نظام الانتخابات، بالمجلس الوطني الانتقالي المُعين إلى إصدار خامس قانون انتخابي والمتمثل في الأمر رقم 9707 المؤرخ في 6 مارس 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، والذي به تمّ تنظيم الانتخابات التشريعية لأعضاء المجلس الشعبي الوطني في مايو 1997، التي فاز بها الأرندي، والانتخابات المحلية في أكتوبر 1997، وانتخابات مجلس الأمة في ديسمبر 1997، والانتخابات الرئاسية في أبريل 1999، التي فاز بها عبد العزيز بوتفليقة في ظروف سياسية غامضة، والانتخابات التشريعية في مايو 2002، التي عرفت فيها عودة الأفلان إلى الواجهة الأولى بعد أن دخل بيت الطاعة. كان أول تعديل تعرّض له خامس قانون انتخابي في 7 فبراير 2004، بمقتضى القانون رقم 0401، أي عشية الانتخابات الرئاسية المجراة في أبريل من نفس السنة، والتي فاز فيها عبد العزيز بوتفليقة بالعهدة الثانية. أمّا ثاني تعديل تعرّض له هذا القانون الانتخابي، فكان في 28 جويلية 2007 بمقتضى القانون رقم 0708، وذلك عشية تنظيم الانتخابات المحلية المجراة في نهاية نوفمبر 2007. للإشارة، تمّ أيضا تنظيم الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 بمقتضى هذا القانون الانتخابي المعدل مرتين، وفاز فيها بوتفليقة بالعهدة الثالثة بعد أن تم تعديل الدستور. وقد تم إصدار بمعية هذا القانون الانتخابي، كل من القانون العضوي رقم 9902 المؤرخ في 8 مارس 1999، يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، وكذا القانون رقم 0101 المؤرخ في 31 يناير 2001، يتعلق بعضو البرلمان.

 

6– إصلاح القوانين قبل الدستور وموجة الربيع العربي

 

 

على ضوء الإصلاحات التي أرستها السلطة بعد موجة الربيع العربي، تمّ إصدار سادس قانون انتخابي في يناير 2012. إنّه القانون العضوي رقم 1201 المؤرخ في 12 يناير 2012 يتعلق بنظام الانتخابات. تمّ بمقتضى هذا القانون تنظيم الانتخابات التشريعية المجراة في مايو 2012، وفيها حاول الإسلاميون توحيد قوائمهم قصد الظفر بالأغلبية البرلمانية، لكنها باءت بالفشل، وتنظيم الانتخابات المحلية في نوفمبر 2012، والانتخابات الرئاسية المجراة في أبريل 2014، والتي فاز فيها عبد العزيز بوتفليقة بالعهدة الرابعة، وهو فوق كرسي متحرك. وقد صاحب هذا القانون كل من القانون العضوي رقم 1202 المؤرخ في 12 يناير 2012، يحدد حالات التنافي مع العهدة البرلمانية، والقانون العضوي رقم 1203 المؤرخ في 12 يناير 2012، يحدد كيفيات توسيع حظوظ تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة، والأمر رقم 1201 المؤرخ في 13 فبراير 2012، يحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في انتخابات البرلمان.

 

7– كاد الحراك الشعبي أن يلغي القانون الانتخابي 2016

  

بصدور دستور 2016، قامت الهيئة التشريعية بإصدار القانون الانتخابي السابع في تاريخ الجزائر المستقلة، والمتمثل في القانون العضوي رقم 1610 المؤرخ في 28 أوت 2016. تمّ بمقتضى هذا القانون تنظيم الانتخابات التشريعية في مايو 2017، والانتخابات المحلية في نوفمبر 2017. وكان من المنتظر أن يتم -بهذا القانون- تنظيم الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر تنظيمها في أبريل 2019 بعد أن ترشح إليها الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة. أبطل الحراك العهدة الخامسة، ودفع بالسلطة إلى تأخير تنظيم الانتخابات إلى غاية 12 ديسمبر 2019، بعد أن قامت بتعديل هذا القانون العضوي في 14 سبتمبر 2019. للإشارة، تمّ أيضا تنظيم الاستفتاء على دستور 2020 بمقتضى هذا القانون العضوي المعدل.

 

 

 

8– إصدار ثامن قانون انتخابي في غياب المجلس الشعبي الوطني

 

ثامن وآخر قانون انتخابي تمّ إصداره في تاريخ القوانين الانتخابية الجزائرية هو الأمر رقم 2101 المؤرخ في 10 مارس 2021، يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، وذلك في غياب المجلس الشعبي الوطني بعد أن تمّ حله من قبل الرئيس عبد المجيد تبون وتنظيم انتخابات تشريعية مسبقة المزمع إجراؤها في 12 جوان 2021. وإلى جانب هذا القانون الانتخابي، تمّ إصدار الأمر رقم 2102 المؤرخ في 16 مارس 2021، يحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في انتخابات البرلمان. فهل يصمد هذا القانون الانتخابي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ونعني بها الانتخابات المحلية والانتخابات الجزئية لمجلس الأمة، أم تراه يُعدل، ولو جزئيا، على غرار سابقيه؟

 

محمد سعيد بوسعدية: باحث حر

 

      

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك