ترويض الذاكرة البصرية للأفغان

الإعلام الأمريكي

الأستاذ الدكتور عبد الله ثاني قدور

 

إن عملية التضليل بالدعاية والبروباغندا وترويض الذاكرة البصرية لشعوب العالم الثالث،  والأخذ بمبدأ غوبلز الالماني رائد الحرب الاعلامية ونظرية غسل الأدمغة فاقت كل الوصف في المنظومة الإعلامية الأمريكية،منذ أن خرجت من عزلتها الإرادية ودخول الحرب العالمية الثانية بسبب هجوم اليابان على قاعدة بيرل هاربر العسكرية في هاواي،من خلال التعتيم على الأخبار الحقيقية،وإخفاء جرائم الحروب،وتهميش القضايا المهمة وصرف اهتمام الجماهير عنها،ويظهر ذلك جليا وواضحا في الصور والفيديوهات التي بثها الإعلام الأمريكي لمدينة كابول بعد أحداث 11سبتمبر وإسقاط و،م،أ لحركة طالبان واحتلال أفغانستان، فكانت معظم تلك الصور والفيديوهات التي بثتها القنوات الامريكية وتناقلتها وسائل الإعلامية العالمية عبارة عن صور باهتة لمباني مهدمة تشبه إلى حد بعيد أطلال مدينة برلين أثناء الحرب العالمية الثانية‪.

وحتى صور وفيديوهات الحشود والفوضى العارمة التي شهدها مطار حامد كرزاي بكابول،  أثناء خروج الأمريكان من أفغانستان في منتصف شهر أوت الماضي ليست بريئة، بل لعبت المنظومة الإعلامية الأمريكية نفس دور الدعاية والبروباغندا في إغراق وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، بتلك الصور التي كانت من صنعها بحكم إدارتها وتسييرها للمطار قبل خروجها، والدفع إلى تأجيج الوضع السياسي وإحداث الخوف والهلع لدى الشعب الأفغاني بمزاعم انتقام حركة طالبان، من خلال زرع الشك والارتياب في قدرة الحركة على تسيير البلاد وإقامة حكومة معتدلة تجمع كل أطياف الشعب الأفغاني‪.

فدفعت بذلك إلى خروج الشعب الأفغاني عن بكرة أبيه وملأ مطار حامد كرزاي بالاستعداد للهروب خارج أفغانستان، وهذا ما كانت تريده ال و،م،أ، وتسويقه للعالم عبر وسائل إعلامها العالمية في لعبة مكشوفة، بالرغم من أن حركة طالبان منذ دخولها الى كابول لأول وهلة طمأنت الجهات الداخلية والجهات الخارجية بحسن معاملة خصومها السياسيين، والتحضير لمشاركة الجميع في تسيير شؤون الدولة، وبسط الاستقرار الشامل وإقرار العفو العام على كامل أفغانستان‪.

فخلفية التضليل الإعلامي بهذه الطريقة ليست بريئة،في علم النفس يسمى ترويض الذاكرة البصرية على أشياء حتى تستسيغها وتألفها فلا تميز بين الحقيقة والباطل وبين منكر ومعروف مع الصبر في التلاعب بالعقول حتى الوصول للهدف المنشود. ويرى المراقبون: على أن فورية الخبر البصري أصبح أولوية من أولويات الوسائل الإعلامية وحتى مواقع التواصل الاجتماعي،من خلال التعامل معه كسلعة سريعة التلف،يتم تسويقها في حينها وبسرعة فائقة، فيما يعرف في الميديا بالحصري أو السبق الصحفي، كل هذا دون العمل على تقديم محتوى معرفي يلقي الضوء على خلفية الأحداث بقصد لفت الأنظار لها لا لأننا نعلم الناس بمهنية والعمل على حث الجهات المسئولة لمعالجتها،أو لخلق وعي شعبي تجاه ما يدور حولهم،ولكن المقصود عند المالك الأساسي هو الوصول لأهدافه الخاصة حتى ولو كانت على حساب الحقيقة والموضوعية والمهنية‪.

إن تعثر الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها لكثير من دول العالم والنتائج الوخيمة من جراء الخسائر الكبيرة التي تكبدوها في فيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها،وإن كان بداية تراجعها في الجانب الاقتصادي أمام الصين والجانب السياسي أمام روسيا وحتى الجانب العسكري أمام الصين وروسيا وإيران وحتى بعض دول العالم الثالث مثل فيتنام ،وحركة طالبان،لا يمنع في ذلك ريادتها وتربعها على العرش الثقافي والإعلامي الدولي وتصدير صناعاتها الثقافية والإعلامية للعالم كله من خلال الهيمنة والتحكم في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة بماكينة العولمة وتشعباتها‪.

فإن المنظومة الإعلامية الأمريكية ما زالت متحكمة مهيمنة بقوة على جميع الدول العالم وبمعنى أخر أنه تم تلميع الصورة الذهنية للخبراء والمحللين وقادة الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية ،وماذا يقولون وما ينتجون من معنى، بينما نجهل تماما من هم اللاعبون وماذا يقولون في الأروقة السياسية في روسيا والصين والهند،من هم المعلّقون فيما يحصل في العالم. نجد القارئ العربي يعرف من هو توماس فريدمان أو ديفيد أغناسيوس أو بول كروغمان أو شارل كروثهامر أو جورج ويل.. وهم من كبار المعلّقين في الصحف ،والوسائل الإعلامية في الولايات المتحدة ،ولكن في المقابل نجهل تماما معلقي وخبراء الشرق، لا نعرف من هم المعلّقون الروس أو الهنود أو الصينيين أو من دول أميركا اللاتينية. من يقرأ بيبي إسكوبار أو م.ك. بهدر كومار أو ديمتري كالينيشنكو أو نيكولاي ستاريكوف؟ هل يعلم القارئ العربي من هو ألكسندر دوغين وما هو دوره في صنع القرار في روسيا؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك