توأم كفاح مستمر وتوأم احتلال ظالم

الصحراء الغربية وفلسطين

بقلم: حمزة لكحل

 

بعد تغريدات ترامب الثلاث التي أعلن فيها عن اتفاق بين المغرب والكيان الصهيوني على ربط علاقات ديبلوماسية كاملة، مقابل اعترافه بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، ضجت القنوات الإخبارية والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي بتصريحات ومقالات وتدوينات وردود أفعال مختلفة تناولت هذا الحدث من زوايا متعددة أصابت حقيقة الحدث في بعض الجوانب، وجانبت الصواب في أخرى.

ولأن الحدث مهم ويتعلق بقضيتين عادلتين متشابهتين الى حد كبير (القضية الفلسطينية والصحراوية) وطرفاه قوتا احتلال “سيامي” تتشابه مصالحهما وتتشابك أهدافهما إلى حد أكبر، وجب أن نوضح بعض النقاط للرأي العام العربي بالتحديد فيما يخص هذا الإعلان (وأكررها مرة أخرى “إعلان”) عن ربط علاقات ديبلوماسية كاملة، أو ما يصطلح عليه بالتطبيع، بين المملكة المغربية والكيان الصهيوني.

 

الهدية السراب

 

أولا: الهدية الترامبية مغرية جدا بالنسبة للمغرب، فاعتراف دولة بحجم الولايات المتحدة بالسيادة المزعومة على الصحراء الغربية هي صفقة رابحة لنظام استعماري لم يستطع (ولن يستطيع) فرض السيادة بالقوة على أرض اجتاحها سنة 1975 وجرب كل الطرق والوسائل لشرعنة احتلاله لها دون جدوى. بالإضافة إلى انتظاره الطويل لهذا الاعتراف من دولة ساعدته في حربه على الشعب الصحراوي وقدمت له كل المساعدات المالية والسياسية والعسكرية والدبلوماسية طيلة فترة الحرب الظالمة على الصحراء الغربية وحتى يومنا هذا.

 

كما أنه يُعوّل على العلاقة الجيدة التي تربطه بالحزب الديمقراطي، الصاعد الى سدة الحكم بعد أسابيع قليلة، واللوبي اليهودي في الكونغرس لتفعيل هذا الإعلان والضغط على المنتظم الدولي والأمم المتحدة لحصر ملف الصحراء الغربية في مقترح الحكم الذاتي دون غيره، خصوصا وأن الولايات المتحدة الأمريكية عضو دائم بمجلس الأمن وأحد أهم أعضاء “مجموعة أصدقاء الأمين العام الأممي للصحراء الغربية”، بل وحامل القلم فيها، بمعنى أن صياغة مسودات مشاريع قرارات مجلس الأمن في قضية الصحراء الغربية تكتب بحبر أمريكي. كل هذه العوامل تجعل من العرض الأمريكي مغر الى أبعد الحدود، والقول بأن المقابل مجرد “حفنة رمل” أو أنه  ليس مغر الى درجة القبول بإعلان “تطبيع” – أو بالأحرى – الاستئناف المعلن للعلاقات مع إسرائيل هو قول فارغ وينم عن جهل بقضية الصحراء الغربية وبحقيقة هذا النظام الاستعماري وما بذله من أجل السيطرة على هذه الأرض الغنية بخيراتها وثرواتها الطبيعية إضافة إلى موقعها الإستراتيجي الذي يجعل من المغرب يحلم أن يلعب دور بوابة أفريقيا النموذجية لأوروبا. وهو قول ظالم لأرض لم تَر شمس الحرية منذ سنة 1884 أي منذ 136 سنة! وقول مجحف بحق شعب لم يرضخ لكل القوى الإمبريالية منذ القرن 14 الى يومنا هذا، وجاهد وصمد أمام أعتى الجيوش الإمبريالية.

 

لكن يمكننا القول أن النظام الاستعماري المغربي كشف أمام الجميع حقيقة تواطئه مع اسرائيل مقابل”إعلان رئاسي” من رئيس سيغادر البيت الأبيض بعد شهر تقريبا، وهذا الإعلان (الاعتراف) بالاحتلال المغربي اللاشرعي للصحراء الغربية لا يمنح المغرب أي شرعية ولا يغير الوضعية القانونية للقضية كونها قضية تصفية استعمار، ولا يلغي حق الشعب الصحراوي المشروع وغير القابل للتصرف في تقرير مصيره. كما أن هذا “الإعلان الرئاسي” ليس ذا قيمة قانونية حاسمة تمكن المغرب من إنهاء قضية الصحراء الغربية لصالحه؛ ومن ثم نستطيع أن نقول أن النظام المغربي أعلن خيانته للقضية الفلسطينية مقابل “تغريدة في الهواء” ورهان غير واضح وغير مضمون على رئيس منتهية صلاحيته وفاشل على كل المستويات، في صورة وعد بسيادة غير شرعية على الصحراء الغربية ليست من ممتلكات ترامب ليمنحها لأي كان، بل هي ملك للشعب الصحراوي فقط دون غيره وهو الوحيد الذي له كلمة الفصل فيها.

 

“إعلان تطبيع” العلاقات بين المغرب مع الكيان الصهيوني: حدث قديم في زي جديد

 

ثانيا: التعبير عن الصدمة والاستغراب مما يسميه البعض “تطبيع” للعلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني قد يكون مقبولا ومستساغا لو أنه صادر من الشعوب العربية المغلوبة على أمرها، أما أن يصدر من بعض المثقفين والمحللين السياسيين فهذا أمر غير مقبول ولا يمكن أن يستساغ البتة. فالمغرب كنظام -وليس كشعب- لم تكن بينه وبين الكيان الصهيوني منذ نشأته قطيعة أصلا كي يطبع العلاقات الآن، ولا داعي لإثبات ذلك لأن الأدلة كثيرة وبإمكان أي شخص الوصول إليها بتصفح الكتب والمقالات والمواقع الالكترونية وتسريبات وتصريحات بعض الأجهزة الاستخباراتية والشخصيات السياسية والاعلامية التي تناولت هذا الموضوع بالوثائق والأدلة. وإن كان الشك لا يزال يراود البعض، فلعل في تصريحات وزير الخارجية المغربية “ناصر بوريطة” ما يقطع الشك باليقين. فالرجل صرح أكثر من مرة، في  كل القنوات والصحف العربية والغربية، أن هذا الاتفاق المعلن (وأكررها مرة أخرى”المعلن”) ليس تطبيعا بل هو استئناف لعلاقة لم تنقطع أبدا. وقال بصريح العبارة لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية:

 

“من وجهة نظرنا، نحن لا نتحدث عن تطبيع لأن العلاقات كانت أصلا طبيعية. نحن نتحدث عن استئناف للعلاقات بين البلدين كما كانت سابقا، لأن العلاقة كانت قائمة دائما، لم تتوقف أبدا.”

 

وهو التصريح الذي كرره أكثر من مرة في جميع القنوات بصيغ مختلفة مباشرة بعد تغريدات ترامب الثلاث. وخلاصة القول في هذا الموضوع كما يُفهم من تاريخ العلاقات بين المغرب وإسرائيل وكما يُفهم أيضا من تصريحات وزير الخارجية المغربية، أن مصطلح التطبيع لا ينطبق على الطرفين، بل نحن أمام ما هو أشد من التطبيع وأمتن صلة. والحدث الفعلي الذي يمكن أن نسميه حدثا جديدا هو “إعلان” هذه العلاقات رسميا بعد أن كانت لسنوات عدة تتناسل في الخفاء. فلماذا يصر بعض المثقفين والمحللين السياسيين على نعي موقف مغربي مزعوم كان ذات يوم مناصرا للقضية الفلسطينية؟

 

إعلان للعلاقات مقابل سراب سيادة مفقودة

 

ثالثا: هذه النقطة مرتبطة في شقها الأول بالنقطة السابقة، فالقول بأن النظام المغربي باع القضية الفلسطينية مقابل اعتراف أمريكي “بمغربية” الصحراء الغربية هو قول متهافت وغير دقيق. فالنظام المغربي وأشقاؤه الآخرون الذين أعلنوا تطبيعهم مع إسرائيل (واولئك الذين لم يعلنوا بعد) باعوا القضية الفلسطينية منذ سنوات طويلة مقابل مصالحهم وبقائهم على عروش أوهى من بيت العنكبوت. الذي تغير الآن هو أن هذه الأنظمة تواجه تحديات جديدة بعد فشل ما يسمى “الربيع العربي” الذي ُسرِقَ من الشعوب العربية التي كانت تحلم بالحرية والقضاء على الديكتاتورية في العالم العربي، والذي استغلته هذه الأنظمة العميلة بمباركة ودعم من القوى الخارجية وبثت سمومها في كل البلدان العربية من أجل إعادة رسم خارطة عربية جديدة يصيرون فيها أصحاب الكلمة العليا بخطاب موحد تابع كليا للخطاب الغربي؛ مع التركيز على الأنظمة الممانعة والرافضة -على الأقل- للتطبيع أو التبعية العمياء، واستثناء الإمارات والملكيات الخاضعة تماما للإملاءات الغربية.

 

هذا الربيع الذي أضحى خريفا على أياديهم لم يكن حصاده كما ظنوا، وأنتج واقعا جديدا بمعطيات وتكتلات وتحالفات جديدة مما جعلهم مكشوفين ومحتاجين لدعم أكبر وأكثر من أسيادهم. لذلك كان من السهل على ترامب أن يفرض شروطا جديدة عليهم وأن يبتزهم كما يحلو له ماديا وسياسيا، لكن هذه المرة كان الشرط الأساسي والأول هو الإعلان الرسمي عن التطبيع مع إسرائيل والعمل والتنسيق المباشر مع هذا الكيان في مقابل حمايتهم وتسليحهم والدفاع عنهم ضد التكتلات والقوى الأخرى داخل المنطقة التي يعتبرونها العدو الأول والوحيد والخطر الحقيقي الذي يهدد عروشهم.

 

الشق الثاني من هذه النقطة، يخص مقولة “بيع” المغرب لقضية فلسطين – وقد أوضحنا أن عملية البيع تمت قبل هذا الإعلان بعقود – وهي المقولة التي يرددها أغلب المثقفين والاعلاميين والمدونين العرب، إلا أن الحقيقة التي يجب إدراكها أن العملية هي عملية شراء وليست عملية بيع! فالنظام الاستعماري المغربي اشترى اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية مقابل “إعلان” ربط العلاقات رسميا مع إسرائيل. وهذا يتضح جليا من خلال تركيز النظام المغربي على الاعتراف الترامبي “التاريخي” أكثر من اعلان التطبيع “المتوقع”.

 

هل تقبل الحقوق والمبادئ التجزئة؟

 

رابعا: هناك من يحاول المفاضلة بين القضيتين الفلسطينية والصحراوية، وهذا أمر مثير للاشمئزاز وقول فاسد وربما يكون مقصودا ومدعوما من طرف بعض الجهات. فالحقوق والمبادئ لا تتجزأ ولا يطالب بها لإنصاف قضية، لتهمل ويتم التنكر لها في قضية أخرى. كما أن لا فرق بين احتلال واحتلال آخر ولا مفاضلة بينهما، فالاحتلال يظل احتلالا وإن اختلفت أسماؤه ودوافعه وقدراته وموقعه الجغرافي.

 

إن مثل هذا النوع من المفاضلة أو التقليل من أهمية قضية مقابل قضية أخرى لهما نفس الحقوق وتعانيان من نفس الوجع، ما هو الا نوع من النفاق السياسي والانفصام الفكري والأخلاقي ولا يمكن أبدا تأويله أو تبريره بمبدأ الأولوية. فالأولوية لا تنكر الحق لصاحبه، والأولوية لا تعطي الحق لأي كان أن ينزع من الآخرين حقهم في الوجود والحرية والاستقلال.

 

وإننا كصحراويين نأسف جدا أن تصدر بعض التصريحات من الإخوة الفلسطينيين (وبعض العرب أيضا) في حقنا، كاستنكارهم لتطبيع المغرب مع اسرائيل بالرغم من دعمهم لأطروحة مغربية الصحراء! وكأنهم يبتزون المغرب بهذا الدعم، ويأملون أن يتراجع عن تطبيعه! وهذا فعل مشين لمن يؤمن بعدالة قضيته. فالحق حق، ولا يحق لصاحبه أن يساوم عليه وخصوصا مع من لا عهد له، ولا يحق لصاحبه أيضا أن يعين احتلالا آخر على شعب يقاسمه نفس المعاناة ونفس المأساة كي يكسب دعما لقضيته!

 

إن مثل هذه التصريحات الصادرة من بعض القيادات والفصائل الفلسطينية والتي لم تتغير نبرتها منذ احتلال الصحراء الغربية (باستثناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) لم تدفع المناضل الصحراوي الى حمل ضغينة اتجاه اخوته الفلسطينيين، بل إن المناضل الصحراوي من أشد المتضامنين مع القضية الفلسطينية ويعتبرها قضيته ولا يفرق أبدا بينها وبين قضيته الصحراوية.

 

أما الجمهورية الصحراوية  بقيادة حركة التحرير الوطنية، الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) فلا تترك مناسبة إلا وأعلنت من خلالها تضامنها التام واللا مشروط مع القضية الفلسطينية غير منتظرة من الأشقاء الفلسطينيين المعاملة بالمثل، فقط لأنها تنطلق من مبدأ ثابت وراسخ، وحق غير قابل للتصرف وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها والعيش بكرامة وحرية ككل شعوب العالم.

 

وأخيرا، أود أن أؤكد على أن الأوطان لا تباع ولا تشترى، وأن إرادة الشعوب المكافحة للاحتلال لا تقهر ولا تركع، أما الاحتلال فهو لا محالة الى زوال. فلا موجة التطبيع ستلغي حق الشعب الفلسطيني في العيش حرا على أرض فلسطين حرة مستقلة، ولا تغريدة ترامب ستلغي حق الشعب الصحراوي في العيش حرا على أرض الصحراء الغربية حرة مستقلة، ولا عزاء للمتساقطين والمتهافتين والمطبعين أينما كانوا.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك