جبهة البوليساريو حتى النصر والتحرير

نمت طلحا شامخا في السماء

بقلم: النانة لبات الرشيد

 

لم تولد جبهة البوليساريو من لحظة فراغ أو غبن، لم تنبت طفيليا موسميا، بل نمت طلحا شامخا في السماء جذوره ضاربة في الأرض. لم تكن مجرد حديث رفاقي عابر غمرته أضغاث النزَق بإمكانية التحقيق، بل هي حركة ثورية ولدت من رحم شعب كَلّ من الشتات وسئم من قبضة القوى الاستعمارية المتعاقبة.

لم تُعلن البوليساريو بين ليلة وضحاها، بل أعلنت بصرخة ميلاد مدوية، سبقها مخاض عسير؛ ثلاث سنوات من التفكير في حاضر الأمر ومستقبله ومن التخطيط لجمع شمل شعب فُرْق بين المدائن والقفار.        

شكلت انتفاضة الزملة التاريخية منتصف سنة 1970، متدثرة بوهج فقيدها الملهم بصيري، ساعة الصفر للتفكير الجدي في كفاح مسلح مستمر وشامل ضد الاحتلال الإسباني الذي أثبتت وحشيته في تفريق منتفضي الزملة أن لا سلام معه. لكن التفكير وحده لا يجدي، والفئة القليلة لا غنى لها عن حاضنتها الشعبية، لهذا استغرق الإعلان عن ميلاد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو” كل ذلك الوقت، واستمر مؤتمرها التأسيسي ثلاث أشهر كاملة “مارس – أبريل- ماي، 1973” .

لقد كانت تلك الشهور الثلاثة  مؤتمرا مفتوحا على الشعب الصحراوي، شملت مختلف مناطق تواجده؛ واد نون، الساقية الحمراء ووادي الذهب، بالإضافة إلى القاطنين بدولتي الجوار؛ الجزائر وموريتانيا، دون إغفال المهاجرين الصحراويين بأوروبا، أيام وليال متواصلة من شرح مقاصد الحركة المنتظرة، أهدافها ورؤاها، نالت خلالها جبهة البوليساريو قبول الشعب وحازت التفافه، فأعلنت عن وجودها وأشعلت الثورة المجيدة.

تقدمية البوليساريو ليست سر قوتها الوحيد، كما أن احتوائها جل الايديولوجيات وصهرها في هدف التحرير وتقرير المصير السامي جزء يسير من مكامن قوتها، القوة كل القوة كانت في جعل كل صحراوي يؤمن حتى نخاعه بفكر الجبهة وأهدافها، وخلق شعور فردي متأصل بأنه يحمل البوليساريو وتحمله، يسكنها وتسكنه، تعنيه ويعنيها، ببساطة أفلحت في تأطير الصحراويين وتسييسهم وتحميلهم مسؤولية ثورتهم ونظامهم السياسي لا العكس.

لم يكن هينا أبدا إقناع البدو الرحل بالثورة، لم تكن طريق التحرير الفكري الملغوم بالعصبية القبلية محفوفة بالورد، بيد أن جيل التأسيس وفق  في تجاوز الصعاب كلها، فحول المجلس القبلي إلى مجلس وطني، قدم فيه آباء الشعب الصحراوي وأعيانه أرواحهم قربانا للوحدة الوطنية والثورة، فكيف أفلحوا في تذليل عقبات راكمتها قرون من البيداء والترحال؟ الجواب يكمن في نصاعة ماضيهم، سلامتهم من عيوب الذات وندوبها، لقد كان المؤسسون شعلة من الفكر، العلم، الخلق والفتوة، لا سوابق لهم، وبهذا نالوا الرضا وامتلكوا ثقة شعبهم المطلقة، هذا الشعب القادر بيقينه بحقه المشروع، على غسل أدران الثورة وإنجاب الثوار.

لا فكاك لصحراوي -مهما كان وحيث تواجد- ولا تنصل من عَقد الثورة، حيث ولى وجهه ثمة فكرها أو قبس منه ما دامت الصحراء الغربية محتلة، وما لم ينل الشعب الصحراوي حريته لا مفر من البوليساريو إلا إليها، هذه الأخيرة وعلى مدار أزيد من أربعة عقود حصنت جوهرها بسياج شعبي لا يقبل الزوائد والنتوءات، كفيل بلفظ الأجسام الدخيلة وإن غصت بها الحناجر إلى حين، وإجهاض خُدج السياسة وأجنتها المشوهة وتطهير رحم أرض الصحراء الغربية الولود، وضمان نسل الثورة حتى النصر والتحرير وبلوغ نعيم الاستقلال.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك