جمالية البورتريه في لوحات الرسامة الروسية زينايدا سيريبرياكوفا

ليليا عثمان الطيب 

أستاذة جامعية – جامعة الجزائر02 – 

 

هناك علاقة وطيدة وصداقة دائمة بين المرأة والمرآة ترافقها منذ طفولتها وحتى نهاية عمرها، فالمرآة بالنسبة للفتاة هي الناقد الأول لجمالها من خلالها تستطيع أن تحدد مفاتنها و أناقتها، فالنساء في الغالب لايكتفين بوضعها في غرفهن الخاصة فقط بل تجدها معلقة في كل أرجاء البيت أحيانا، وتعتبر إحدى أبرز الأشياء التي تحملها المرأة في حقيبة يدها، وكأنها بذلك ترضي أنوثتها وتعزز ثقتها بنفسها، فنادرا مانجد امرأة تمر أمام مرآة ولا تلقي بنظرة خاطفة إلى شكلها، وكأنها تؤكد لنفسها أكثر من مرة بأنها أجمل نساء العالم، فكل امرأة تعرف أين يكمن جمالها وكيف تبرزه فمنهن من ترى أن الشعر هو تاج الجمال ومنهن من ترى العيون وهناك من ترى الجمال في الجسد الرشيق، وفي هذا الاختلاف تتضح لنا الجماليات وكيفية توظيفها في الفنون .

إن المرآة ذلك الجماد الصامت، والمرأة ذلك الكائن الفاتن ألهمتا بعلاقتهما الوطيدة الكثير من الفنانين في جميع المجالات وتحديدا في فن الرسم التشكيلي، حيث تم رسم العديد من البورتريهات في العالم تبرز هذه العلاقة، ومن بين الرسامين الذي إهتموا برسم هذا النوع من البورتريهات الرسامة الروسية زينايدا سيريبرياكوفا ( 1884 – 1967 ) في لوحتها “بورتريه ذاتي” حيث تتشكل اللوحة من مرآة تعكس ماهو ظاهر أمامها من بينها فتاة حسناء فاتنة بشعر بني تسرح شعرها بالمشط بملامح وديعة وجذابة في آن واحد، وتعكس المرآة أيضا جزءا من غرفة الحسناء التي تعبر عن ذوق الفتاة البسيط والراقي واهتمامها بالتفاصيل والألوان الهادئة القريبة من لون فستان الحسناء، فالمرآة هنا تنطق من خلال ماتظهره عطور ودبابيس وحلي وأدوات تجميل والشموع وألوان شراشف السرير مثل لون فستان الفتاة أيضا فكل الألوان متناسقة في البورتريه، بالإضافة إلى نظرة الفتاة الواثقة إلى المرآة فرغم أن ملامح وجهها لاتحدد شعورا معينا، إلا أن لغة الجسد تبدو حاضرة بقوة وتظهر حرص الحسناء على اهتمامها بنفسها وثقتها بنفسها كفتاة جذابة وملفتة للنظر من خلال ظهور جزء مكشوف من الكتف في حالة من الانسجام وراحة مع المكان المحيط به، فالغرفة بالنسبة لها ليس مكانا للمبيت فقط بل هي ملجأ تعيش فيه كل لحظاتها الخاصة بحلوها ومرها، وهنا تنفرد اللوحة بجمالية المكان وبساطته وجمالية الحسناء وبساطتها، فتذوق الجمال بالنسبة للمرأة أمر حتمي فيها تكتشفه من خلال المرآة في ملامحها وتحاول نشره على كل مايحيط بها حتى المكان الذي تعيش فيه وتعمل فيه، وهذا هو الفن في حدا ذاته فهو كما وصفه ريمون دلاكروا: ” ليس الفن مجرد إحساس أو صورة أو نقل من الواقع، أو مجرد تعبير عن الماهيات، بل هو  يشملها كلها، مضافا إليه نشاطا تركيبي إبداعي هو الأصل في كل ماذكرنا” ، بامكان لوحات البورتريه أن تحدد عواطف المرء فلا مكان للعشوائيات في الفنون وهذا مااستطاعت أن تكشفه مرآة الحسناء التي جسدت صورة بصرية رمزية مشحونة بالأفكار والمشاعر  لم يكن الجسد هو المكون الأساسي فيها، بل أظهر البورتريه أيضا حتى حرص الحسناء على نظافتها الشخصية وتدليلها لنفسها، فشعرها الطويل البني الناعم يبرز قوة شخصيتها وأحاسيسها المرهفة، لتنجح الرسامة الروسية في تصوير جماليات لوحة البورتريه بكل محتواياتها من ألوان وأشياء وأشخاص.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك