جودة العمل الصحفي في خطر

تقدير حالة

د. بن عجمية بوعبد الله كاتب صحفي

 

لطالما أطلق على الصحافة بأنها السلطة الرابعة وذلك للدور الحساس والمهم الذي تؤديه في مراقبة السلط الثلاث: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، بالإضافة طبعا إلى دورها الأساسي في تقديم المعلومة للرأي العام وصناعة التوجهات وبناء منظومة من الوعي شأنها في ذلك شأن كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

هذه الوظيفة تختلف من مجتمع إلى آخر، ففي الدول الديمقراطية يختلف العمل الصحفي والإعلامي كلية عن نظيره في العالم الثالث المحكوم دوما بالقيود والمضايقات التي تحد من دوره الرقابي والتنموي وحتى النقدي وتقديم البدائل وتسليط الضوء على مختلف التحديات التي يعيشها المجتمع وفي كل المجالات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والعلمية والتربوية والثقافية والرياضية… إلخ.

لا أريد أن أتحدث عن تاريخ الصحافة في منطقتنا العربية والتي قدمت للعالم نماذج كبيرة جدا تبعث على الفخر من صحفيين وإعلاميين في كل المجالات والمستويات وحتى من منتوج إعلامي يبعث هو الآخر على الفخر والاعتزاز بالرغم من الظروف التي يشتغل فيها الصحفي سابقا وحاليا من قبيل:

  • التضييق بمختلف أنواعه المادية والمعنوية لعرقلة وصول الحقيقة والخبر الصحيح للرأي العام باعتبارها الوظيفة السامية للإعلامي والصحفي.
  • التضييق القانوني من خلال سن منظومة تشريعية تكبل الإعلاميين من أداء مهامهم النبيلة تتبعها عقوبات رادعة لمن يخالف هذه التشريعيات.
  • ضغوط الاشهار والتي أثرت لا محالة على الأوضاع الاجتماعية للصحفيين من أجور وتأمين اجتماعي وسكن وتكوين… إلخ.
  • ضغوط الحصول على المعلومة من المصادر الرسمية والذي لا يكون دائما في متناول الصحفي والمؤسسات الإعلامية بحكم التكتم الشديد والتحفظ المبالغ فيه من قبل محتكر هذه المعلومة، في حين أنه حق من حقوق الصحفيين الذي لا يمكن الاعتداء عليه بأي حال من الأحوال.
  • تدخل السياسي في الإعلامي وتدخل المالي في الإعلامي كذلك جعل من قطاع الاعلام رهينة في يد من يمتلك ومن يدفع ليجد الصحفي نفسه في آخر المطاف موظفا ينفذ الاملاءات بدل من كونه صانعا للخبر وناقلا له، صحيح أن التحكم موجود حتى في الدول الديمقراطية ذات الحرية الكبيرة إلا أن الحقوق والحريات مكفولة والتدخلات مقننة ومضبوطة.

لكن لا تعاني مهنة الصحافة في عالمنا العربي فقط من هذا النوع من القيود والتي توجد في الكثير من الدول والتشريعيات بشكل أو بآخر، لكن عصفت بالصحافة في عصرنا الحالي مجموعة أخرى من التحديات والعراقيل التي بدأت تهدد هيبة الصحفي لدرجة الخوف والتوجس من مستقبل هذه المهنة التي لا تبدو بأحسن حال من العصور السابقة، ويمكن حصر هذه التحديات الجديدة في المظاهر الملفتة التالية:

العولمة التي أثرت كذلك على قطاع الصحافة والاعلام في محاولات وضغوطات على المجتمعات النامية في فرض نموذج معين من الحريات دونما مراعاة للقيم الذاتية لكل مجتمع أو عادات وتقاليد أي ثقافة أو حضارة، فالحرية التي تراها أنت مطلقة في أمريكا وفرنسا وألمانيا ليست هي الحرية التي سوف تنجح في فرضها في مجتمعات محافظة خاصة في عالمنا العربي والإسلامي، صحيح تعيش مجتمعاتنا القهر والتضييق على الحريات ولكن في المقابل لن يكون البديل هو الانتقال من النقيض إلى النقيض كردة فعل عنيفة أو مواقف متعجلة في تحرير قطاع الصحافة إلى اللامعقول واللاحدود.

ثورات الربيع العربي التي نبهت الإعلاميين والصحفيين في العالم العربي إلى أهميتهم في الانخراط في تغيير المجتمع نحو الأفضل كنخبة لا تقل أهمية عن باقي النخب الأخرى التي تصدرت صفوف التغيير والإصلاح، فالحرية التي ذاقها القطاع وأهله إبان الربيع العربي لم يكن من السهل التخلي عنها بعدما شهدت المنطقة ثورات مضادة وعودة للأمور لنصابها، فكانت أحداث الربيع العربي منعرجا حاسما بحق في يقظة قطاع الصحافة وتحدياته الكبيرة في التفاعل والتعامل مع الأحداث المحيطة.

الثورة التكنولوجية الهائلة والتي غيرت كثيرا من أنماط وأشكال الصحافة لدرجة أن كبريات المؤسسات الإعلامية العريقة بدأت في الأفول وبخاصة في مجال الصحافة المكتوبة بسبب غزو وهيمنة الصحافة الالكترونية التي أصبحت العنوان الأبرز لعالم اليوم بفعل الهواتف الذكية والانفجار المعلوماتي السريع للمعلومات والأحداث، فأصبحنا نسمع بالصحافة الإلكترونية والتحرير الالكتروني وصحافة المواطن وصحافة الوب.

تراجع وسائل الاعلام التقليدية في الهيمنة والتأثير بسبب ما ذكرته سالفا من ثورة تكنولوجية عارمة انضاف إليها أفول ما كان يسمى بحراس البوابة حيث أصبح كل مواطن الآن حارس بوابة نفسه وهو السيد على صفحته وبروفايله يكتب ما يشاء في الوقت الذي يشاء دونما اهتمام لمصدر أو أثر أو عقوبة أو جزاء.

لم يعد الصحفي هو نفسه الإعلامي المتخصص والمتخرج من معاهد الصحافة وهذا في نظري أكبر تحد وخطر طرا على القطاع، بحيث أصبحنا نشاهد بروز طبقة من المقدمين والمنشطين والإعلاميين هم في الأصل فنانون ومغنون وراقصون وأبطال مجتمعيون في تخصصات عديدة، وبعبارة أخرى أصبح قطاع الاعلام مفتوحا على من هب ودب دونما مراعاة للتخصص أو الميول أو حتى أخلاقيات المهنة التي لا يعرف أهميتها إلا ابن القطاع الشرعي إن جاز التعبير.

تحدي وباء كورونا الذي فرض نفسه على كل غرف التحرير العالمية حيث تضاءلت معه الاخبار الأخرى والاهتمامات السابقة التي كانت تتصدر نشرات الاخبار والعناوين الرئيسية، هذ الوباء الذي أثر على المشهد الإعلامي والصحفي كما أثر على القطاعات الأخرى، قطاع تأثر بالأزمة الاقتصادية والمالية بالإضافة إلى تعطيل التغطيات المباشرة للحداث على الأرض بفعل إجراءات الحجر الصارمة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك