حاضرون على الموائد وغائبون عن الحساب. !

قضايا للنقاش

 د. عبد الحفيظ محمودي

في كل حملة انتخاب نسمع عن مئات الخروقات والأوهام الخادعة، من يفعلون ذلك يصنعون من ظروف الحياة أسبابا تقتل فينا نعمة الصبر، ويفرضون علينا الركون إلى واقع مرير ويغرسون داخلنا فتنة الاختلاف، لعل اختلاف السبل في بعض الاحيان يفجر الافكار، وفي ظروف أخرى يدخلنا متاهات تفرقنا وفروقات لا تجمعنا. 

وجودها يؤكد التناحر والتوافق مصطلحات عميقة، لكنها مخيفة إذا أسيئ فهمها، بلا شك من أبرز ما اخترع الإنسان في سبيل احتكار الرأي تملك الرقاب عن طيب خاطر، هذا الاختراع البارز الذي يحمي حب التسلط وغريزة الظهور.

فهل يستطيع أن يقنعنا أحد من بيادق الترشح أن الاندفاع والارق الذي يصيبهم، بسبب معاناتهم من أوجاع الناس وحرصا على مصالحهم التي تنقضي بهم أو بغيرهم، لا يحتاج الجياع إلى مآدب تدفعهم للتخمة حتى تزول مخاطر الجوع بحسب الجائع إذا تيقن الهلاك لقيمات يقمن صلبه وجرعة ماء تبل عطشه.

وهل يزداد المرشحون سخاء ونقاء، إلا مع اقتراب كل انتخاب إنهم يفشون السلام يمينا ويسارا على الراكب والقاعد والذاهب والراجع بطريقة مملة مقيتة تجفف ماء الوجه، ويقيمون المآدب والمذابح واطعام الطعام وتقديم القرابين ولكن تمويل حملات الانتخاب ليست ضريبة يقرها القانون ولا زكاة واجبة بانتهاء الحول وبلوغ النصاب! 

          يكون الإنسان مأجورا دون شبهة أو تهمة على الدوام إن لم يكن متملقا متزلفا، يقتات من آلام الناس كذبا وبهتانا، الأهمية لا تكمن في كثرة الحديث أو قلته، بل في أي سياق نتكلم وعن أي نتيجة ننتظر، تنعدم الإجابة في وقت تكثر فيه الأسئلة حول تلقف آفات الاقتصاد من تضخم وانحدار للقدرة الشرائية، بالفعل كانت أحلاما موجعة لكثرة مخاوفنا من عدم التحقق ولكنها بالأكيد فلتات عرجاء دون تحليل حسابي مقنع ولو على الأجل البعيد.

ليس أمامنا إلا الاعتراف أن هؤلاء وأولئك يتفننون في خداعنا والاستخفاف بنا، رجاؤنا أن يقتنع الفائز في الصندوق أو خارجه أنه ليس أفضل النخبة أو يحمل تأهيلا سماويا يجعله بين لحظة وأخرى سيد الجميع فنزعه الارتقاء من صميم مظاهر الآدمية ولكنها ليست على رقاب الناس!

          إن التصرفات بتلك الطريقة تنقل المجتمعات من حضارة إلى بداوة دنيئة لأنها تزيد من أسباب الفشل دون العمل على مزيد من التطعيم الذي يسمح لنا بالتمتع بصحة جيدة.

          ولو سمح العرف أو اعتاد الناس أن يحاسبوا منتخبيهم في نهاية عهدتهم عما أنتجوه، لانتهى التهريج من حياتنا وعاد الوقار إلى الحياة، فقد تكون هناك ظروفا قاهرة تمنع تحقيق بعض الأفكار وليست جميعها، حتى إذا استحال تحقيق كل شيء صارت الاستقالة المخرج الآمن الذي يحفظ ماء الوجه إلا إذا تجرد الجميع من كرامتهم وصاروا يتحملون السباب والشتم كاعتيادهم على تحية الصباح! مثلما درج الكثير من المنتخبين الذين يتحملون البصاق على وجوههم أفضل من تحملهم البعد عن مقاعدهم، فلو أخلص الجميع النية في وعودهم لتبخرت كل همومنا ومشاكلنا وصرنا بعد عهد طويل من التوقف والشلل أمة ترفس الثروة بأرجلها ليس استخفافا بها بل شبعا وتخمة، واكتمالا وثراءا فالقدرة على الوقوف أصبحت مهمة مستحيلة في ظل توترات خطيرة يسيرها أناس مجهولون حاضرون على الموائد وغائبون عن الحساب !! 

أحزاب صغيرة وأحلام كبيرة

  لن يجد المحايدون صعوبة على الإطلاق في اقتناعهم أن الكبار يزدادون اختراقا لحريات الصغار ولولا هؤلاء الصغار لم يكن هناك كبارا، فالأحزاب كبيرها وصغيرها تتفنن في تكييف الظروف للوصول إلى الأهداف بأي ثمن كان، ولو بإحيائها أساليب الاسترقاق حتى تستطيع البقاء تحت الأضواء، فإذا ما خالفهم الحظ وحالف غيرهم أهالوا عليه التراب ولكن تنقلب القواعد ويصبح الرقيق سادة يرفضون الخضوع لتأثير الأسياد البائدين! 

حقيقة أجد نفسي عاجزا عن فهم الضرورة لوجود ومنشأ الأحزاب والجماعات، رغم أنني لست مناصرا لانقلاب المفاهيم وتثبيط الهمم. ولكن تناقضات الآراء تحاصرنا، تكاد تفكك فينا خامة الاتزان، خاصة مع اتساع وابتعاد رقعة الأفكار بين الجميع، المواثيق وحدها ليست مبررا كافيا لاجتماعهم ويظهر الاختلاف عندما تشح الموارد وتبرز الصراعات لتبرير العزل وإقصاء الاخرين عن مواقع القرار، حتى أصبحت الأسبقية في الخداع وتصدر القوائم قمة الوطنية ودون ذلك خيانة عظمى وتقصير في حق المجتمع.

 لأجلها تساورنا الشكوك دائما في نزاهة الاختيار، ليس تشكيكا في صحة الأوراق وصحة تموضعها داخل الصناديق، وإنما اختيار المسلك الآمن لتوجهاتنا حيث لا تصطدم بشعارات منمقة أو تخفي تجاعيدها بمساحيق التجميل، ربما لو كان من الأجدى أن نخفي عيوبنا بالتجميل لكان استيرادنا لأدوات العطارة أكثر من استيرادنا لحلول مهجنة قد تختنق سريعا في ظل أجواء تفتقر للماء والهواء.

وهذا ليس غريبا فالعمل على خيارات جماعية مبهمة ليس بالضرورة حل الأفضلية فميزتها الوحيدة إنها توزع الأعباء على الجميع في حالة الإخفاق، وإلا فما المبرر المقنع لحالات التذمر الفردية والجماعية التي تصادفنا في كل منعرج حاسم، ونحن نقر بصحة اختياراتنا، ربما الأغلبية تمتهن الأخطاء أو ربما ينتهج بعض الأفراد أساليب السحر والشعوذة للتأثير على قراراتنا، فأغلب المجالس المنتخبة، والمحلية منها على الخصوص تثير حولها الشكوك والشبهات وقلة الفعالية. انه فقدان بصر لا يعالجه أطباء العيون ومشاهد تمثيل توزع فيها الأدوار بتناسق غريب وإخراج متقن لدرجة تجعلنا لا نفرق بين الظن واليقين.

نحن مطالبون أكثر من أي وقت مضى بتحري الحقيقة والسعي وراءها مهما غلا سعرها أو شح وجودها فمن المفيد إزاحة الستار عن وجوه جديدة ودعوة التماثيل القديمة للانسحاب طوعا أو كرها، ليس هناك من فرق عندما تسير الأمور، نحو أهداف غير صائبة إذا لم يكن بوسعنا التغيير فالمسألة ليست في طرح الأفكار وتثبيتها وإنما في إقناع الأغلبية بجدواها واحداث تغيير دون تهريج وإثراء الساحة بسلالة بناءة، وليس التفاخر بهدف الانتماء لهذا المجلس أو ذاك وإلا وجدنا أنفسنا مهزومين من حيث المبدأ وغالبا ما تكون الخطى في اتجاه غير مفهوم أو التدليس في تمرير القناعات إلى الغير أسبابا مباشرة للخلل والإعاقة. 

ايصال مقاصد الخطاب السياسي يحتاج إلى الكثير من الجهود، لأن وجهة الخطاب ذاتها مبهمة وغائبة المعالم، والاهداف لا تجمعها وحدة الصف، تحت وطأة الضربات الموجعة لا نضمن استقامة التصرفات، وتحت وطأة الفقر واتساع رقعة الغش لا يمكن الوصول إلى بر الأمان، على الجميع إذا رضوا بالحياة في الأوحال أن يسجلوا انتحارا جماعيا لطموحاتهم.

وكان الأولى أن تسعى الأحزاب لاختيار مرشحيها وليس العكس لضمان النزاهة والقدرة على العمل والتغيير، يؤدي الانحراف الواضح في الممارسة السياسية الى صياغة مغايرة وتفسير متعدد الاوجه.

 إذا إعتاد الناس أن يكونوا مرشحين دون الاهتمام تحت أي غطاء يتم ذلك ذهبت أعمالهم هباءا  وأصبح مقياس الحياء هو ما تفقده قوانين الانتخاب و نحن في حاجة إلى إطار حقيقي لتثبيته بطريقة ما ضمن سياق الممارسة   الا اذا كان هناك حاجة لهذا الانحراف كالبكتيريا التي تحافظ على التوازن البيئي للأرض ، فعندما تغزو القوائم من لا يعرفون بدقة حجم مراكزهم وتأثيرهم ، يتحقق الإضرار بقواعد المنافسة الشريفة  وحتى إذا حالفهم الحظ في الوصول فهي مشكلة أخرى تعود على الجميع بالسوء ، خاصة وأن الواقع يخولهم حقوقا يتصرفون باسمها ولصالحها ، فهذه التداخلات في المهام ليست إلا طريقة مثلى  للتغرير بالناس ولو عن غير قصد  إنها عملية انتهاك للحرية الفكرية للأفراد ودون سابق إنذار ، و ما يميزها فقط هو الحصول على تراخيص شبه عرفية تسمح بهذه الانتهاكات المتكررة والمقننة ، كان على الدولة أن تحمي أفرادها من الطفيليين النائمين في أحضانها أو من أرادوا إيهامنا بذلك !  فعندما تستيقظ فينا قدرة التمييز مرة فإنها ولأسباب مجهولة تختفي فينا مرات عديدة، فالقاعدة العامة هي التي يلتف حولها جميع الناس دون استثناء، ولكن معايير التطبيق قد تعوقها بعض المخلفات المصطنعة، ونقتنع عندئذ أن المهمة الرئيسية لإشراف الدولة، في تحديد ومنع وقمع انتهاكات التشريعات المتعلقة بالنظام العام.

يعد تنفيذ الإشراف على بناء قواعد الممارسة السياسية أمرًا ضروريًا عند نقل المجتمع أي تفويض لبعض صلاحياته، من خلال التنازل عن التنظير والتنفيذ، إلى الجماعات ذاتية التنظيم والمنافع، والتي لا يمكن إلا أن يكون لها تأثير على المساواة بين الجميع.

 نحن لا ننتظر من جماعات ضاغطة نجاحا باهرا، فغياب المهارات وازدياد حدة التناحر هي أسباب واضحة للكثير من حالات العجز التي يشهدها نظام العمل الانتخابي داخل المجالس، فالكثير منها تعيش حالة من الضمور التي تنتجه سوء الممارسات ودورها الرائد في تشويه الأعراف العامة للعمل الانتخابي الجماعي، يتعارضون في كل شيء ويتقاطعون في أمر واحد، إخفاء مبادئ المصلحة تحت أغطية المقاعد الانتخابية.

الكثير من هؤلاء نمت أطماعهم داخل رحم الأحزاب والجماعات الكبيرة وتفننوا في خداع الناس والقضاء على أحلامهم، ونحن نراوح المكان، لم يكن لنا الحظ أن نكون شهودا عدولا، فالعمر لا يتسع ذهابا وإيابا للوقوف على كل الأمور وقفة الشهود، إلا أن التاريخ حتما يعطينا فصل الخطاب.

أيها الساسة تذكروا عندما تبدؤون حملاتكم أن الحاضرين في القاعات:

إما يصيبهم الدوار من هول ما يسمعون من الوعود الزائفة، وإما يصيبهم النعاس للتلذذ بنعمة أحلام أفضل من واقعكم، وإما يصيبهم الغثيان من التقزز، ونحن نجزم أن الوحيدين من يشعرون بالرضا دون اختلاف هم المرشحون أنفسهم لا غير !!! 

فالشكر الجزيل مسبقا، إذ أنني افتقدت النكات من زمن بعيد، ولن أجد مشقة كبيرة في استرجاعه بفضلكم كلما أصبحت وأمسيت، وتذكرت أن هناك انتخابا على الأبواب !!!

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك