دفاعا عن ذاكرة قديس الثورة

مفارقات

بقلم احسن خلاص

في خضم الحديث عن الذاكرة الثورية الجزائرية الذي أعطته دفعا رسميا نقاشات وبحوث اللجنة الجزائرية الفرنسية المشتركة المكلفة بتقصي حقيقة الحقبة الاستعمارية في الجزائر، لا يمكن أن نغفل عن الوصية التي تركها لنا القائد مراد ديدوش قبل أن يستشهد مبكرا في معركة واد بوكركر في مثل هذا اليوم الثامن عشر من يناير من عام 1955 بدوار صوادق كاندي سمندو (زيغوت يوسف حاليا)، فقد أوصانا بالدفاع عن ذاكرة الشهداء ولم يقل الحفاظ عليها كأنه كان يستشعر أن الذاكرة التاريخية يمكن أن تتعرض للهجوم تماما كما يمكن أن تتعرض للتلف والنسيان مع مرور الزمن.

نقف اليوم عند ذكرى استشهاد هذا القائد البطل في ميدان الشرف وهو في السابع والعشرين من العمر إذ اختتم بتلك الشهادة ما يقرب من 10 سنوات من النضال الذي بدأه وهو في السابعة عشر من العمر في مشتلة الوطنية حزب الشعب حركة انتصار الحريات الديمقراطية وانخرط مبكرا في تيار العمل المحض الذي شكل الجناح المسلح للحزب عام 1947 المتمثل في المنظمة الخاصة، بعد عام فقط من النضال السياسي الذي لم يجد فيه ضالته، خاصة وأنه عاش تجربة محبطة زادته يقينا بعدم جدوى النضال في دائرة القانون الاستعماري عندما مثل الحزب في الغرب الجزائري بمناسبة انتخاب المجلس الجزائري وانتهى به الأمر إلى الاعتقال قبل أن يفر من السجن بأعجوبة ويلتحق بمدينة الجزائر ويشارك في مؤتمر حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي نتج عنه إنشاء المنظمة الخاصة.

منذ فشل تجربة العمل السياسي اتجه صوب التحضير الجدي للعمل المسلح وسعى سعيا حثيثا رفقة مصطفى بن بولعيد بمدينة الجزائر لإنشاء خلية صنع القنابل والبحث عن أنواع الأسلحة التي تركها الحلفاء في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية. لقد أهله تكوينه التقني بثانوية رويسو لأن يدع الخطابة والحماسة السياسية جانبا ويفسح المجال للتخطيط والعمل الميداني لذا ظل منذ اكتشاف المنظمة الخاصة والبحث عن الفاعلين فيها مصدر قلق وانزعاج للإدارة الاستعمارية وهو ما جعله يعيش كباقي مناضلي المنظمة الخاصة في السرية وظلت تبحث عنه الشرطة الفرنسية في كل مكان وهو الذي هجر وترك ما كان يوفره له وضعه العائلي الميسور من مبررات الحياة الرغيدة البعيدة عن المطاردة وهو الذي يملك والده حماما ومخبزة قل أن يملكها أحد في ذلك الوقت فبدل أن يستثمر فيها ليعيش على منوال البورجوازية الصغيرة الناشئة كان يتخذها ملجأ للمناضلين وفضاء للاجتماعات من أجل التحضير للعمل المسلح ولا يختلف ديدوش عن مصطفى بن بولعيد في تسخير ممتلكاته في خدمة القضية الوطنية.

لم يكن دخول ديدوش عالم العمل في مجال السكك الحديدية من أجل الاسترزاق بقدر ما كان يبحث عن فرص لتنظيم صفوف العمال في طريق مطلب العمل الميداني للإعداد للثورة ومن هذا المنظور أيضا ولج ديدوش عالم الرياضة عندما أنشأ رفقة دبيح الشريف فريق السريع الرياضي وقبله انضما إلى فوج الأمل للكشافة الجزائرية.

غير أن اتجاه حركة الانتصار للانقسام وتراجع النضال لصالح الأنانيات الحزبية بين تيار مصالي وتيار المركزيين فضل ديدوش الانسحاب والسفر إلى باريس لينظم رفقة محمد بوضياف عمل فيدرالية فرنسا لحركة انتصار الحريات الديمقراطية وكان حضوره بفرنسا فرصة لالتقاء أفراد من الحركة الوطنية كان لهم دور هام في استمرار حركية الثورة وعلى رأسهم عميروش ايت حمودة الذي التقاه هو ومحمد بوضياف في باريس ناشطا ضمن روافد جمعية العلماء المسلمين قبل أن يعودا إلى الجزائر في مارس من عام 1954 ويبدآ شوطا آخر ضمن اللجنة الثورية للوحدة والعمل ثم جيش وجبهة التحرير الوطني.

كان ديدوش الذي سماه المؤرخ الفرنسي إيف كوريير القديس الصالح للثورة الجزائرية يشعر في قرارة نفسه أن الساعة قد حانت لتغيير مجرى التاريخ لذا كانت سنة 1954 قد مرت سريعا على ديدوش بفعل العمل المكثف الذي شرع فيه مع رفيقه محمد بوضياف إذ نجحت الاتصالات والمساعي وأثمرت لقاء 22 الذي وفر له ديدوش جميع ظروف النجاح قرب مسقط رأسه وبالنظر إلى الدور المحوري الذي لعبه اختير ضمن القادة الستة الذين كلفوا بالتحضير النهائي للثورة بل كان أصغر القادة سنا على الإطلاق وهو الذي اختار العمل الميداني والنشاط في إحدى المناطق العسكرية الخمس لقيادة جيش التحرير الوطني.

لم تكن المهمة التي أسندت لديدوش يسيرة في بدايتها فقد أنيطت به قيادة الولاية الثالثة التي كانت تضم منطقة القبائل ومنطقة المتيجة والونشريس، مهمة كان يفترض أن يعضده فيها كريم بلقاسم الذي انضم قبل أشهر قليلة فقط إلى ركب التحضير للثورة. غير أن اجتماع 23 أكتوبر 1954 خرج بقرارات أخرى تقضي أن يتوجه ديدوش إلى المنطقة الثانية وهي الشمال القسنطيني ويتولى بيطاط قيادة المنطقة الرابعة على أن يستقل كريم بلقاسم بالمنطقة الثالثة. كان هذا الاختيار بمثابة مراوغة للإدارة الاستعمارية فقد كان من الضروري أن يتبادل بيطاط مع ديدوش لأنهما كانا محل بحث من قبل السلطات الأمنية الفرنسية في منطقتيهما الأصليتين.

لقد أكرمت الثورة التحريرية ديدوش بأن كان أول قادتها الذين سقطوا في الميدان بعد 79 يوما من انطلاقها بعد أن كان من بين من حرروا بيانها إذ لم يكتب له أن يعيش الصراعات السياسية التي تطورت بين القادة مع تطور الثورة. كانت عملية العثور على جثة الشهيد ديدوش مثيرة إذ لم تكتشف الشرطة الاستعمارية إلا بعد أيام أنها قضت على أحد الرؤوس الكبرى للمتمردين لأنها لم يكن لها علم بنشاطه في المنطقة.
إنه مراد ديدوش رحمه الله ورحم جميع الشهداء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك