دور الإعلام المقاوم في مواجهة الغزو الفكري والتضليل الإعلامي والتطبيع الثقافي, وتعزيز ثقافة المقاومة الفكرية والسياسة لدى الشباب العربي, والمجتمع العربي والإسلامي .

بقلم : الكاتب والباحث الإعلامي د : فضيل حلمي عبد الله

 

هدفت هذه الدراسة التعرف إلى دور الإعلام والإعلاميون الذين يعملون في وسائل الإعلام المحلية والعربية في تعزيز الثقافة الفكرية الوطنية لدى المجتمع, وخاصة جيل الشباب العربي, وتم اختيار الأخلاق في الممارسة المهنيّة الإعلامية باعتبارها قانون الشرف الذي هو إنساني يجمع البشرية جمعاء 

وأظهر أن دور الإعلام والإعلاميون يعزز الثقافة الانتمائية لدى الشباب العربي بدرجة متوسطة, و وجود فروق دلالة من مستوى التأثيرات الناتجة عن وعي هذا الجيل من المجتمع الناتجة لوسائل الإعلامي المحلي تبعاً لجميع المجالات .

حيث تقوم وسائط الإعلام بكافة وسائلها وأشكالها المسموعة, والمرئية, والمقروءة, دوراً كبيراً في التأثير على الرأي العام وتشكل توجهاته واتجاهاته, أو تعبئته باتجاه أهداف أو قضايا معينة, فتُعد وسائل الإعلام كأداة مهمة في عمليات التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي, لذا تستخدم كوسيلة للتأثير وتغيير الاتجاهات لدى الفئات المستهدفة .

 كما تُعدّ وسائط الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة مصدراً مهماً من مصادر التوجيه والتثقيف في أي مجتمع من مجتمعاتنا العربية, وهي ذات تأثير كبير في صفوف الجماهير المختلف باختلاف مستوى العمري والوعي الثقافي, المتباين في اهتمامه وتوجيهاته ومستواه الفكري والأكاديمي والاجتماعي, وشهدت المنطقة العربية مؤخراً تزايداً ضخماً في نشأة وكالات الأنباء المحلية والدولية, كما شهدت تطوراً فنياً وتكنولوجياً في سرعة نقل الخبر وفي سرعة استلام وتخزين وإرسال التدفق الهائل من الأخبار المصورة بسرعة لم يشهد لها مثيل, وهذا أدى إلى جذب الجمهور وزيادة الاعتماد على وسائل الإعلام خاصةً منها المواقع الإلكترونية, و وكالات الأنباء الرسمية, ومع ظهور الفضائيات أصبح يقع على عاتق الإعلام مخاطبة مشاهدين متنوعين في العادات والتقاليد والأفكار والقيم والمعتقدات .

 فالبرامج الثقافية التي تبثها الفضائيات تهدف إلى تغيير آراء جمهور المشاهدين وإقناعهم بموقف معين تتبناه الجهة الإعلامية سواء كانت مؤسسة أودولة أو حزباً أو فصيلاً ما, وفي النهاية يكون الهدف هو التأثير على سلوك الجمهور المتلقي المستهدف, كما أن محاولات تغيير الاتجاهات هي جزء من محاولات الإقناع, لذا فأن عملية تغيير الاتجاهات والإقناع يعني عملية التأثير الثقافية السياسية, فأذا كان المتلقي يؤمن بفكرة معينة ويؤديها ولكن ليس منحازاً لها وأتت الرسالة الإعلامية لتقوي هذا التأييد بهذه الفكرة التي يؤمن بها الجمهور المتلقي يكون قد حصل تغيير في الاتجاهات لدى المتلقي وتمت الرسالة الإعلامي لخلق اتجاه أو رأي لدى المشاهد .

  وهذا ما يدعو إلى أهمية التوقف عند الوسائط الإعلامية التي لم تعد بسيطة كما كانت قبل ظهور الثورة التكنولوجية الحديثة, التي فتحت دورها في عصر التقنية كوسائط إعلامية ذات سلطة معنوية محددة لتصبح محرك للمجتمعات من أجل المطالبة بقوتهم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية المشروعة, ولقد برزت بعض المتغيرات الدولية في الحياة الاجتماعية والثقافية في الوطن العربي, وخلت حياة المنطقة روافد جديدة ساعدت على تكوين الرأي العام وبرزت تيارات ثقافية وإصلاحية, فرضت تعزيز القطاع الإعلامي لمواجهة تحديات العصر آنذاك, لذا توجب على الدول العربية الاهتمام بالإعلام لما له من أثر كبير على الرأي العام الدولي .

 وفي أي بلد عربي كغيره من البلدان تنبه إلى أهمية منظومة الإعلام على المستوى المهني والمؤسساتي, وخاصةً في ظل الثورات المعلوماتية وتطوير وسائط الاتصال والانفتاح الدولي, لأن الإنسان يكون دائماً بحاجة إلى ماهو جديد و معرفة وحضارة وحداثة, كي يطلع على الأحداث والوقائع التي تحيط به ومن حوله, وكي يتنبه للأخطار قبل حدوثها, لذا فهو دائما بحاجة إلى وسائل الاتصال الحديثة و إلى كلّ الإذاعات والصحف والتلفازات, وقد يختلف تأثير هذه الوسائل بطبيعة تأثيرها على الشعوب, وكذلك يختلف تأثير هذه الوسائل على المشاهد وعلى حسب اختلاف المجتمعات فبعض المجتمعات تكون الوسيلة المقروءة مثل الصحف أقوى تأثيراً من الوسيلة المسموعة والمرئية كالإذاعة والتلفاز, واهتمت الثقافة الفكرية الإعلامية العربية في ضوء الإمكانات المتاحة بالإذاعة والصحف وشاشة التلفزيون إدراكاً منها لما لذه الأجهزة من أثر خطير في تشكيل الثقافة والأدب, وبالتالي تشكيل الرأي العام, وتحديد المواقف تجاه القضايا المطروحة بالبلاد .

لاسيما أن الثقافة والإعلام يٌمثلان مواقف الأمة في المنطقة العربية وخاصة ً في بلد معين من النظام السياسي القائم فيه والعناصر الاساسية التي تتكون منها, وهي تعني كيفية تقوم الشعب والمواطن لمؤسساته الحكومية الرسمية والاتحادات النقابية و الشعبية واللجان الأهلية, أي أن الثقافة الفكرية تؤخذ على محمل كونها وسائل اندماج وتلاحم بين الأفراد ضمن الأنظمة والقوانين المحلية للدولة , القائمة على أسس التوجهات الثقافية الإعلامية المتمثلة والمتناسقة والملائمة بالنسبة إلى المؤسسات الحكومية, فالثقافة الفكرية هي تلك التوجهات النافعة للشعب عبر أنظمة وقوانين تحكمهم مأخوذةً بحكمةً وعدلاً .

 وكون الهدف الأول لبعض الأنظمة العربية استمرار بقائها في الحكم, لذا تسعى إلى تشكيل ثقافة وطنية لدى شعوبها بما يتوافق مع توجهاتها, ذلك باللجوء للإقناع السياسي من خلال وسائل التأثير المحلي وهي الصحافة والإذاعة والفضائيات والوسائل الأخرى من فنون الحرب النفسية, ولما كان هذا العصر الاقناع والإعلام السياسي, وتحويل اتجاهات الرأي العام, فقد غدا السلاح الإعلامي أكثر في تقريره لمصير النظام الفكري للمجتمع, باعتباره هو الوحيد القادر على خلق حالة من الولاء أو الخضوع والخنوع بدلاً من حالة الرفض والحذر  والمطالبة بالكرامة الوطنية والإنسانية, ومما يساعد الحكومة على حسن استخدام أجهزة الإعلام السياسي, الطبيعة السيكولوجية للبشر إذ أن الإنسان لايحب العزلة وهكذا على الحالة الاجتماعية والاختلاط مما يجعله معرضاً بالتواصل والتأثير بالآخر, وهذا سر النجاح الأول في الإقناع الإعلامي والتأثير على الرأي العام العالمي, إذ يعمل الحزب السياسي أو العمل الإداري في الحكومة على الاستفادة من هذه الغرائز, ليزرع أفكاره المطروحة, معتمداً على استخدام فن وتكنولوجيا الإعلام الإبرز والمنجزات التي حققها السياسي ليرسم له الحلم الزاهي, الذي سيكون المواطن إذا ما اتبع توجهاته وإرشاداته , وبرغم من ذلك تمخضت النتائج التي افرزها الحراك الشعبي في بعض الدول ضد الأنظمة الحاكمة والمتواطئة مع الاحتلال الصهيوني, عام 2010 عن ردود فعل لبعض الحكومات العربية ضد الإعلام , والتي لعبت دوراً في تغيير الثقافة والفكر السياسية للشباب دونما سيطرة مطلقة من الأنظمة كما في السابق, مما جعلها تندم وتتراجع عن مستوى الفوضى الإعلامية التي منحتها لأجهزتها ومؤسساتها, واعتبرت أن الفترة الماضية التي أخذ فيها الإعلام دوره يُعد بمثابة”جريمة” ارتكبت بحق الشعب, وقد حان الآن وقت العقاب للإعلام على الأفعال التي ارتكبت بحق المواطن, بعد حسي البعض أن الحكومات أصابها الوهن والضعف ويمكن أن تتهاوي بسرعة بفعل” التحريض الإعلامي .

 فلم تنظر حكومات الأنظمة العربية إلى عمل الإعلام الذي كان يحرض ويوجه الشباب للخروج إلى الشارع والساحات للمشاركة في المظاهرات والمسيرات المختلفة والتي تدعو إلى التغيير, ومحاسبة الفساد والمفسدين ومحاسبة من ارتكبوا انتهاكات ضد الشعب, واعتبرت هذه الأنظمة الحاكمة أن وسائل الإعلام تثير الفتن, وتساهم في زيادة التباعد بين أبناء المجتمع, وفي ضوء نظرية هذه الحكومات السلطوية ، لأن الإعلام المحلي غالباً ما يكون مسيسا لصالح الأنظمة الحاكمة, في سيطرة الدولة فقط يستطيع الفرد أن يكسب ويطور صفات الكائن المتحضر, ويجب على وسائل الاتصال بالجماهير أن تدعم الحكومة في السلطة لكي يستطيع المجتمع أن يقدم والدولة أن تصل إلى أهدافها, ” التي تحكم الدولة ” توجه العامة التي لا تعتبر مؤهلة لاتخاذ القرارات السياسية, إذ أن رجل واحد أو رجال قليلون هم الذين يقودون, ومن واجباتهم أن يراقبوا وسائل الإعلام التي تستخدم لدعم الحكومة وأهدافها , إن وسائل الإعلام على حسب هذه النظرية تعتبر تعليمية وموجهة ودعائية, وكذلك تعتبر أدوات للسيطرة, والشخص الذي يعمل بالصحافة يكون عمله هذا بمثابة امتياز خاص يمنح بواسطة الدولة الوطنية لذلك ، فهو مدين بالالتزام لوطنه وحكومته .

 إن هذه الفلسفة الإعلامية كانت ومازالت القاعدة أو الأساس لكثير من أنظمة الإعلام في العالم .

 لذا فإن انتشار وسائط الإعلام بكل أشكالها في مناطق  محور المقاومة على نطاق واسع, وظهور وسائل اتصال جديدة أكثر تطوراً جعل الكثير يتساءلون عن الدور الفعلي التي تلعبه هذه الوسائل الإعلامية في ولائها للمقاومة من ناحية, وفي تعزيز الثقافة الوطنية والفكر السياسي لدى المجتمع وخصوصاً جيل الشباب من ناحية أخرى, وهذا ما تسعى هذه الدراسة للإجابة عليه من خلال التحقيق من أثر وسائل الإعلام العربية المقاومة , ( الصحف والجرائد والإذاعات والفضائيات والمواقع الالكترونية ) في تشكيل الفكر السياسي وثقافة وأدب المقاومة لدى الشباب العربي المقاوم , والمناهض لكل سياسة أشكال التطبيع والغزو الثقافي . 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك